بندر خليل

بكل صراحة، آن الأوان لإعادة النظر في ظاهرة «الإصلاح القبلي» في القضايا الجنائية الكبرى، وعلى رأسها جرائم القتل. فهذه الممارسات التي تُقدَّم أحياناً بوصفها أدوات لحفظ السلم الاجتماعي، لم تثبت عملياً أنها أسهمت في خفض معدلات الجريمة أو إنهاء دوائر الثأر والعنف. وعلى العكس، فإن تتبع البيئات التي يزداد فيها حضور الوساطات القبلية في قضايا الدم، يكشف أن المشكلة تستمر في إعادة إنتاج نفسها بأشكال مختلفة، وأن الجريمة كثيراً ما ترتبط بالدوافع ذاتها التي يُفترض أن تعالجها تلك الوساطات، من عصبية وانتصار للجماعة وضغوط اجتماعية متبادلة.

جوهر القضية أن الجريمة شأن أمني عام، قبل أن تكون شأناً اجتماعياً، أو خاصاً. فحين تقع جريمة قتل، يصبح المجتمع كله طرفاً فيها من خلال الدولة وأجهزتها العدلية والأمنية، لأن الأمن ليس ملكاً لعائلة أو قبيلة، وإنما حق عام تكفله الدولة لجميع المواطنين على قدم المساواة.

لذلك فإن المعالجة الأكثر اتساقاً مع مفهوم الدولة الحديثة تبدو واضحة وبسيطة: يُعاقَب الجاني في الحق العام وفق الأنظمة والأحكام الشرعية المقررة، ويُترك الحق الخاص لأصحابه دون أي تدخل أو ضغط أو مساومة. ويجب أن تُوفَّر الحماية الكاملة لذوي المجني عليه من أي تأثير اجتماعي قد يدفعهم إلى اتخاذ قرار لا يعبر عن إرادتهم الحرة، سواء صدر ذلك التأثير من شيخ قبيلة أو من أفرادها أو من أي جهة أخرى.

أما إذا اختار أصحاب الحق التنازل مقابل تعويض مالي، فينبغي أن يكون تقدير التعويض وإقراره من اختصاص القضاء وحده، بعيداً عن المزايدات الاجتماعية وسباقات جمع الأموال التي تحوّل القضية إلى مشهد استعراضي. وإذا عجزت أسرة الجاني عن الوفاء بما يقرره القضاء، فهناك مؤسسات رسمية وخيرية يمكن أن تتعامل مع هذه الحالات وفق ضوابط واضحة وشفافة.

وفي المقابل، إذا تمسك أصحاب الحق بطلب القصاص ولم يختاروا التنازل، فينبغي تنفيذ الحكم وفق الإجراءات الشرعية والنظامية المعتمدة، دون أن تتحول القضية إلى مفاوضات مفتوحة أو حملات ضغط اجتماعي طويلة الأمد.

يكمن الخطر من تمدد الإصلاح القبلي داخل القضايا الجنائية، في الأثر الذي يتركه على مفهوم الدولة ذاته.

فعندما تنتقل معالجة جريمة القتل ولو جزئيا من المؤسسات المختصة إلى شبكات النفوذ الاجتماعي، تتحول الجريمة تدريجياً من اختصاص الدولة إلى اختصاص الجماعة، وتظهر أنماط من الممارسات التي تستدعي مظاهر ما قبل الدولة، مثل الثأر والمفاخرة بالقدرة على الحشد والتأثير، بل وظهور وسطاء يتولون التفاوض بين الأطراف خارج الإطار المؤسسي الرسمي.

ومن دون بيانات تفصيلية حول المحكومين في قضايا القتل وخلفيات الجرائم المرتكبة، يصعب تقديم أحكام رقمية قاطعة. غير أن السؤال الجوهري يبقى قائماً: لو كانت هذه الممارسات تحقق بالفعل الردع المطلوب، فلماذا تستمر الجرائم ذاتها في البيئات التي تتمسك بتلك الأعراف ولم تحد أعرافها من ذلك النوع من النزاعات الدموية؟ بل لعلها فاقمتها؟!

الدولة لا تحتاج إلى من يؤدي دورها في تحقيق العدالة أو فرض الأمن أو يساهم من عنده في ذلك. فالجاني جانٍ، والمجني عليه مجني عليه، أياً كان موضع الجريمة أو الظروف المحيطة بها. ولا يستقيم أن تختلف آليات تحقيق العدالة بين منطقة وأخرى أو بين جماعة وأخرى بسبب اعتبارات قبلية أو اجتماعية.

فسيادة القانون تقتضي معياراً واحداً للجميع، وعدالة واحدة للجميع، ودولة تحتكر وحدها حق الفصل في القضايا الجنائية وإنفاذ أحكامها.

حسم الدولة للقضايا الجنائية ومنها قضايا الدم، هو تأكيد لحضورها وهيبتها وحزمها، معه تنكمش سلطة العصبيات، وتتحقق عدالة أكثر تمدناً واستقراراً ومساواة. أما حين تتقدم أعراف القبيلة على المؤسسة، أو حتى تلعب دورا مشاركا أو موازيا لدور المؤسسة، فإن العدالة تنتقل من مجرى القانون لتصبح مجالا للتفاوض الاجتماعي، حينها لن يكون ذلك إلا على حساب هيبة النظام، وكيان الدولة الحديثة.