نجران: عبد الله جليد

في تاريخ الرياضات، هناك بعض اللحظات التي تغيّر من مسار لعبة رياضة بشكل جذري، ولعل إحدى أهم بعض تلك اللحظات، حدثت في الثامن والعشرين من مايو 1928، وهو اليوم الذي اجتمع فيه أعضاء الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) في أمستردام خلال المؤتمر السابع عشر للاتحاد للتصويت على مشروع بدا آنذاك أقرب إلى الحلم منه إلى الواقع. هذا الحلم، كان فكرة لإقامة بطولة عالمية مستقلة للمنتخبات الوطنية، وهي الفكرة الخلاقة التي لم يدر بخلد أحد من الحضور أنها ستكون حجر الزاوية لقرار تأسيس أعظم حدث رياضي على وجه الأرض، كأس العالم، وأن كرة القدم ستدخل بعده عصرًا جديدًا من الشعبية والتأثير منقطع النظير. هذه الحقيقة الراسخة بدأت ذات يوم كفكرة حملها رجل فرنسي آمن بأن كرة القدم تستحق بطولة خاصة بها تجمع العالم تحت راية واحدة. ذلك الرجل كان جول ريميه Jules Rimet، واليوم، وبعد حوالي الـ100 عام، يتابع كأس العالم مليارات من البشر في مختلف القارات، حيث تتحول البطولة في كل أربع سنوات، إلى احتفال كروي، على مستوى كرة القدم ومستوى الكرة الأرضية؛ حدث تتجاوز أهميته حدود الرياضة الاعتيادية.

فرنسي رأى ما لم يره الآخرون



وُلد جول ريميه Jules Rimet في العام 1873 في قرية فرنسية صغيرة لأسرة متواضعة، وكان والده صاحب دكان صغير يبيع فيه الأغذية والمشروبات. درس جول ريميه القانون في باريس وحقق نجاحات معتبرة في حياته المهنية، إلا أن شغفه الحقيقي كان باتجاه عالم الرياضة والعمل الاجتماعي. وفي عام 1897 شارك جول ريميه في تأسيس نادي ريد ستار الباريسي، وهو النادي الذي نادى من خلاله بضرورة تأسيس الأندية الرياضية الفرنسية، في ذلك الوقت، على مبادئ الانفتاح والمساواة بعيدًا عن الحواجز الطبقية. هنا، بدأ اسم جول ريميه يبرز كأحد الشخصيات المؤثرة في عالم كرة القدم الفرنسية؛ كما واصل جول ريميه الصعود ليصبح أول رئيس للاتحاد الفرنسي لكرة القدم في العام 1919، قبل أن ينتقل بعدها بعدة سنوات إلى قيادة الفيفا في أصعب مرحلة، وهي المرحلة التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث كانت أوروبا تعيش المآسي في جغرافيا مليئة بآثار الدمار والانقسام. مع ذلك، كان جول ريميه يرى أن الرياضة هي أسرع وسيلة لتشجيع التقارب بين الشعوب باعتبار كرة القدم لغة عالمية قادرة على تجاوز الحدود والأحاسيس التي خلفتها الحروب الطاحنة آنذك.

أول صافرة دولية تسبق المونديال



بيد أنه وقبل أن تعرف الملاعب أسماء أساطير رياضية من أمثال: بيليه، ومارادونا، وكرويف، ورونالدو، وقبل أن يصبح كأس العالم بمثابة المسرح الأضخم للنجوم والأساطير، كانت كرة القدم الدولية لا تزال تخطو خطواتها الأولى؛ ففي نوفمبر من العام 1872 في مدينة غلاسكو، التقى منتخبا إنجلترا وإسكتلندا في أول مباراة دولية رسمية في تاريخ لعبة كرة القدم، مباراة انتهت بالتعادل السلبي. هذه المباراة، لم تكن مباراة استثنائية من الناحية الفنية، لكنها كانت استثنائية باعتبارها البداية الفعلية لرحلة طويلة ستقود في النهاية إلى ولادة المونديال، كأس العالم. ومع ازدياد شعبية كرة القدم، ظهرت الحاجة إلى تنظيم المنافسات الدولية، حيث انطلقت بطولة الأمم البريطانية في عام 1884، بمشاركة منتخبات إنجلترا، وإسكتلندا، وويلز، وإيرلندا، لتصبح بذلك أول بطولة دولية للمنتخبات؛ وبعد ذلك بسنوات، تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم عام 1904 بهدف توحيد الجهود التنظيمية وإدارة العلاقات بين الاتحادات الرياضية التي بدأت تتزايد عددًا وتأثيرًا.

رحلة العبور من الأولمبياد إلى المونديال

خلال العقود الأولى من القرن العشرين، أصبحت الألعاب الأولمبية بمثابة الساحة الأهم للمنافسات الدولية، حيث حظي أولمبياد لندن 1908 وهو أول دورة أولمبية باعتراف رسمي من الفيفا. وبحلول عام 1914 تولى الاتحاد الدولي إدارة منافسات كرة القدم الأولمبية نيابة عن اللجنة الأولمبية الدولية، إلا أن البطولة بقيت بعيدة عن الطموح الذي كان يراود كثيرين من المهتمين داخل أروقة اللعبة، ليأتي التحول الجذري في تاريخ اللعبة في عام 1921، بعد أن انتُخب الفرنسي «جول ريميه» رئيسًا للفيفا، فقد كان الرجل يؤمن أن كرة القدم باتت أكبر من أن تبقى مجرد نشاط أولمبي، وأنها تستحق أن تكون بطولة عالمية مستقلة تمنحها مكانتها الخاصة. هذه الفكرة، وكما نعرفها بقواميس العصر الحديث، كانت فكرة رائدة وإبداعية وخارج الصندوق، إذ لم يكن هذا النمط من طرح الأفكار شائعًا في ذلك الوقت، لكنها كانت جوهر مشروع جول ريميه سنوات، والذي كرس له كل سنوات حياته اللاحقة من أجل تحقيقه.

الأوروغواي تشعل شرارة العالمية



حقق جول ريميه نجاحا لافتا في أولمبياد باريس 1924، حيث تمكن من تنسيق مشاركة أربعة وعشرين منتخبا في تلك البطولة، وقد شهدت المباراة النهائية حضور ستين ألف متفرج في مباراة جمعت منتخبي الأوروغواي وسويسرا، انتهى بهزيمة المنتخب السويسري بثلاثية نظيفة. وبعد أربع سنوات كرر المنتخب الأوروغويّ إنجازه الأولمبي بفوزه على الأرجنتين في نهائي أمستردام 1928، وكأنه يؤكد أن كرة القدم لم تعد حكرًا على أوروبا، بل أصبحت لعبة عالمية بالفعل. هذا النجاح الأولمبي كان بالنسبة إلى كثيرين دليلًا على كفاية ونجاح النموذج الرياضي القائم، أما جول ريميه فكان يرى العكس تمامًا؛ فقد رأى أن الوقت قد حان لتنظيم بطولة كرة قد عالمية مستقلة تديرها الفيفا؛ ولهذا طرح في مؤتمر أمستردام التاريخي عام 1928 باقتراحه العظيم والشجاع بضرورة إقامة مسابقة «كأس العالم»، وبالفعل، نالت الفكرة استحسان وموافقة الأعضاء، ليبدأ معه حلم ريميه في التحول إلى حقيقة.

رحلة بحرية نحو أول كأس عالم

مُنحت دولة الأوروغواي شرف استضافة النسخة الأولى عام 1930، بعد أن عرضت على الفيفا، رغبتها في تحمل تكاليف سفر الوفود المشاركة، وبالفعل، وفي يونيو من نفس العام، أبحر ريميه برفقة وفد الفيفا ووفود منتخبات فرنسا، وبلجيكا، ورومانيا، على متن السفينة كونتي فيردي SS Conte Verde متجهين نحو مدينة مونتفيديو في رحلة استغرقت أسبوعين عبر المحيط الأطلسي. وكان من بين الأمتعة التي حملها جول ريميه، الكأس الذهبية المخصصة للبطل، وهي من تصميم النحات الفرنسي الشهير أبيل لافلور. وفي هذه البطولة تُوج منتخب الأوروغواي، مستضيف البطولة الأولى، بطلا للعالم بعد فوزه على الأرجنتين بأربعة أهداف مقابل هدفين.

بطولة التاريخ والجغرافيا



منذ صيف عام 1930 لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تتنافس فيها الفرق داخل حدودها الوطنية، بل أصبحت لغة عالمية تجمع الشعوب تحت راية الشغف والمتعة الكروية، حيث تحولت البطولة التي بدأت كفكرة جريئة في ذهن رجل واحد إلى أكبر حدث رياضي دوري على وجه الأرض، وإلى مسرحٍ تعاقبت عليه الأجيال والنجوم والمنتخبات، وصُنعت فوقه بعض أكثر اللحظات رسوخًا في الذاكرة الرياضية. لم يكن جول ريميه أعظم لاعبي عصره، ولم يرفع كأسًا في ملعب مكتظ بالجماهير، لكنه منح اللعبة إرثًا يفوق إنجازات كثير من الأبطال، فقد امتلك رؤية استشرافية فذة، أدركت مبكرًا أن كرة القدم قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية، واللغات الإنسانية، والثقافات الوطنية، بطولة تجمع ما تعجز السياسة والاقتصاد والإعلام أحيانًا عن جمعه.

قصة تروى وأثر باق



مع كل بطولة كأس عالم، لا يمكن أن يمر اسم جول ريميه مرور الكرام في تاريخ الرياضة العالمية؛ ليس لأنه شغل منصب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم فحسب، بل لأنه أصبح جزءًا أصيلًا من تاريخ اللعبة نفسها. فقد آمن، في وقت مبكر، أن كرة القدم تستحق بطولة عالمية مستقلة تجمع الأمم تحت راية التنافس الرياضي، حين كانت تلك الفكرة تبدو أقرب إلى الحلم منها إلى الواقع. وبفضل رؤيته وإصراره، انطلقت أول نسخة من كأس العالم عام 1930، لتتحول لاحقًا إلى أكبر حدث رياضي دوري على وجه الأرض. ومنذ ذلك الحين، تجاوزت كرة القدم حدود الملاعب لتغدو لغة عالمية مشتركة، وأصبحت كأس العالم المسرح الأبرز لأحلام الشعوب ونجوم اللعبة. لذلك، كلما دوّى نشيد افتتاح المونديال، وكلما ارتفعت الكأس الذهبية في أيدي الأبطال، يتردد صدى ذلك الحلم القديم الذي راود شابًا فرنسيًا آمن بأن العالم يمكن أن يجتمع حول كرة واحدة. ولهذا استحق جول ريميه مكانته الرفيعة بوصفه الرجل الذي لم يصنع بطولة فحسب، بل أسهم في صناعة واحدة من أبرز الظواهر الرياضية والثقافية في التاريخ الحديث.