جدة: نجلاء الحربي

في موسم الحج، تتجاوز الجهود المبذولة حدود تنظيم الحشود وتهيئة المشاعر المقدسة، لتصل إلى أدق التفاصيل التي تصنع راحة الحاج، وتمنحه الطمأنينة خلال أداء المناسك. ومن بين أبرز هذه الجهود، تبرز رحلة إعداد وتوزيع الوجبات الغذائية، التي تمر بمراحل دقيقة ومنظمة، حتى تصل ساخنة وآمنة إلى ملايين الحجاج في مكة المكرمة ومنى وعرفات.

خدمة متكاملة

أوضح أخصائي الجودة في إحدى حملات الحج، زكريا صالح، أن العمل داخل المطابخ المركزية يبدأ منذ ساعات الفجر الأولى، حيث تعمل تلك المطابخ على مدى الساعة وفق خطط تشغيلية دقيقة، تراعي أعداد الحجاج واحتياجاتهم اليومية. وأضاف أن عشرات الطهاة والعاملين يرتدون الملابس الصحية، ويشرفون على إعداد آلاف الوجبات يوميًا داخل قدور ضخمة، وسط تقسيم واضح للمهام بين فرق الطهي والتغليف ومراقبة الجودة.

وبيّن صالح أن الوجبات لا تُعامل بوصفها مجرد طعام، بل بوصفها خدمة إنسانية متكاملة تهدف إلى توفير الراحة والطاقة للحجاج في ظل أجواء الصيف والزحام، وكثرة التنقل بين المشاعر. وأكد أن القائمين على إعداد الطعام يراعون تنوع الثقافات والعادات الغذائية للحجاج القادمين من مختلف دول العالم، إلى جانب الحرص على توفير عناصر غذائية متوازنة تدعم الحاج في أثناء أداء المناسك.

وأشار إلى أن مرحلة ما بعد الطهي لا تقل أهمية عن الإعداد نفسه، حيث يتم تغليف الوجبات داخل عبوات مخصصة تحافظ على الحرارة والنظافة، قبل نقلها عبر شاحنات مبردة وحافلات مجهزة تسلك مسارات منظمة، للوصول إلى المخيمات ومراكز التوزيع في مشعري منى وعرفات.

مواقع الازدحام

من جهته، أوضح مشرف توزيع الوجبات في إحدى الحملات، عبد الله الغامدي، أن فرق التوزيع تضم متطوعين وعاملين يعملون بتناغم كبير، لإيصال الوجبات بسرعة ودقة على الرغم من التحديات الميدانية. وأكد أن عملية التوزيع وسط الازدحام وارتفاع درجات الحرارة تتطلب تنسيقًا عاليًا بين الجهات التنظيمية والخدمية والصحية، مشيرًا إلى أن بعض الفرق تضطر إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، للوصول إلى الحجاج في مواقع الازدحام الشديد، بينما تستخدم فرق أخرى عربات مخصصة لتسهيل عمليات النقل والتوزيع.

وأضاف الغامدي أن العاملين يحرصون، على الرغم من ضغط العمل وضخامة الأعداد، على تقديم الوجبات بروح إيجابية، تعكس قيم الضيافة والاهتمام بضيوف الرحمن، مؤكدًا أن الابتسامة والكلمة الطيبة أصبحتا جزءًا أساسيًا من رحلة تقديم الخدمة.

إعداد وتوزيع

على صعيد متصل، أكد عدد من العاملين في خدمات الإعاشة بحملات الحج أن دورهم لا يقتصر على توزيع الطعام فقط، بل يمتد إلى توفير شعور الراحة والرعاية للحجاج، مشيرين إلى أن التنظيم الدقيق في توزيع الوجبات يعد من أكثر الجوانب التي تثير إعجاب الحجاج منذ وصولهم إلى المشاعر المقدسة. كما تلعب الجمعيات الخيرية دورًا محوريًا في دعم منظومة الإعاشة خلال موسم الحج عبر إعداد وتوزيع الوجبات الغذائية والمياه والعصائر والوجبات الخفيفة في مواقع التجمعات وممرات المشاة ومقار السكن، وفق خطط تنظيمية دقيقة تضمن انسيابية التوزيع وسلامة الغذاء.

وتهتم بعض الجمعيات بتوفير وجبات خاصة للحجاج المصابين بالأمراض المزمنة، مثل السكري وارتفاع ضغط الدم، مراعاةً لاحتياجاتهم الصحية، إلى جانب نشر التوعية المتعلقة بالنظافة وسلامة الغذاء. وتعتمد هذه المبادرات على جهود المتطوعين الذين يشاركون في إعداد وتعبئة وتوزيع الوجبات، في صورة تعكس قيم التكافل والتراحم وخدمة ضيوف الرحمن.

وخلف كل وجبة تصل إلى يد حاج تقف منظومة عمل متكاملة، تبدأ من المطابخ المركزية، ولا تنتهي إلا بابتسامة رضا على وجه الحاج، في مشهد يجسد الجهود الإنسانية والتنظيمية التي تجعل موسم الحج تجربة استثنائية لملايين المسلمين حول العالم.