محمد الزموري

لا يمكن اختزال كرة القدم في كونها نشاطًا ترفيهيًا أو ممارسة رياضية محايدة، إذ إنها تشكل بنية دلالية كثيفة تكشف عن الطبقات العميقة للوجدان الإنساني، بما ينسجم مع التصور الفلسفي لباروخ سبينوزا حول الانفعال بوصفه تعبيرًا عن طبيعة الكائن في سعيه الدائم إلى حفظ بقائه. ففي أفق هذا التصور، لا تبدو انفعالات المشجع من فرح أو حزن أو حب أو كراهية حالات عرضية أو طارئة، بل تتأسس بوصفها تجليات مركبة لما يسميه سبينوزا “الكوناتوس”، أي الميل الجوهري للكائن إلى الاستمرار في الوجود وتعظيم قدرته على الفعل.

في هذا السياق، يغدو انتصار الفريق الذي ينتمي إليه الفرد بمثابة تعاظم رمزي في إحساسه بالقدرة والامتلاء، وكأن الذات تمتد خارج حدودها لتتقمص نجاح الموضوع الذي تتماهى معه. أما الهزيمة فتُنتج انكماشًا وجوديًا وانخفاضًا في منسوب القوة المدركة، بما يعكس انتقالًا من درجة أعلى إلى درجة أدنى من الكمال وفق التصنيف السبينوزي للانفعالات. وهكذا يتجلى الانفعال الرياضي باعتباره اقتصادًا وجوديًا للقدرة، تُعاد فيه صياغة علاقة الذات بذاتها عبر وسيط خارجي ظاهريًا وداخلي فعليًا. ولا تتوقف هذه المشاعر عند حدود النفس، بل تظهر أيضًا في الجسد؛ فنلاحظ تسارع نبض القلب، وتوتر العضلات، وتغير التنفس. وهذا التلازم بين الجسد والعاطفة ينسجم مع رؤية سبينوزا التي تؤكد أن العقل والجسد ليسا منفصلين، بل هما وجهان لحقيقة واحدة، وأن كل شعور نفسي له أثر جسدي واضح.

لكن عالم التشجيع لا يخلو من جانب آخر أكثر تعقيدًا، يتمثل في التعصب والكراهية تجاه الفريق المنافس. ففي كثير من الأحيان، لا يكون الحزن أو الغضب بسبب النتيجة نفسها، بل بسبب التعلق الشديد بالفريق، مما يجعل المشجع أسيرًا لمشاعره وردود أفعاله. وهنا يحدث ما يسميه سبينوزا نوعًا من “العبودية الانفعالية”، حيث يفقد الإنسان قدرته على التفكير الهادئ ويصبح خاضعًا لتأثيرات لا يسيطر عليها.

ويتجلى هذا الأمر بوضوح في التعصب، حين يرفض المشجع الاعتراف بمهارة الخصم أو جمال أدائه فقط لأنه ينتمي إلى الطرف الآخر. في هذه الحالة، لا يعود الحكم مبنيًا على الواقع، بل على مشاعر مسبقة تشوّه الرؤية. بل إننا قد نرى اللاعب نفسه يُرفض أو يُحب فقط تبعًا لانتقاله بين الفرق، مما يكشف أن مشاعر الحب والكراهية لا ترتبط بجوهر الأشخاص، بل بالطريقة التي ننظر بها إليهم.

في المقابل، يقدّم سبينوزا طريقًا مختلفًا يقوم على الفهم لا الانفعال. فالحريّة الحقيقية، في نظره، لا تأتي من إنكار المشاعر، بل من فهم أسبابها. عندما يدرك الإنسان لماذا يغضب أو يفرح، ولماذا يحب أو يكره، يصبح أكثر قدرة على التحكم في مشاعره وتوجيهها بشكل واعٍ. ومن هذا المنظور، فإن الاعتراف بجمال أداء الخصم، حتى في لحظة الخسارة، ليس ضعفًا، بل خطوة نحو وعي أعمق ونضج أكبر.

هذا النوع من الفرح القائم على الفهم يختلف عن الفرح المؤقت المرتبط بالفوز أو الخسارة، لأنه لا يعتمد على النتيجة، بل على إدراك أوسع للحياة وتعقيداتها. وهنا تتجاوز كرة القدم كونها مجرد مباراة، لتصبح وسيلة لفهم أعمق للعالم، حيث لا تُقاس الأشياء فقط بمن نحب أو نكره، بل بطريقة رؤيتنا لها.

ومع هذا الفهم، تبدأ الحدود بين «نحن» و«هم» في التلاشي، ويصبح من الممكن رؤية الجمال والكفاءة حتى عند الخصم. وهذا يقرب الإنسان من فكرة سبينوزا عن «الحب العقلي للطبيعة»، أي الفرح الناتج عن فهم العالم كما هو، بكل انتظامه وتنوعه، دون أحكام مسبقة أو انحياز أعمى.

ومن هنا يتشكل نموذج مختلف للمشجع؛ مشجع لا يفقد حماسه ولا انتماءه، لكنه في الوقت نفسه لا يسمح للكراهية أن تسيطر عليه. يفرح ويغضب، لكنه يظل قادرًا على التفكير والتقدير. يرى في المباراة أكثر من نتيجة، يراها مساحة تظهر فيها المهارة والجمال والإنسانية.

وبهذا المعنى، تصبح كرة القدم صورة مصغّرة للحياة نفسها، تكشف لنا كيف يمكن للإنسان أن ينتقل من الانفعال الأعمى إلى الفهم، ومن التعصب إلى التقدير. وكل خطوة في هذا الاتجاه ليست مجرد تغيير في طريقة التشجيع، بل خطوة نحو حرية أعمق وسعادة أكثر استقرارًا، تقوم على إدراك الخير والجمال في العالم بدل الانغلاق عليه.