الوطن

بقلم: بسام الجيال

قبل الدخول في هذا الموضوع، أود أن أوضح أن هذا المقال لا يهدف إلى الدفاع عن أي شخصية عامة أو مهاجمة أي شخصية عامة، ولا يرتبط بأي علاقة شخصية أو مهنية أو سياسية مع الأسماء الواردة فيه. لم يسبق لي أن التقيت بالمستشار تركي آل الشيخ، ولا أعرفه معرفة شخصية، كما لم يسبق لي أن التقيت بالإعلامي عمار تقي أو تربطني به أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة. وقد وردت الأسماء في هذا المقال لأنها كانت جزءًا من الحوار الذي أثار الفكرة محل النقاش. اهتمامي هنا ينصب على الموضوع نفسه، وعلى القضايا الفكرية والاجتماعية والتاريخية التي طرحها الحوار، وليس على الأشخاص الذين شاركوا فيه. إن ما يهمني كباحث هو تحليل الأفكار، ومناقشة التحولات الاجتماعية، وفهم السياقات التاريخية التي شكلت المجتمعات العربية والخليجية خلال العقود الماضية. ولذلك فإن هذا المقال يجب أن يُقرأ بوصفه قراءة فكرية وتحليلية لموضوع عام، لا بوصفه موقفًا شخصيًا من أي فرد أو جهة أو مؤسسة.

كنت أستمع إلى مقابلة المستشار تركي آل الشيخ مع الإعلامي الكويتي عمار تقي، وتوقفت عند سؤال بدا في ظاهره سؤالًا عن موسم الرياض، لكنه في عمقه كان سؤالًا عن صورة السعودية، وعن الذاكرة الاجتماعية، وعن معنى المحافظة، وعن العلاقة بين الدين والحياة العامة. سأل عمار تقي، بصيغة قريبة مما يتردد في كثير من النقاشات: كيف تحول موسم الرياض إلى حفلات غنائية، والمجتمع السعودي مجتمع محافظ ومتدين؟ ثم أضاف المعنى الذي يتكرر في النقد الشعبي: إن في ذلك مجونًا وكسرًا للعادات والتقاليد. استوقفتني هذه اللحظة لأنني شعرت أن السؤال يتجاوز بكثير موضوع الحفلات الغنائية أو موسم الرياض نفسه، فهو في الحقيقة يعكس الطريقة التي يرى بها كثير من العرب السعودية، ويعكس أيضًا صورة ذهنية تشكلت عبر عقود طويلة حتى أصبحت لدى البعض وكأنها الحقيقة الوحيدة الممكنة عن المجتمع السعودي.

هذا السؤال ليس سؤال عمار تقي وحده. هو سؤال شريحة واسعة من العرب، بل من بعض السعوديين أنفسهم، ممن تشكل وعيهم على صورة واحدة عن السعودية: مجتمع شديد المحافظة، فضاء عام مضبوط دينيًا واجتماعيًا، وحياة ثقافية محدودة في التعبير العلني. لذلك كان السؤال مهمًا، لا لأنه ينتقد موسم الرياض فقط، بل لأنه يكشف كيف أن كثيرين يختصرون تاريخ السعودية في مرحلة واحدة، ويظنون أن ما عرفوه في الثمانينيات والتسعينيات هو الصورة الأصلية والدائمة للمجتمع السعودي. والمشكلة هنا ليست في السؤال نفسه، بل في الافتراض الذي يقف خلفه، وهو أن المجتمع السعودي كان دائمًا على الصورة التي عرفها الجيل الذي عاش مرحلة الصحوة وما بعدها، وأن أي تحول يحدث اليوم لا بد أن يكون خروجًا عن التاريخ وعن الهوية وعن التقاليد. بينما التاريخ الفعلي للمجتمعات أكثر تعقيدًا بكثير من هذه الصور المبسطة، والسعودية ليست استثناءً من ذلك.

مرحلة منسية

رد تركي آل الشيخ كان لافتًا، لأنه لم يدخل في دفاع مباشر عن الحفلات، ولم يقل ببساطة إن المجتمع تغير أو إن الناس تريد الترفيه. بل عاد إلى التاريخ. قال إن السعودية قبل جهيمان لم تكن كما يتخيلها البعض اليوم. كانت هناك حفلات غنائية، وكانت أم كلثوم تُبث في الإذاعة والتلفزيون السعودي، وكانت هناك سينما في بعض الأندية، وحفلات في الأندية، ومطاعم مختلطة، وحياة اجتماعية طبيعية وبسيطة. ثم جاءت حادثة جهيمان واحتلال الحرم المكي، فحدث ما سماه «دروب»، ودخل المجتمع في نفق التشدد. ومع أزمة الخليج واحتلال الكويت جاءت ضربة ثانية، ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر، وارتدادات الجهاد في أفغانستان، وصعود القاعدة، والحروب الإعلامية والفكرية، فكبر هذا النفق أكثر فأكثر. لم يكن جوهر إجابته الدفاع عن موسم الرياض، بل كان الدفاع عن فكرة أن الذاكرة التي يحتفظ بها كثير من الناس عن السعودية ليست بالضرورة الذاكرة الكاملة، وأن هناك مراحل أخرى من تاريخ المجتمع السعودي جرى تجاهلها أو نسيانها أو تهميشها مع مرور الزمن.

ما قاله تركي آل الشيخ مهم لأنه يغير زاوية النظر. هو لا يقول إن السعودية الجديدة تكسر المجتمع القديم، بل يقول إن السعودية الجديدة تحاول الخروج من مرحلة طارئة فُرضت على المجتمع بفعل صدمات سياسية وأمنية وفكرية. بمعنى آخر، ما يعتبره البعض اليوم خروجًا عن التقاليد قد يكون في الحقيقة خروجًا من نسخة متشددة من التقاليد، لا من المجتمع السعودي كله. هنا تكمن قوة الرد. لقد نقل النقاش من سؤال: هل الحفلات تناسب المجتمع السعودي؟ إلى سؤال أعمق: أي مجتمع سعودي نقصد؟ السعودية قبل 1979؟ السعودية بعد جهيمان؟ السعودية بعد حرب الخليج؟ أم السعودية بعد 11 سبتمبر؟ هذه الأسئلة في رأيي أهم بكثير من الجدل المعتاد حول الترفيه والغناء، لأنها تمس الطريقة التي نفهم بها التاريخ الاجتماعي للمملكة والطريقة التي تشكلت بها الذاكرة الجمعية خلال العقود الماضية.

معركة وهمية

من عاش في الخليج أو تابع تطور المجتمعات الخليجية يعرف أن المجتمعات لا تتحرك بخط مستقيم. هناك مراحل انفتاح، ثم مراحل خوف، ثم مراحل انغلاق، ثم مراحل مراجعة. السعودية لم تكن مجتمعًا بلا دين قبل جهيمان، ولم تصبح مجتمعًا بلا دين بعد موسم الرياض. القضية ليست بين التدين واللا تدين، بل بين التدين الطبيعي الذي يعيش مع الحياة، والتشدد الذي يحول الحياة نفسها إلى موضوع اتهام دائم. الفرق كبير بين مجتمع محافظ يحترم الدين والعادات، وبين مناخ متشدد يرى في كل فرح خطرًا، وفي كل موسيقى فسادًا، وفي كل اختلاط اجتماعي تهديدًا للهوية. وكثيرًا ما يقع النقاش العربي في هذا الفخ، فيتحول أي حديث عن الفن أو الثقافة أو الترفيه إلى معركة بين الإيمان والكفر أو بين المحافظة والانحلال، بينما الواقع الاجتماعي أكثر تعقيدًا من هذه الثنائيات الحادة.

ظروف شكلت هوية غير صحيحة

حادثة جهيمان لم تكن مجرد حادث أمني داخل الحرم المكي. كانت صدمة هائلة مست الوعي الديني والسياسي للدولة والمجتمع. بعد تلك الحادثة دخلت السعودية، كما دخل جزء كبير من العالم الإسلامي، في مرحلة دفاعية. صار الخوف من الانحراف أكبر من الثقة بالمجتمع. وصارت الدولة والمجتمع والنخب الدينية تتحرك تحت ضغط فكرة أن أي انفتاح قد يكون خطرًا. ومع الوقت تحولت إجراءات الخوف إلى ثقافة عامة، وتحولت الثقافة العامة إلى ذاكرة، ثم تحولت الذاكرة إلى «تقاليد» يظن كثيرون أنها كانت موجودة منذ البداية. وهذه ليست ظاهرة سعودية فقط، بل هي ظاهرة شهدتها مجتمعات كثيرة مرت بصدمات كبرى، حيث تتحول الاستجابات المؤقتة إلى قواعد دائمة، ثم تتحول القواعد الدائمة إلى جزء من الهوية، فينسى الناس الظروف التي أنتجتها أصلًا.

ثم جاءت أزمة الخليج ووجود القوات الأجنبية في المنطقة، فاشتعل خطاب ديني وسياسي جديد. لم تعد المسألة فقط حفلة أو سينما أو مطعمًا، بل أصبحت مرتبطة بأسئلة كبرى عن السيادة، والغرب، والهوية، والحرب، والشرعية. بعد ذلك جاءت 11 سبتمبر، فأصبح كل شيء أكثر حدة. صعد خطاب التشدد، وصعد في المقابل خطاب الحرب على الإرهاب. وفي هذه المسافة المضطربة تشكل وعي أجيال كاملة على أن السعودية المحافظة هي السعودية الوحيدة الممكنة، وأن كل ما عدا ذلك دخيل أو مفروض أو مستورد. ومع مرور الزمن ترسخت هذه الصورة حتى أصبحت عند البعض حقيقة تاريخية غير قابلة للنقاش، رغم أن الوقائع التاريخية نفسها تشير إلى أن المجتمع السعودي عرف أشكالًا متعددة من الحياة الاجتماعية والثقافية قبل تلك المرحلة.

مجتمع غير منغلق

لكن تركي آل الشيخ، في رده، يفتح نافذة على ذاكرة أخرى. ذاكرة تقول إن المجتمع السعودي كان متدينًا ومحافظًا، لكنه لم يكن بالضرورة مغلقًا بهذا الشكل. كان الناس يعيشون حياة أبسط، أقل توترًا، أقل خوفًا من الفرح، وأقل رغبة في مراقبة بعضهم بعضًا. هنا تصبح صورة الأب والأم في السبعينيات مهمة. حين يقول للجيل الجديد: انظروا إلى صور آبائكم وأمهاتكم في تلك المرحلة، ربما لا تعرفونهم، لأنهم كانوا طبيعيين مثل بقية الناس. هذه ليست مجرد ملاحظة شكلية عن الملابس أو الصور، بل ملاحظة عن الذاكرة التي انقطعت. كأن المجتمع نسي جزءًا من نفسه، ثم بدأ يظن أن ما جاء بعد الصدمة هو الأصل، وأن ما سبقه مجرد استثناء، بينما قد يكون الواقع التاريخي أقرب إلى العكس.

في رأيي، هذا هو جوهر المقابلة. السؤال لم يكن عن موسم الرياض وحده، والجواب لم يكن عن حفلات غنائية فقط. كان النقاش كله عن: من يملك حق تعريف المجتمع السعودي. هل يملكه من اختصر السعودية في مرحلة التشدد؟ أم من يرى أن السعودية أوسع من ذلك، وأن لها ذاكرة اجتماعية وثقافية سبقت تلك المرحلة؟ هل المحافظة تعني إلغاء الفرح؟ هل التدين يعني منع الحياة العامة من أن تكون طبيعية؟ هل العادات والتقاليد ثابتة فعلًا، أم أنها تتغير وتتشكل وتتأثر بالخوف والحرب والسياسة والتعليم والإعلام؟ هذه الأسئلة هي التي تجعل الحوار جديرًا بالاهتمام، لأنها تتجاوز الأشخاص وتصل إلى جوهر النقاش حول الهوية والتاريخ والتحولات الاجتماعية.

استعادة المجال العام

لا يمكن إنكار أن التحولات الحالية في السعودية كبيرة وسريعة، وأن بعضها يثير أسئلة حقيقية داخل المجتمع وخارجه. وليس المطلوب أن يتحول النقاش إلى تصفيق دائم أو رفض دائم. لكن من الظلم أيضًا أن نقرأ موسم الرياض وكأنه هجوم على السعودية، أو كأنه انقلاب على تاريخها. ربما الأدق أن نراه جزءًا من معركة أوسع لاستعادة المجال العام من قبضة التشدد، وإعادة تعريف الحياة الطبيعية داخل مجتمع ظل طويلًا محكومًا بذاكرة الخوف. ويمكن للناس أن يختلفوا حول التفاصيل، لكن من الصعب إنكار أن النقاش الحقيقي يدور حول طبيعة المجتمع نفسه أكثر مما يدور حول فعالية أو مهرجان أو حفل فني.

المهم في رد تركي آل الشيخ أنه وضع الإصبع على نقطة حساسة: ليس كل من يتحدث باسم العادات والتقاليد يمثل الذاكرة الكاملة للمجتمع. أحيانًا يكون ما نسميه «تقاليد» هو نتيجة مرحلة سياسية معينة، أو خوف جماعي معين، أو خطاب ديني معين، أو نظام تعليمي معين. ومع مرور الزمن ننسى كيف تشكل هذا كله، ونبدأ في التعامل معه كأنه طبيعة أبدية. وهذه من أكثر الظواهر شيوعًا في التاريخ، حيث تتحول المراحل المؤقتة إلى ثوابت في الوعي العام، ثم يصبح مجرد التشكيك فيها أو إعادة مناقشتها نوعًا من التمرد على المجتمع نفسه.

لهذا فإن النقاش حول موسم الرياض يجب ألا يبقى في مستوى الحفلة والغناء والاختلاط. هذا نقاش سهل وسطحي. النقاش الحقيقي هو: كيف خرجت السعودية من مجتمع طبيعي محافظ إلى مجتمع شديد الحذر والانغلاق؟ وكيف تحاول اليوم أن تعيد صياغة علاقتها بالحياة العامة دون أن تفقد هويتها؟ وكيف يمكن للمجتمع أن يكون متدينًا ومحافظًا، وفي الوقت نفسه قادرًا على الفرح والفن والسينما والمسرح والمطاعم والحياة المدنية؟

رواية تاريخية كاملة

قد يختلف الناس مع تركي آل الشيخ في الأسلوب أو في سرعة التحول أو في بعض مظاهر موسم الرياض، وهذا حق طبيعي. لكن رده على عمار تقي يستحق التوقف، لأنه لم يكن مجرد رد إعلامي، بل كان تلخيصًا لرواية تاريخية كاملة: السعودية لم تبدأ من التشدد، ولم تكن دائمًا كما يتخيلها من تربى على صورة الثمانينيات والتسعينيات. هناك سعودية أخرى في الذاكرة، أكثر بساطة وطبيعية، وربما ما يحدث اليوم ليس قطيعة كاملة مع الماضي، بل محاولة للعودة إلى جزء من ذلك الماضي الذي غطته أحداث جهيمان، وأزمة الخليج، و11 سبتمبر، وصعود خطاب التشدد.

ما شدني في هذه المقابلة أن السؤال كان عن موسم الرياض، لكن الجواب كان عن تاريخ السعودية الحديث كله. وهذا ما يجعل الحوار مهمًا. لأن الأمم لا تتغير فقط بالقرارات الاقتصادية والمشاريع الكبرى، بل تتغير أيضًا حين تعيد قراءة ذاكرتها، وحين تكتشف أن بعض ما ظنته أصلًا لم يكن إلا مرحلة، وأن بعض ما ظنته خروجًا قد يكون عودة إلى طبيعة أوسع وأعمق في المجتمع نفسه.