علي بن محمد المنصور

علي بن محمد المنصور

في كل يوم جمعة وبعد أسبوع مرهق في زحمة الأعمال، أدخل الأسواق الغذائية، فأجد نفسي أمام مشهد مذهل لا يفقد قدرته على إثارة التأمل.

أذهب لشراء علبة حليب طازج فأجد أمامي عشرات الخيارات وأبحث عن الطماطم فأرى أصنافا متعددة، أريد التمر فأجد تمور القصيم والأحساء والخرج والمدينة وقد وضع أمامي أجودها. أمّا الدواجن، والبيض، والخضروات، والفواكه، واللحوم، والعسل، والعصائر، والأجبان، والخبز، ومنتجات الألبان بمختلف أنواعها، فأجد لكل منتج أربعة أو خمسة أو ستة بدائل وربما أكثر.

في تلك اللحظة لا أنظر إلى السلعة التي أرغب بشرائها فقط، بل أنظر إلى ما وراءها، إلى قصة تبدأ من مزرعة في طبرجل شمال المملكة، أو من حقول القصيم، أو مزارع الخرج والأفلاج ووادي الدواسر، أو من بساتين جازان جنوبا، ثم تمر عبر شبكات النقل والتبريد والتخزين والتوزيع حتى تصل إلى رف المتجر أمامي في الرياض أو جدة أو الدمام أو أي مدينة أخرى.

هذه الوفرة ليست مصادفة، وليست أمرا يحدث تلقائيا، فخلف كل صندوق طماطم، وعبوة حليب، وطبق بيض، وحبة تمر، تقف منظومة اقتصادية واستثمارية متكاملة تعمل على مدار العام لضمان استقرار الأسواق وتوفير الغذاء للمستهلك بجودة عالية وأسعار تنافسية. ولعل من أهم أسباب هذا التنوع ما تبنته المملكة، ممثلة في منظومة وزارة البيئة والمياه والزراعة، من خطط إستراتيجية لدعم الإنتاج الزراعي المحلي وتطوير التقنيات الزراعية الحديثة وتحسين كفاءة استخدام المياه وتمكين المستثمرين وتوسيع القدرات الإنتاجية في مختلف مناطق المملكة. وفي الوقت ذاته تم بناء منظومة استيراد إستراتيجية تعتمد على تنويع مصادر الغذاء عالميا وعدم الاعتماد على مصدر واحد بما يضمن استمرار الإمدادات حتى في الظروف الاستثنائية، ولعل ما شهده العالم خلال جائحة كورونا وما تشهده المنطقة بين الحين والآخر من تحديات تؤثر على حركة التجارة وسلاسل الإمداد يؤكد أهمية هذه السياسات ونجاحها في المحافظة على استقرار الأسواق وتوفر السلع الأساسية.

ولعل من أبلغ الأرقام التي تعكس حجم هذا التحول أن الناتج المحلي للقطاع الزراعي بلغ نحو 124 مليار ريال خلال عام 2025 وهو رقم يجسد قصة نجاح ممتدة في الاستثمار والإنتاج والتسويق والخدمات اللوجستية، فهذه المليارات لا تُقرأ في التقارير الاقتصادية فحسب بل يراها المستهلك يوميا في وفرة المنتجات وتنوع البدائل واستقرار الإمدادات على رفوف المتاجر. إنها نتيجة نهائية لعمل تشارك فيه وزارات وهيئات ومؤسسات وشركات ومزارعون ومنتجون وناقلون وموزعون ومنافذ بيع في صورة سلسلة إمداد متكاملة تمتد من المزرعة حتى سلة التسوق، حتى أصبح من الطبيعي أن يجد المتسوق عشرات الخيارات للسلعة الواحدة.

أعود بالمشهد وأنا أتجول بين تلك الرفوف وأتساءل: كيف كانت نظرة المتسوق قبل أربعين عاما؟ أولئك الذين كانوا يتبضعون من الأسواق في ذلك الزمن يتذكرون جيدا أن الخيارات كانت محدودة وأن بعض المنتجات كانت موسمية وأن تنوع العلامات التجارية والأصناف لم يكن بالمستوى الذي نراه اليوم؛ كان الحصول على بعض السلع يمثل هدفا بحد ذاته، بينما أصبح المستهلك اليوم يقف أمام وفرة من الخيارات ويحتار بينها.

لقد انتقلنا من مرحلة البحث عن السلعة إلى مرحلة المفاضلة بين البدائل، ومن مرحلة القلق على توفر بعض المنتجات إلى مرحلة الاطمئنان على وفرتها واستمرارية تدفقها. ولهذا فإن رفا ممتلئا بالحليب أو الطماطم أو التمور قد يبدو مشهدا عاديا للكثيرين، لكنه في الحقيقة يعكس قصة وطن كاملة، قصة استثمار في الأرض والماء والإنسان، وقصة تخطيط طويل الأمد، وعمل مؤسسي متواصل وتكامل بين جهات متعددة حتى أصبحت المملكة اليوم تنعم بأحد أكثر الأنظمة الغذائية استقرارا وتنوعا في المنطقة.

قد يمر كثيرون أمام تلك الرفوف دون أن يلتفتوا إلى ما وراءها، لكن من يتذكر أسواق الأمس يدرك جيدا أن ما نراه اليوم ليس مجرد وفرة في السلع، بل هو أحد أوجه النجاح الوطني التي تستحق أن نذكرها ونفخر بها.