من هذا الذي يكتب التاريخ؟ من هذا الذي يصنع كبسولات الأفكار التي نبتلعها من دفتي كتاب؟ قديما قالوا إن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ

من هذا الذي يكتب التاريخ؟ من هذا الذي يصنع كبسولات الأفكار التي نبتلعها من دفتي كتاب؟ قديما قالوا إن المنتصر هو الذي يكتب التاريخ، لأن المنتصر بيده كل شيء: بيده القوة وبيده المال وبيده ذمم الناس. ورغم أهمية التاريخ لا يزال كعلم يعاني من إشكالية الحقيقة أو التصريح بها، كما أن من أخطر المؤثرات في كتابة التاريخ هو إقحام فكر كاتبه وما تملي عليه نزواته الفكرية ومراهقته الانتمائية.
اليوم لن نكون بصدد كل هذا، فالتاريخ وجد له طريقا يسلكه غير تلك الطرق البائدة سيُهشتقنا التاريخ بطريقته، ولن تكون هناك حسابات للمكسب والخسارة من منظور موازين القوى، حيث إن قاعدة أن الأقوياء فقط يكتبون التاريخ تتهاوى وسيكتبه آخرون لهم قوة مختلفة، ليس لأنهم يريدون أن يكتبوا تاريخا للحفظ والتلقين، بل لأنهم يمتلكون عناصر القوة على كتابته، بدءا من اختلاف أهدافهم وانتهاء باعتقادهم بمشروعية أن يكتبوا تحت الشمس وليس في الغرف المغلقة.
تلك القوة ستبدو في نظر الآنيين اليوم أنها مجرد هاشتاق سينتهي إلى النسيان، وهذا خلاف الحقيقة التي تعني أن القوة بيد هذه القلة من عامة ونخبة لتدوين التاريخ الذي سوف ينتزع من عمق البروباجندا ليصنع تاريخا من قلب الواقع. إننا نمر بتلك الهاشتاقات غير مدركين أنها هي الهيمنة الثقافية أو القوة الناعمة التي هي مكون رئيسي من مكونات القوة الشاملة تدون تاريخها بمعرفتها.
لكي نعرف من يكتب التاريخ لا بد أن نعرف أولا ماذا يكتب التاريخ.. التاريخ هو قوة فكرية مؤهلة للهيمنة على توجهنا ورؤيتنا. وما يعنيني هنا هو عنصر القوة المتغيرة، فهو يشكل المدخل للقوة المعنوية، وهي نوع من القوة الناعمة، بحسب التعبيرات السياسية، وهي قوة يعتد بها إلى جانب قوة أية أمة.
سيغير التاريخ صوته ولغته، سيغير حتى القضايا التي يدافع عنها ويدونها، سيكتب عن أقوام تغيرت أولوياتهم، وطرقهم ووجوههم، تغيرت مفاهيم الحق والعدل لديهم، ونسب الجمال والزيف والحقيقة، سيكون مدونو التاريخ رجالا غير أولئك الذين عهدتموهم. إنهم أقوام لغتهم تنتقل في ترددات ضوئية، لا أقلام ولا حبر ولا كتب ثقيلة مُحكمة، أقوام يسكنون تويتر والـفيسبوك، وقوقل.. وشرائح ذكية، قانونهم: اترك الأشياء تكتب.. واترك الأشياء تنطق.. واترك الأشياء ترسم.
هنا علينا أن نسلم بهذه القوة ونعترف بأنها القوة الناعمة الممثلة في الهيمنة الثقافية والتاريخية، وهي مكون رئيسي من مكونات القوة الشاملة التي ستلتفت لها الدول لتعيد ترتيب أوراقها التاريخية وحساباتها في صراعات الوجود حتى تضمن كتاباتها لتاريخها. تلك الثقافة الجديدة بكل ترسانتها الذكية وحدها هي التي ستكتب التاريخ بحسب موازين القوى الثقافية، بمعنى آخر التاريخ سيُهشتقنا إنما بناموس جديد ومدونين جدد لن يتبعوا سنن الأولين.