عيسى الشاماني

عيسى الشاماني

ليست المسافة في السياسة فراغًا بين موقفين، ولا تردّدًا بين خيارين. قد تكون، في لحظات الاضطراب الكبرى، أرقى أشكال الحضور وأصعبها. فالدولة التي تُحسن صناعة المسافة لا تنسحب من المشهد ولا تقف على هامشه؛ إنها تضع نفسها في الموضع الذي يسمح لها أن ترى أبعد، وتتحرّك أهدأ، وتفاوض من موقع القادر على الفعل لا المنفعل به.

بهذا المعنى، يمكن قراءة السياسة السعودية في سنواتها الأخيرة بوصفها ترسيخًا لفنّ إدارة المسافة بين المحاور.

تستند المملكة في حضورها إلى وزنها الذاتي ومصالحها السيادية وموقعها الجغرافي والرمزي، لا إلى اصطفاف عابر ولا قطيعة مجانية. ومن هذا الموقع تفتح أبوابها مع الجميع، وتصنع من اتزانها منصةً للحوار لا ساحةً للصدام.

وهنا يلزم التمييز. ليس هذا حيادًا باردًا ولا وقوفًا في المنطقة الرمادية كما يظنّ المستعجلون؛ فالحياد السلبي يتهرّب من المسؤولية. أما صناعة المسافة فهي فعل سياسي مقصود يوازن بين المبادئ والمصالح، وبين القوة والحكمة، وبين مقتضيات اللحظة وحسابات المستقبل. وهي قبل ذلك كله تعبير عن ثقة الدولة بذاتها. الدول القلقة تندفع لتثبت حضورها بالصوت العالي، أما الدول الواثقة فتعرف أن الهدوء، أحيانًا، أكثر نفاذًا من الضجيج.

وحين تحرّكت الرياض في ملفات شائكة، وفتحت قنوات بين خصومٍ ظنّ العالم أن ما بينهم لا يُرأب، لم تكن تبحث عن دورٍ تتزيّن به ولا عن صورةٍ عابرة في نشرات الأخبار. كانت تترجم قناعة راسخة بأن استقرار محيطها شرطٌ لنهضتها، وأن الازدهار لا يُبنى على أنقاض الجوار، وأن السياسة في معناها العميق ليست فنّ كسب الخصومات وحدها، بل فنّ تقليل كلفتها حين تصبح الخصومة عبئًا على الجميع.

ولعلّ أعمق ما في هذا المسلك أنه لا ينفصل عن مشروع داخلي كبير. فالدولة التي تبني اقتصادًا متنوّعًا، وتراهن على الإنسان والصناعة والتعدين والمعرفة، لا تحتاج إلى محيطٍ مشتعل يبدّد طاقتها، بل إلى فضاء مستقر يوسّع خياراتها، ويمنح تحوّلاتها الكبرى ما تحتاجه من وقت وثقة وشراكات. تبدو السياسة الخارجية هنا امتدادًا طبيعيًا للرؤية الداخلية؛ كلتاهما تتحرّكان بمنطق البناء، وبإيقاع التراكم لا الانفعال.

المملكة، وهي تصنع هذه المسافة، لا تعزل نفسها عن العالم بل تعيد تعريف حضورها فيه. هي لا تقف بين الأطراف عجزًا عن الاختيار، بل قدرةً على أن تكون جسرًا حين تتحوّل الجسور إلى حاجة سياسية وأخلاقية. وهي لا تمدّ يدها للحوار تجاهلًا للخلافات، بل إدراكًا أن إدارة الخلاف أرفع من تركه يتمدّد حتى يصير قدرًا.

وفي عالمٍ يتسارع نحو القطيعة والتصعيد، تبدو الرَّوِيَّة فضيلة نادرة، وتغدو القدرة على ضبط المسافة علامة نضجٍ في سلوك الدول. فالقوة لا تُقاس دائمًا بعلوّ الصوت ولا بكثرة الاشتباك، بل بالقدرة على حماية المصلحة دون استنزاف، وفتح الأبواب دون تفريط.

ذلك هو جوهر التحوّل السعودي: دولة تعرف أين تقف ولماذا، ومتى تقترب ومتى تبتعد. دولة لا تصنع المسافة هربًا من العاصفة، بل كي ترى اتجاه الريح، وتحفظ بوصلتها، وتمنح مشروعها الكبير حقّه من الاستقرار والامتداد.