فيديو
قبل أن تختصر الطائرات الطريق إلى مكة المكرمة في ساعات، كان الحاج الجازاني يودّع قريته لأسابيع طويلة، حاملا زاده على ظهور الجمال، ومحملا بأهازيج الوداع والخوف من طريق شاق قد لا يعود منه الجميع. ولطول الرحلة ومخاطرها، كان كثير من الأهالي يتعاملون مع الحج بوصفه سفرا مجهول المصير، لذلك تحولت لحظات الوداع والعودة إلى طقوس اجتماعية راسخة في ذاكرة القرى.
محطة للقوافل
أوضح عريفة قبائل الصبانية وكبير عشيرة الحكامية بمحافظة الدرب الشيخ علي بن الحسين قاسم لـ«الوطن»، أن موقع الدرب على الطريق الساحلي جعلها عبر القرون محطة للحجاج والتجار والقوافل، ومكانا لتلاقي القبائل والمصاهرة والجوار، حتى أصبحت بوابة جازان الشمالية نحو عسير ومكة المكرمة.
وأشار إلى أن الحاج قديما كان يبدأ استعداداته قبل أشهر من موعد الرحلة، فيختار «الرفقة الصالحة» لخطورة الطريق، ويجهز المؤن والجمال التي كانت وسيلة النقل الأساسية آنذاك.
وداع الحاج
كان وداع الحاج مناسبة اجتماعية مؤثرة تشارك فيها النساء والأطفال، حيث تُقام الأهزوجات في منزل الحاج وسط مشاعر الفخر والحزن، ومن أشهرها:
«يوم تحبيل القعادة
كانت أيام السعادة
والجميع في سرور»
و«القعادة» كرسي خشبي يصنع من الدوم وسعف النخل، يجدد حباله نجار مختص قبل السفر، ويُعد رمزا لمكانة الحاج، فلا يجلس عليه أحد حتى يعود سالما من رحلته.
زاد الطريق ومشقة الرحلة
يقول قاسم إن القوافل كانت تنطلق منتصف شهر شوال حتى تدرك يوم عرفة، ويحمل الحجاج معهم السمن والبر واللبن المجفف، إضافة إلى أكلة «الشمير» المصنوعة من القمح والدخن الممزوج بالسمن وزيت السمسم. ولم تكن الرحلة سهلة، إذ واجه الحجاج وعورة الطرق الرملية، وندرة القرى، وتقلبات الطقس، والأمطار المفاجئة، والرياح القوية، إلى جانب الأمراض والإرهاق. ويستعيد قاسم ذكريات جدته وعدد من أهالي الدرب الذين خاضوا تلك الرحلات الطويلة بصبر ومشقة.
أهازيج الأطفال وهدايا العودة
ويضيف أن الأطفال كانوا يودعون الحجاج بأهازيج شعبية متوارثة، منها:
«يا حاج حج مكة
وجب لنا معك صنبراني
يا حاج حج مكة
وجب لنا معاك زعفراني»
وعند عودة الحاج، يحمل معه «الصنبران» وهو خليط من البخور والعطور، إضافة إلى السبح والخواتم والهدايا التي توزع على الجيران والأقارب، فيما تستقبل النساء الحجاج بالحناء والفل والبخور احتفاء بسلامة الوصول.
المبشر قبل وصول القافلة
يؤكد قاسم أن الحج قديما لم يكن مجرد رحلة دينية، بل منظومة اجتماعية متكاملة تعكس قيم التكافل والصبر والاعتماد على النفس، لذلك كان الحاج يحظى بمكانة كبيرة بعد عودته.
ويشير إلى أن «المبشر» كان يسبق القافلة من مشارف القحمة إلى الدرب ليخبر الأهالي بسلامة الحجاج، مرددين: «يا مبشر حث ساقك»، خاصة عند عبور المواقع الوعرة التي كانت تشكل خطرا على القوافل في ذلك الزمن.
من القعادة إلى الطائرة
يرى قاسم أن اختفاء القوافل البرية ووسائل السفر القديمة غير كثيرا من مظاهر الحج التقليدية، إلا أن الأهازيج والقصص الشعبية ما زالت حاضرة في المجالس والذاكرة الشعبية.
ومع تطور المملكة، تحولت رحلة الحج من المشقة إلى الرفاهية، عبر الطرق المعبدة، والطيران، وقطار المشاعر، والخدمات الصحية، والسكن المريح، والمشاريع المتطورة التي سخرتها الدولة لخدمة ضيوف الرحمن. فبين «القعادة» والطائرة، وبين «زاد الشمير» ووجبات الفنادق، بقي المعنى واحدا لدى أهالي جازان: الحج عبادة عظيمة، والذكريات القديمة تراث يروي تفاصيل زمن صنعه الصبر والإيمان.
محطة للقوافل
أوضح عريفة قبائل الصبانية وكبير عشيرة الحكامية بمحافظة الدرب الشيخ علي بن الحسين قاسم لـ«الوطن»، أن موقع الدرب على الطريق الساحلي جعلها عبر القرون محطة للحجاج والتجار والقوافل، ومكانا لتلاقي القبائل والمصاهرة والجوار، حتى أصبحت بوابة جازان الشمالية نحو عسير ومكة المكرمة.
وأشار إلى أن الحاج قديما كان يبدأ استعداداته قبل أشهر من موعد الرحلة، فيختار «الرفقة الصالحة» لخطورة الطريق، ويجهز المؤن والجمال التي كانت وسيلة النقل الأساسية آنذاك.
وداع الحاج
كان وداع الحاج مناسبة اجتماعية مؤثرة تشارك فيها النساء والأطفال، حيث تُقام الأهزوجات في منزل الحاج وسط مشاعر الفخر والحزن، ومن أشهرها:
«يوم تحبيل القعادة
كانت أيام السعادة
والجميع في سرور»
و«القعادة» كرسي خشبي يصنع من الدوم وسعف النخل، يجدد حباله نجار مختص قبل السفر، ويُعد رمزا لمكانة الحاج، فلا يجلس عليه أحد حتى يعود سالما من رحلته.
زاد الطريق ومشقة الرحلة
يقول قاسم إن القوافل كانت تنطلق منتصف شهر شوال حتى تدرك يوم عرفة، ويحمل الحجاج معهم السمن والبر واللبن المجفف، إضافة إلى أكلة «الشمير» المصنوعة من القمح والدخن الممزوج بالسمن وزيت السمسم. ولم تكن الرحلة سهلة، إذ واجه الحجاج وعورة الطرق الرملية، وندرة القرى، وتقلبات الطقس، والأمطار المفاجئة، والرياح القوية، إلى جانب الأمراض والإرهاق. ويستعيد قاسم ذكريات جدته وعدد من أهالي الدرب الذين خاضوا تلك الرحلات الطويلة بصبر ومشقة.
أهازيج الأطفال وهدايا العودة
ويضيف أن الأطفال كانوا يودعون الحجاج بأهازيج شعبية متوارثة، منها:
«يا حاج حج مكة
وجب لنا معك صنبراني
يا حاج حج مكة
وجب لنا معاك زعفراني»
وعند عودة الحاج، يحمل معه «الصنبران» وهو خليط من البخور والعطور، إضافة إلى السبح والخواتم والهدايا التي توزع على الجيران والأقارب، فيما تستقبل النساء الحجاج بالحناء والفل والبخور احتفاء بسلامة الوصول.
المبشر قبل وصول القافلة
يؤكد قاسم أن الحج قديما لم يكن مجرد رحلة دينية، بل منظومة اجتماعية متكاملة تعكس قيم التكافل والصبر والاعتماد على النفس، لذلك كان الحاج يحظى بمكانة كبيرة بعد عودته.
ويشير إلى أن «المبشر» كان يسبق القافلة من مشارف القحمة إلى الدرب ليخبر الأهالي بسلامة الحجاج، مرددين: «يا مبشر حث ساقك»، خاصة عند عبور المواقع الوعرة التي كانت تشكل خطرا على القوافل في ذلك الزمن.
من القعادة إلى الطائرة
يرى قاسم أن اختفاء القوافل البرية ووسائل السفر القديمة غير كثيرا من مظاهر الحج التقليدية، إلا أن الأهازيج والقصص الشعبية ما زالت حاضرة في المجالس والذاكرة الشعبية.
ومع تطور المملكة، تحولت رحلة الحج من المشقة إلى الرفاهية، عبر الطرق المعبدة، والطيران، وقطار المشاعر، والخدمات الصحية، والسكن المريح، والمشاريع المتطورة التي سخرتها الدولة لخدمة ضيوف الرحمن. فبين «القعادة» والطائرة، وبين «زاد الشمير» ووجبات الفنادق، بقي المعنى واحدا لدى أهالي جازان: الحج عبادة عظيمة، والذكريات القديمة تراث يروي تفاصيل زمن صنعه الصبر والإيمان.