جدة: نجلاء الحربي

لم يعد الحديث عن ازدهار السياحة في المملكة مجرد وعود مؤجلة، بل تحول إلى واقع رقمي واضح المعالم، حيث كشفت الأرقام الرسمية الراصدة لحركة السياحة خلال العام 2025 عن مشهد يتسارع بثبات؛ وعلى الأخص فيما يتعلق بنسب الإشغال الفندقي، حيث تصدّرت المدينة المنورة قائمة نسب الإشغال الفندقي بنسبة بلغت 69%، دلالة مباشرة على استمرار قوة السياحة الدينية، مدعومة بتحسينات نوعية في الخدمات والبنية التحتية.

وفي مشهد يعكس تنوع محركات الطلب، جاءت الرياض في المرتبة الثانية بنسبة 64% مدفوعة بزخم الفعاليات الاقتصادية والترفيهية، بينما سجّلت جازان 60%، في مؤشر لافت على صعود الوجهات الطبيعية في قائمة اهتمام السياح.

أما بقية المدن، فقد رسمت خريطة متوازنة للنمو: جدة والطائف والدمام والباحة عند حدود 56%، خميس مشيط 57%، نجران 59%، بريدة وعنيزة وسكاكا 54 %، حائل 49%، عرعر 50%، الأحساء 44%، مكة المكرمة وتبوك 42%، فيما بلغت النسبة في مدن أخرى 46%.

ولا تعكس هذه الأرقام حركة الإشغال فقط، بل تؤكد أن الطلب السياحي في المملكة لم يعد موسميًا أو محصورًا، بل بات موزعًا على مدار العام ومرتبطًا بتجارب متعددة.

من التقليدية إلى المتكاملة

السياحة في المملكة لم تعد «زيارة مكان»، بل أصبحت «عيش تجربة»، في تحول جوهري يعكس إدراكًا عميقًا لتغير ذائقة السائح العالمي، الذي لم يعد يكتفي بالمشاهدة، بل يبحث عن التفاعل والانغماس.

واليوم، تتشكل التجربة السياحية من مزيج متكامل: فعاليات، ثقافة، ضيافة، وخدمات رقمية سلسة. والنتيجة هي نموذج سياحي حديث يعيد تعريف العلاقة بين الزائر والوجهة، ويضع المملكة ضمن خريطة المنافسة العالمية بثقة متزايدة.

وجهات تغير الخارطة

ضمن إستراتيجية واضحة، أعادت المملكة رسم خريطتها السياحية عبر 10 وجهات رئيسة هي الباحة، الشرقية، الطائف، الرياض، المدينة المنورة، حائل، عسير، الجوف، جدة، والعلا، وهي وجهات تمثل منظومة متكاملة تضم 35 موقعًا سياحيًا متنوعًا، لكل منها طابعه الخاص وتجربته الفريدة، وهذه ميزة إستراتيجية تمكّن السائح من الانتقال من الشواطئ إلى الجبال، ومن الصحراء إلى المواقع التاريخية في تجربة واحدة، وهي ميزة نادرة في صناعة السياحة عالميًا.

مشاريع عملاقة

لا يقوم الرهان السعودي في السياحة على التوسع التقليدي، بل على إعادة تعريف المفهوم بالكامل. مشاريع مثل «نيوم» و«البحر الأحمر» و«القدية» تمثل مختبرات مستقبلية لصناعة السياحة، حيث تلتقي الاستدامة بالتقنية والترفيه بالفخامة، وهي مشاريع لا تستهدف زيادة أعداد الزوار، بل جذب نوعية مختلفة من السياح، وهم الباحثون عن تجارب استثنائية ذات قيمة عالية، بما يحول السياحة من قطاع خدمي تقليدي إلى صناعة اقتصادية عالية العائد.

وتبني المملكة قطاعها السياحي برؤية طويلة المدى، واستثمارات ضخمة، وبنية تحتية تتطور بوتيرة متسارعة، وقد باتت على أعتاب مرحلة جديدة. مرحلة لا تُقاس فقط بعدد الزوار، بل بجودة التجربة وقيمة الأثر الاقتصادي والاجتماعي، حيث لم تعد خيارًا ثانويًا، بل أصبحت صناعة استراتيجية تعيد رسم ملامح الاقتصاد الوطني، وتفتح أبوابًا واسعة لمستقبل أكثر تنوعًا واستدامة.

أثر اقتصادي

تعد السياحة اليوم أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وهي تسهم في الناتج المحلي في تصاعد، مدفوعة بزيادة الإنفاق السياحي وتوسع سلاسل القيمة المرتبطة بها، وهي تخلق فرص عمل واسعة، ليس في الضيافة فقط، بل في مجالات الإرشاد، النقل، الفعاليات، والخدمات الرقمية، كما أصبحت المنشآت الصغيرة والمتوسطة لاعبًا رئيسًا في المشهد.

وامتد أثر التحول السياحي ليعيد تشكيل نمط الحياة داخل المملكة، حيث تضاعفت خيارات الترفيه، وباتت الفعاليات جزءًا من المشهد اليومي، ما أدى إلى تقليص الحاجة للسفر الخارجي وزيادة الإنفاق المحلي.

كما أسهمت السياحة في إبراز الهوية الثقافية للمناطق، وتحويل الموروث المحلي إلى عنصر جذب.

تحول هيكلي

تحولت السياحة السعودية من العرض المحدود إلى تنويع المنتج، فبعد أن كان المشهد السياحي في المملكة أحادي البعد قبل سنوات، متمحورًا حول الحج والعمرة. تغيرت المعادلة اليوم بالكامل نحو نموذج قائم على تنويع المنتج السياحي، وتوزيع الحركة السياحية جغرافيًا، وتوسيع خيارات الزائر، ورفع متوسط مدة الإقامة، وهو المؤشر الأهم في تعظيم الربحية.

جودة العائد

تعكس المرحلة الحالية تحولًا ذكيًا من «كم زائر نستقبل؟»، إلى «ما قيمة هذا الزائر؟».

وتستهدف المشاريع الكبرى شرائح ذات إنفاق مرتفع، وتقدم تجارب نوعية بدلًا من الاعتماد على الكثافة العددية فقط، بما يرفع كفاءة العائد الاقتصادي، ويقلل الضغط على البنية التحتية، ما يجعل النمو أكثر استدامة.

وتمتلك المملكة عنصرًا تنافسيًا نادرًا يتمثل في التنوع الجغرافي والثقافي ضمن نطاق واحد.

وهذا التنوع يسمح بتجزئة السوق السياحية واستهداف شرائح متعددة، من عشاق المغامرة إلى الباحثين عن الهدوء، ومن السياحة الدينية إلى الثقافية والترفيهية، مما يعزز استقرار الطلب على مدار العام.

نجاح تنظيمي

النجاح في التحول السياحي في المملكة لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة إصلاحات تنظيمية واضحة شملت تسهيلات التأشيرات، وتطوير الأنظمة، ودعم الاستثمار، ورقمنة الخدمات.

وخلقت هذه العوامل مجتمعة بيئة جاذبة، أدت إلى تسارع الاستثمارات ورفع جودة الخدمات، لتدخل السياحة في دورة نمو متسارعة ومستدامة، ووفرت فرص عمل، وأعادت تشكيل علاقة المجتمع بالترفيه والثقافة، وعززت مفهوم «السياحة الداخلية»، ورفعت مستوى جودة الحياة، وباتت جزءًا من هوية المجتمع الحديث في المملكة.

معدلات الإشغال الفندقي في السعودية 2025

(المعدلات ربع السنوية)

الربع الأول 63 %، بزيادة قدرها 2.1 نقطة مئوية مقارنة بالعام السابق

الربع الثاني 53.2 %، بانخفاض طفيف بنسبة 2.2% عن نفس الفترة من عام 2024

الربع الثالث 49.1 %، وهو يمثل تحسنًا بمقدار 2.9 نقطة مئوية مقارنة بالربع الثالث من العام 2024