ترقد إيلاف في غيبوبتها بمجرد (عُشر) عين إلى ما تبقى من آمالها الظامئة الهشة لهذه الحياة. وبالطبع أنا مؤمن أن حظها من الغيبوبة على سرير المشفى أرحم لهذه الطفلة من صدمة الواقع وبقية تفاصيل المأساة.

ترقد إيلاف في غيبوبتها بمجرد (عُشر) عين إلى ما تبقى من آمالها الظامئة الهشة لهذه الحياة. وبالطبع أنا مؤمن أن حظها من الغيبوبة على سرير المشفى أرحم لهذه الطفلة من صدمة الواقع وبقية تفاصيل المأساة. كيف ستصحو إيلاف على ذكريات أم رحلت وعلى بقايا الصور لأخوين ذهبا لبارئهما في بضع ثوان من حادث أليم؟ كيف ستحبو إيلاف، إن كتبت لها الحياة إلى آلاف الكوابيس مثلها مثل من يبحث عن – محارته – في بحر لجي؟ ومع أبيها، بكينا على البعد كل صور هذه – الدراما – المفزعة: شاب كان يرفل في قصة نجاحه وليس أعظمها إلا أركان عائلة ذهبت في مهب الريح في مجرد لحظة من ثواني تفاصيل هذه الحياة. لا شيء أبداً أبداً بقي منها غير بقايا إيلاف: يريدها أن تحيا وتعيش لا لشيء إلا كي تظل شاهدا مثل نصب على آثار مقبرة. صارت – المقبرة لديه أغلى قطعة – حياة – لمثل هذه الحياة. أصبحت له – إيلاف – كل الدموع اليومية السائلة من بقايا نهر جارف من الدموع.
يريدها، إن كتب الله نهاية المأساة، وقد فعل لها كل المستحيل ليبقى على الأمل الشارد. يريد لنفسه راحة الضمير أنه فعل لأجلها كل ما يمكنه. يريد لها إن رحلت، بقضاء الله وقدره، أن ترحل وقد فعل كل ما يستطيع. أن تموت على السرير الذي تستحق وأن ينقلها إلى المشفى الذي لا يأخذه من بعده ندم أو حسرة. يريدها أن – تحيا وتعيش – لا ليشم من خلالها وعبرها آلافا من ذكريات خلت فحسب، بل لكي تكون هذه – الإيلاف – قصة نجاحه الأخير حين فشل أمام قضاء الله وقدره أن يحبس روح الحياة في أشلاء من بقايا لعائلة تاهت وتمزقت.
اليوم لم يبق من إيلاف ومن والدها إلا (أحلام الغيبوبة). طائرة عاجلة من الإخلاء. لا تسأل عن التفاصيل: طائرة لا تسأل عن حالتها الصحية. لا تسأل عن قدرتها على الانتقال إلى المشفى البعيد، لأن قدرتها على – الرحيل – الأبدي في متناول مقبضها على السرير. طائرة إخلاء حتى ولو لمجرد راحة الضمير أو لمجرد أن ترحل وهي في مكان آخر بعيد عن تلك المقبرة المفتوحة. طائرة تنضح بالإنسانية إلى تلك البقايا من طفولة إنسان، بغض النظر عما بين أوراقها من التفاصيل: طائرة لراحة الأب المكلوم من هذا العذاب الذي تباكينا عليه.