ولإنزال العنوان بعاليه إلى شواهد واقعية من الميدان ومن مشاهد الحياة اليومية المألوفة سنعبر أولا لهذه القصص: عند الثامنة مساء الجمعة بتوقيت العاصمة البريطانية

ولإنزال العنوان بعاليه إلى شواهد واقعية من الميدان ومن مشاهد الحياة اليومية المألوفة سنعبر أولا لهذه القصص: عند الثامنة مساء الجمعة بتوقيت العاصمة البريطانية، لندن، هبط مجند مصاب من الحرب الأفغانية بشعلة الأولمبياد (لندن 2012) من طائرة الهيلوكبتر إلى برج لندن على ضفاف نهر، التيمز، مبتدئا حدثا تاريخيا انتظرته بريطانيا لست عشرة سنة منذ ترشحها بالملف للفوز بشرف تنظيم الألعاب الأولمبية التي ستبدأ يوم الجمعة القادمة. ومن الإحصاءات اللافتة حول الحدث أن نزول الشعلة للدقيقة الأولى في شوارع لندن قد استأثر حول العالم بما يقرب من 500 مليون مشاهد، ونقل في ذات، التوقيت، إلى مئتي قناة تلفزيونية تعليقا لما يقرب من 50 لغة حول العالم.
وكل القصة في ذروة المشهد السينمائي لوصول الشعلة إلى المدينة المستضيفة في جولة الأسبوع النهائي كانت أمام أعين الملايين في السؤال: من هو الذي سيجري بالشعلة في الأمتار الأولى لوصولها إلى هذه المدينة؟ ولأن الشعلة ستنام تلك الليلة في غرفة ـ الجواهر الملكية ـ في برج لندن التاريخي؛ فإن اثنين فقط هما من سيقطع بها مسافة 132 مترا من مهبط الطائرة العمودية حتى الغرفة. ومن بين ثمانية ملايين لندني اختارت بريطانيا لمشهد الذروة التاريخية ولشرف حمل الشعلة أمام عيون العالم كلا من: كيلي هومز، امرأة سمراء فارعة الجمال وبريطانية من أصل كاريبي، ومن ثم تسلم ذات الشعلة إلى أحمد أبو حسام، بريطاني مسلم من جذور باكستانية. وللحق فقد سبحت في لحظة عاطفية وأنا أشاهد حماس هذا الشاب المسلم وهو يذرف الدموع ولم يستطع أن يقول أكثر من جملة واحدة: سأعيش بقية عمري بلقب جديد، فأنا أول (لندني) يحمل شعلتها الأولمبية.
وجواب السؤال بعاليه يكمن في القيم الحضارية التي تبعثها هذه المجتمعات في التسامح والمساواة وفي كفالة الشراكة الاجتماعية بين الأطياف والأعراق والأديان. أعتقد بكل صدق وصراحة أن الفارق الاجتماعي فيما بيننا وبينهم في المبادئ القيمية ينذر بفارق ضخم. أعرف أن العنوان بعاليه استفزازي مثير للجدل، وأنا أختم القصة السابقة بجملة واضحة: هذا الغرب الإنساني في عيوننا ضحية لصورة مشوهة بالعمد، وسأكون أكثر صراحة وأقول: إن الفوارق العنصرية في التطبيق الاجتماعي بيننا وبين هؤلاء تنذر أيضا بمساحة بينية هائلة. نحن لا نعرف من الصبغة الإنسانية للمجتمع الغربي إلا ما كان من شيئين: الأول، ما كان من قراءة تحليلية للغرب السياسي، وهذه النخب في كل الأماكن وشتى الأزمنة لا تعكس طبيعة الشعوب، ولا ميولها الإنسانية الموجبة.. والثاني، ما كان من الأدبيات الهائلة للخطابات الثقافية المختلفة التي شوهت إنسانية هذا الغرب في المجموع، وخصوصا فيما بعد نظرية (صدام الحضارات) وبالتالي بزوغ النزعة إلى استلاب الأديان المختلفة كغطاء على هذا الصدام الحضاري. وللحق فقد أعادتني هذه اللقطة التلفزيونية الغارقة في الثراء الإنساني إلى سنوات طويلة خلت قضيتها في هذه المدينة بعشرات الصور والمواقف والمشاهد المماثلة، وهي ذات الحقائق التي يعرفها الآلاف من قبلي ومن بعدي عن البعد الإنساني الخلاق لهذه المجتمعات، ولكن: من هو الشجاع الذي يستطيع أن يكتب هذه المقاربات والمقارنات بين مجتمعين؟ هذه المدينة وهذا المجتمع الذي يعطي شرف الحضور الطاغي في دقائق الذروة لأهم حدث عولمي في تاريخها الحديث لاثنين من المهاجرين من أقليات الأقلية التي تعيش في وسط أغلبية جارفة من ـ الأصليين ـ الذين ملؤوا المكان احتشادا وتصفيقا لظاهرة نادرة لا تتكرر إلا في هذه المجتمعات التي امتلأت تسامحا ومساواة وكفالة للشراكة الاجتماعية.
والخلاصة أن ذروة سنام القصة الأخلاقية إذا ما أردت أن تتعرف على قيم المجتمعات ليس إلا قياسات القرب أو البعد من الانتقام والثأر والإقصاء والعنصرية.
كنت بالصدفة ـ ولهذا كتبت ـ أشاهد القصة آنفة الذكر وأنا أقرأ كتاب (الأمير) للمؤلف ويليام سيمبسون، وفيه وصلت إلى مقطع من مذكرات الأمير بندر بن سلطان وهو ضيف شرف على احتفال الزعيم الأفريقي الكبير نيلسون مانديلا، بعيد ميلاده الثمانين، ولحظة وداعه وفيما هو يخرج من قاعة الاحتفال دعاه مانديلا بصوت مرتفع: (بندر... تعال أريدك أن تلتقي بشخصية رائعة ومهمة.. إنه سجاني، وهو رجل أبيض قادم للاحتفال بعيد ميلادي.. لديه بعض الهدايا.. دعنا نذهب ونر. قدم السجان لمانديلا بعض الشامبو وصابون الحمام من النوع نفسه الذي كان يقدمه تهريبا له وهو في السجن). فكر بندر في سره ثم صاح: يا له من رجل، حتى سجانه جاء ليحتفل به. (كتاب الأمير ص412). بمثل هذه القيم الأخلاقية لم يسم مانديلا بنفسه وحسب، بل سما بشعب جنبه قيم الثأر والانتقام.. تلك هي بعض إضاءات على تلك الشعوب التي لا نود أن نعرفها..!