الحل الأكيد لمواجهة التمييز الديني ضد المسلمين هو أن يظهر رجال السياسة الأميركيون موقفا حازما يدين قوى التطرف والجهل ويدعم حقوق المسلمين الدينية، ولكن الجرأة نادرة في الموسم الانتخابي الحالي، وفي الجو المشحون المعادي للمسلمين
أكتب هذا الأسبوع من الولايات المتحدة والمسلمون هنا وفي أنحاء العالم يحتفلون بقدوم شهر رمضان، ولكن من المهم ونحن نحتفل بهذه المناسبة ألا ننسى أولئك المسلمين الذين لا يستطيعون أن ينعموا بهذا الفضل بسبب العداء والجهل والتمييز الديني، في مناطق عديدة من العالم. ومما يثير الدهشة حقاً أن يقع ذلك أحياناً في الولايات المتحدة الأميركية، البلد الذي تأسس على التسامح الديني.
وسبب هذه الدهشة أن الأميركيين يعتزون كثيراً بالحريات التي يكفلها الدستور الأميركي، وعلى رأسها الحرية الدينية وحرية الفكر والتعبير، فالتعديل الأول للدستور يمنع وضع أي قيود على حرية التعبير والدين والتعبد والاعتقاد.
تم إقرار ذلك في أميركا في عام 1789، أي قبل 159 من إقرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وهذه الحريات مطلقة تقريباً في المفهوم الدستوري الأميركي، خلافاً لما هو الحال في الإعلان العالمي الذي يُجيز وضع بعض القيود عليها. وبذلك وضعت الولايات المتحدة معياراً عالياً للحرية مقارنة بغيرها من الدول، وربما كان ذلك أهم إسهام لأميركا في الفكر العالمي لحقوق الإنسان، وهو ما جعل الأميركيين يتغنون ببلادهم على أنها بلاد الحرية، كما تقول كلمات نشيد العلم الأميركي.
وأحد أسباب تمسُّك الأميركيين بالحرية الدينية أن كثيراً من أوائل المهاجرين إلى هذه البلاد جاؤوا إليها هرباً من الاضطهاد الديني والحروب الطائفية في أوروبا، ولذلك أصبحوا مصمّمين على تجنّب ويلات الطائفية. وبدأ ذلك حينما كانت أميركا تحت الحكم البريطاني، فوضعت بعض الولايات قوانين صارمة لحماية الحرية الدينية، مثل ولاية ماريلاند، التي أصدرت في عام 1649م قانون التسامح الديني، الذي نص على أنه لا يجوز أن يُضارَّ أي شخص، أو يُضايق أو يُعترض في معتقداته الدينية، أوممارساته المتعلقة بتلك المعتقدات.
وكما هو متوقع كانت هناك حالات عديدة قبل الاستقلال لم تتم فيها مراعاة هذه المبادئ، خاصة فيما يتعلق بالتجاوزات التي ارتكبتها طائفة البروتستانت (التي كانت تشكل الأغلبية) في حق الأقلية الكاثوليكية، انتقاماً مما كان يحدث في أوروبا من اضطهاد للبروتستانت. وقد دفعت تلك التجاوزات الآباء المؤسسين للولايات المتحدة إلى الإصرار عند وضعهم للدستور الأميركي على وضع مبادئ مطلقة للحرية لحماية الأقليات الدينية، لتحصين أميركا ضد عدوى الحروب الطائفية الأوروبية.
وبالطبع لم يكن دائماً سهلاً التوفيق بين هذه المُثُل العليا وبين نزعة الأغلبية إلى التسلط ضد الأقليات، ولكن تم الاتفاق منذ فترة على أن الحرية الدينية التي يكفلها الدستور يجب أن تشمل حرية العبادة للفرد، وحقه في تربية أبنائه وفق معتقداته الدينية، وضمان حق الدعوة إلى الدين، وتعليمه ونشر ما تتطلبه هذه الدعوة، وحرية التنظيم والتجمع، وتملك العقار بما يمكن من تحقيق هذه الأغراض.. هذا هو المفروض أن يكون عليه الحال وفقاً للدستور الأميركي والعرف والقانون، ولكن التطبيق العملي لم يكن دائماً وفق هذه المبادئ، وكثيراً ما اضطرت الأقليات الدينية إلى الدفاع بكل الوسائل المتاحة لتثبيت حقوقها الدستورية أمام تسلط الأغلبية أوعداوة الجماعات المتطرفة. وكان حليف الأقليات الرئيس هو المحاكم الاتحادية، خاصة المحكمة العليا التي عُهد إليها حماية الدستور، والتي لا تتأثر كثيراً بالاعتبارات السياسية والانتخابية التي تمنع الكونجرس أحياناً من الوقوف أمام التطرف والتمييز الديني.
وبهذا التاريخ الطويل للحرية الدينية، والحماية الدستورية الصارمة لحرية العبادة، فإنه مما يُثير الدهشة حقاً أن نرى حالات عدة تتعلق بمعاملة المسلمين وحقهم في ممارسة شعائرهم وبناء مساجدهم، أو حين يُسمح لبعض المجموعات المسيحية المتطرفة بالحد من حريتهم الدينية. وهي حالات قد لا تشكل ظاهرة عامة، ولكننا نجدها في أنحاء متفرقة من أميركا، وربما كان آخرها حالة المسلمين في إحدى مدن جنوب ولاية تينيسي الذين مُنعوا من إكمال بناء مسجدهم الجديد. ففي مدينة ميرفريسبورو نجح المتطرفون على مدى العامين الماضيين في وقف بناء المسجد، واستخدموا في ذلك جميع وسائل العنف والتشهير بالقائمين على المشروع لمنع إقامة استكماله، ولذلك كان من الأخبار السعيدة أن قاضياً اتحادياً قرر أخيراً (يوم الأربعاء الماضي الموافق 18 يوليو) أن من حق المسلمين إقامة شعائرهم الدينية في المسجد الجديد حال كون بنائه جاهزاً. وقد رحب المسلمون هناك بقرار المحكمة واعتبروه نصراً كبيراً لهم أمام خصومهم. ولكن قرار المحكمة في حقيقة الأمر تحصيل حاصل من الناحية القانونية، فالمسألة ليست خلافاً على حق المسلمين في العبادة من حيث المبدأ، بل على ممارسة هذا الحق. ويقلل من أثر حكم المحكمة أنها شرطت ذلك بجاهزية المبنى، وهو ما يتعلق بـ رخصة الاستخدام التي يجب استخراجها من السلطات المختصة بعد استكمال البناء، وهو ما فتح الطريق إلى عدد من الاعتراضات القانونية والإدارية التي قدمها المعادون لإقامة المسجد، وهي اعتراضات واهية تقوم على ادعاءات باطلة تربط بين الإسلام والإرهاب.
والحق أن المسجد القديم في هذه المدينة الذي أقيم قبل (30) عاماً لم يعد كافياً لاستيعاب المصلين بعد تزايد أعداد المسلمين فيها، سواء من سكانها الدائمين أو الطلبة المبتعثين، ولكن حالما بدأ المسلمون في المدينة في تشييد المسجد الجديد، ظهرت معارضة قوية من قبل أقلية متطرفة تدعمها الحركات المعادية للمسلمين، وشملت وسائلهم حتى الآن المظاهرات المعادية والتهديد والوعيد، والتخريب والحريق، بالإضافة إلى اعتراضات قانونية وإدارية لا أساس لها في الواقع.
وقد ابتهج المسلمون في المدينة بقرار المحكمة الذي أشرتُ إليه، وقال بعض ممثليهم إنهم يتوقعون أن يتم الانتقال إلى المسجد الجديد قريباً، ومما دفعهم إلى التفاؤل الدعم القوي الذي تلقوه من جيرانهم في ولاية تينيسي ومن مناطق أخرى من الولايات المتحدة، من مسلمين ومسيحيين ويهود، ولكن يبدو أن المعركة لم تنته بعدُ، فما زالت هناك عقبات قانونية وإدارية من المتوقع أن يستغلها المعادون لبناء المسجد، الذين قال محاميهم بعد صدور قرار المحكمة يوم الأربعاء إنه ما زال يبحث في خيارات جديدة لوقف البناء، ولا يُستبعد أن يعود المتطرفون إلى استخدام وسائل العنف والتهديد وإرهاب المصلين لمنعهم من الاستمرار. وربما كان الحل الأكيد هو أن يُظهر رجال السياسة الأميركيون موقفاً حازماً جريئاً يدعم حق المسلمين في بناء مسجدهم، ويدين قوى التطرف والجهل، ولكن مثل هذه الجرأة نادرة في الموسم الانتخابي الحالي، وفي الجو المشحون المعادي للمسلمين في الولايات المتحدة.