هناك من يتعامل بأسلوب يعبر فيه بالرضا والمدح والثناء على قرارات أو إجراءات المسؤول في حال حضوره، وفي غيابه يسب، ويسخط وينتقد، وهذا يغش نفسه ويغش المسؤول والمؤسسة التي يعمل بها، بل يغش المجتمع بأكمله

تخيل أنك تسبح في أحد الأنهار الجارية، وباتجاه معاكس لمجرى هذا النهر، أو تسبح في إحدى البحيرات التي بها أمواج عاتية، وفي اتجاه معاكس لهذه الأمواج، والناس من حولك في هذا النهر أو البحيرة يسبحون في الاتجاه الصحيح والمتوافق مع مجرى هذا النهر، أو اتجاه الموج، وهذه مقارنة من يسبح عكس اتجاه التيار بمن يتبع مبدأ خالف تعرف بهدف الظهور، أو البروز باتباعه لهذا الأسلوب في المجتمع، أو في بيئة العمل رغبة في تحقيق أهداف خاصة، مع أن هناك مجالات منطقية ومقبولة يمكن من خلالها تحقيق الأهداف، أو تحقيق الشهرة التي قد تكون في النهاية هي الهدف الأساس، أو غير ذلك من الأهداف غير المعلنة، ويبدو ذلك واضحا عند بعض الأفراد من خلال توظيفهم للأسلوب المخالف للنسق السائد في المجتمع أو القطاع أو المؤسسة، أو المكان الذي يعمل به بهدف إرضاء المسؤول، وكسب وده، وكأن لسان حالهم يقول: نحن هنا جاهزون لأي مهمة، وذلك لا يتعدى الجانب التنظيري فقط، وهذه الفئة موجودة وبكل أسف في مجتمعاتنا بمختلف مستوياتها، فهي تستميت في سبيل الحصول على الشهرة، أو تحقيق أهداف خاصة من خلال أسلوب السباحة عكس التيار؛ حتى وإن كان حصول مبتغاهم على حساب الآخرين، أو على حساب البيئة أو المكان الذي يعمل به، وهذه الفئة لا تنظر إلى المصلحة العامة أو مصالح الآخرين، ولا يهمها إلا مصالحها بالدرجة الأولى، وهنا أرى أن هذه الفئة قد تخلت عن المبادئ الأساسية التي تحكم بيئة العمل، وهي تتظاهر وتحاول أن تقنع الآخرين بأن ما تقوم به من خدمات أو تصرفات، أو فزعات يخدم المصلحة العامة، ويحقق الأهداف المنشودة، وينعكس إيجابيا على المكان أو البيئة التي يعمل بها، وهي تدرك تماما داخل ذاتها أن ما تقوم به من سلوكيات مخالف للنمط السائد ولا يتوافق مع المعمول به، ويصنف علماء النفس هذه الفئة من الناس بأنها تعاني من نقص، أو اضطراب في الشخصية، وتحاول تعويض هذا النقص من خلال لفت أو شد انتباه الناس من حولها بما يقومون به من تصرفات غير مقبولة لدى الأغلبية، أو غير متوافقة مع بيئة العمل ومتطلباته، وهي بحاجة إلى علاج نفسي مكثف.
والأمثلة في مجتمعاتنا على تصرفات أو سلوكيات هذه الفئة متنوعة، ومتعددة، وقد يكون من المناسب عرض مثال واحد ومناقشته بنوع من التعمق، ففي كل بيئة عمل نجد مثالا يجسد هذا النوع من الناس، فعندما يتعمد أي مسؤول في إدارة أو مؤسسة أو قطاع ما تحقيق أهداف خاصة بعيدة عن الأهداف الحقيقية لهذه المؤسسة من خلال بعض الإجراءات أو القرارات، أو التصرفات غير المقبولة، أو غير الصحيحة، أو غير النظامية لا يؤيده عليها العاملون معه، ولا يقرونها، بل قد تؤدي في النهاية إلى إخفاق هذه المؤسسة، أو عدم قيامها بما هو متوقع منها بالشكل المطلوب وقد ينصحه، أو ينبهه المخلصون من العاملين معه، ولكن إصرار هذه الإدارة السلطة على هذا التوجه وتعنتها قد ينعكس سلبا على أداء هذا القطاع، وإنتاجيته، ويكون هناك عدم رضا اجتماعي، أو عدم موافقة على ما يتم في هذه المؤسسة أو القطاع من إجراءات غير مقبولة، وهنا يظهر من يسبح عكس التيار، ويستغل الفرصة في تأييد هذه النوعية من المسؤولين فيما يتخذونه من قرارات أو إجراءات غير مناسبة لا تصب في مصلحة بيئة العمل، فتظهر للمسؤول رضاها وتأييدها له، بل تعمل كأداة، أو وسيلة لتحقيق أهدافه، وتنفيذ قراراته غير السليمة، وتعمل على تحقيق المثل الذي يقول: اللي يقول البق باشي ماشي، ولكنها في الواقع وفي حال غياب المسؤول تسب فيه وتشتمه، وتنتقده، وهذه الفئة تعاني من مشكلات نفسية متعلقة بالشخصية، وحقيقة أن من يتعامل مع المسؤول بأسلوب يعبر فيه بالرضا والمدح، والثناء على هذه القرارات أو الإجراءات حال حضوره وفي غيابه يسب، ويسخط وينتقد؛ فإنه يغش نفسه، ويغش المسؤول، ويغش المؤسسة التي يعمل بها، بل يغش المجتمع بأكمله؛ لأن المسؤول قد يعتقد من خلال ما يلمسه أو يسمعه من هذه الفئة أو المطبلين -إذا جاز التعبير- بأن جميع ما اتخذه من قرارات أو إجراءات، أو تصرفات مناسبة، وهي في الواقع غير صحيحة، أو غير مناسبة، وقد يتعمد هذا المسؤول ذلك مع إدراكه لما يقوم به من تصرف غير صحيح أو غير ملائم، وقد تكون مبنية على كلام الفئة التي تسبح عكس التيار، وتردد كل شيء على ما يرام.
وهنا أوجه رسالة لأفراد هذه الفئة بأن مجتمعنا ليس بحاجة إلى مزيد من هذه السلوكيات، والازدواجية في التعامل مع المسؤول، فلا بد أن يتم الإخلاص في العمل، وعدم مجاملة المسؤول عندما يخطئ لأنه في النهاية بشر، وكلنا معرضون للخطأ، وهنا من الضروري عرض وجهة النظر بنوع من الصدق والشفافية والحيادية، وبعيدا عن التزلف، أو التعامل بوجهين، ومن يسبح عكس التيار هنا يعتقد أن لديه العصا السحرية التي من خلالها يمكنه حل المشكلات، والإخفاقات في هذه المؤسسات التي هي نتيجة لقرارات غير سليمة، أو إدارة غير ناجحة، أو نتيجة للتخبط الإداري، وكثير من أفراد هذه الفئة تأخذ أفكار الآخرين وتتبناها وتقدمها وتجيرها لنفسها، وهي في الواقع ليست من أفكارها، وتعتقد أنها تقوم بدور المنقذ لهذا الكيان، أو المؤسسة، وهي التي ستحل المشكلات التي تواجهها، وهنا أقول: لا يصلح العطار ما أفسده الدهر، وهذا فيه مغالطة للنفس، وللواقع.
ختاما أقول لمن يسبح عكس التيار بأنه سيتعب كثيرا، ولن يصل إلى وجهته، ولن يحقق أهدافه بالشكل الصحيح، وعليه أن يعيد حساباته، ويحاسب نفسه، وينظر للمصلحة العامة قبل المصلحة الخاصة، ولا نريد مزيدا من التطبيل، والتضليل؛ فلا يدوم إلا الصحيح.