سامي الرشيدي

في أغلب الأحيان، لا ندرك أن عبارات نستخدمها في حياتنا اليومية قد تؤثر في الآخرين سواء بطريقة سلبية أو إيجابية. لذلك من اللباقة أن ننتقي الكلمات بقدر المستطاع، وندرك مع من نتحدث وظروف الحدث. من سبقونا اختصروا ذلك في قولهم «ثمّن كلمتك». أي قبل أن نقول شيئا علينا أن «نُفكر ونقدِّر». فمن العبارات اليومية التي تمر علينا دون أن نتوقف كثيرا عندها قول أحدهم «أبقولك شي!»، «أبغاك بموضوع!»، «أبتكلم معك إذا فضيت!». هذه العبارات تعتبر بسيطة، وغالبا ما نسمعها في حياتنا اليومية. لكنها تثير داخلنا سلسلة من الأسئلة. «وش الموضوع؟»، «هل فيه مشكلة؟»، «هل صار شي ما أدري عنه؟». قد يكون الموضوع لا يستحق كل هذه الأسئلة، لكن تأجيل الهدف من الحديث يجعلك في حالة ما يسمى في علم النفس «تأثير زايغارنيك» Zeigarnik Effect.

في مقالها المنشور عام 1927 بعنوان «On Finished and Unfinished Tasks»، درست عالمة النفس الألمانية بلوما زايغارنيك Bluma Zeigarnik العلاقة بين المهام المكتملة وغير المكتملة في الذاكرة. كان السؤال المركزي الذي طرحته على النحو التالي: «ما العلاقة بين حالة الذاكرة في حال مقاطعة نشاط ما أو إكماله؟» إذ أجرت زايغارنيك سلسلة من التجارب على أكثر من 250 شخصا «طلاب، ومعلمين، وأطفال، وبالغين». طلبت من المشاركين إنجاز عدد من المهام كحل ألغاز ومسائل حسابية وأعمال يدوية وبناء صناديق كرتونية وتشكيل مجسمات، ثم تعمدت مقاطعة بعضها قبل اكتمالها. وبعد انتهاء التجربة طلبت منهم تذكر المهام التي قاموا بها. كانت النتيجة، وجدت أن المهام غير المكتملة أكثر حضورا في الذاكرة من المهام التي اكتملت بصورة طبيعية. فالمهام غير المكتملة يتم تذكرها تقريبا ضعف ما يتم تذكر المهام المكتملة. كان سبب ذلك - كما تقول زايغارنيك - أن كل مهمة نبدأها تخلق نوعا من التوتر النفسي الداخلي؛ وعندما تكتمل المهمة ينخفض هذا التوتر. أما إذا توقفت قبل نهايتها فإن حالة التوتر تبقى قائمة. كما وجدت أن الأشخاص الذين يهتمون فعلا بما يقومون به، كانوا أكثر تأثرا بالمهمة غير المكتملة من الأشخاص غير المبالين. لذلك وجدت أن الأطفال أكثر تأثرا من غيرهم. إضافة أنها وجدت ليس فقط المهمة غير المكتملة التي بقيت بالذاكرة؛ بل إنه حتى المهام المكتملة، في حال، إذا شعر المشارك أنها لم تنجز بالشكل الذي يرضيه فإنها تستمر وكأنها غير مكتملة. هذا يفسر لماذا نهتم عندما نرسل رسالة لم يرد عليها ممن نهتم لهم. كما غنى الفنان سلامة العبدالله: «أرسلت لك يا عزوتي كم مرسول... وأبطى جوابك يا حبيبي عليه».

في الواقع، نجد أننا نتعرض لتأثير زايغارنيك في كثير من المواقف دون أن ندرك ذلك. لذلك من ضمانات التحقيق في نظام الإجراءات الجزائية وكذلك في نظام الانضباط الوظيفي ولائحته التنفيذية إبلاغ المتهم أو الموظف بمخالفته وسبب استدعائه.

فالفقرة 1 من المادة 101 من نظام الإجراءات الجزائية نصت على أنه «يجب على المحقق عند حضور المتهم لأول مرة للتحقيق أن يدون جميع البيانات الشخصية الخاصة به ويبلغه بالتهمة المنسوبة إليه». كما نصت المادة 116 من ذات النظام على أنه «يُبلغ فورا كل من يقبض عليه أو يوقف، بأسباب القبض عليه أو توقيفه، ويكون له حق الاتصال بمن يراه لإبلاغه». وقد نصت المادة 75 من لائحته التنفيذية أنه «يجب أن يبلغ الشخص الذي يُطلب التحقيق معه... بأمر الحضور قبل 24 ساعة على الأقل من موعد التحقيق، ما لم يستدع الأمر الاستعجال». وفيما يتعلق بالموظفين، فنصت المادة الخامسة من اللائحة التنفيذية لنظام الانضباط الوظيفي في الفقرة (أ) على أن «تقوم اللجنة باستدعاء الموظف للتحقيق من خلال إبلاغه ورئيسه المباشر، على أن يتضمن الإبلاغ طلب مثوله للتحقيق في مكان وزمان محددين وتوضيح المخالفة التأديبية المنسوبة إليه». نجد هنا أن المنظم مدرك مدى تأثير الغموض أو ما يسمى بعلم النفس بـ«زايغارنيك» في الأشخاص محل التحقيق. فلا يمكن أن يقال لشخص لديك تحقيق غدا، دون أن يعرف سبب ذلك. أو إيقافه دون يُبلغ بسبب الإيقاف. كذلك في حياتنا اليومية ليس من المريح أن نقول لشخص ما «ابغاك بموضوع!» أو «ابقولك شي!» وأتركه حائرا في تساؤلاته. لذلك كان عنوان المقال «ابتكلم معك!» ثم جعلت «عن» بين قوسين ليكون قابلا للإلغاء وأكملت العنوان بـ«تأثير زايغارنيك». لذلك لو تركت «ابتكلم معك» لأصبح عنوان المقال كروايات شيرلوك هولمز، قد تلفت الانتباه لكن تدعو للقلق. لذلك وفي أغلب الأحيان، عندما أريد أن أتحدث مع شخص ما أقوله له «ابتكلم معك عن الاجتماع بكرا» أو «أنا ناوي أشتري سيارة وباخذ رايك، إذا فضيت كلمني». فالغموض يولّد القلق ويجعل التساؤلات مفتوحة لأكثر من احتمال، ما يجعل العبارة أو الطلب من المهام غير المكتملة، التي تجعل التفكير بها مستمرا.