الفكر في حالة حراك دائم ولا يستقر على نمط معين فالذهن يعمل على التحليل والاستنتاج، إذ إن التجارب تسهم في صنع الحكمة في كثير من مناحي الحياة، وتشكيل الأفكار يشوبها الكثير من التعقيد والصعوبة غير أن هناك اعتبارات ومعايير يجب أن تؤخذ بالحسبان في إطار الالتزام بالقيم ومحاسبة النفس، في حين أن تهميش دور الضمير بهذا الصدد يجعل الإنسان تائها ولا يدري أين يتجه أو تتجه به الريح، إلى ذلك فإن الحاجة ملحة إلى المحافظة والتماسك من خلال التصالح الفكري ــ إن جاز التعبير ــ لبلوغ مستوى الرضى عن الذات، وذلك يستوجب بطبيعة الحال التحكم والسيطرة لكي لا يتسرب الجنوح الذي يفضي إلى الغلظة والتعنت والاستئثار بالرأي، على حين أن اختلاف وجهات النظر ليس مؤشرا سلبيا بقدر ما يكون البحث عن وجهة النظر المنطقية والموضوعية هو المسار السليم، بمعزل من الدوران في فلك إقصاء الرأي ومصادرته وعدم النظر إلى المعطيات بشكل متزن، أضف إلى ذلك التريث والحد من صدور الأحكام المتعجلة على أفكار الآخرين وقناعاتهم، فإذا كان النقد هدفه التصحيح والإصلاح وفق سياقات منطقية وموضوعية، فإنّ ذلك يتطلّب التحلِّي بروح الحوار وأدبياته بعيدا عن الانفعال وسلبياته، إن الحاجة ملحة إلى المزيد من التمرين المكثف لتعويد النفس لفرضية وجود الاختلاف في الرأي ووقوع الخطأ هنا أو هناك، إن احترام لغة الحوار عطفًا على مبدأ تقبل الرأي والرأي الآخر يؤسس لبناء علاقات نموذجية وفقًا لتعزيز الاحترام المتبادل المؤصل لقيمة الإنسان واحترام إرادته، وغالبًا ما تسهم التجاذبات الفكرية في خلق حزازات أو بالأحرى «وقفات نفس» لا مبرر لها بين المتحاورين، واللافت هو توافر المواقف للنفس، ويبدو أنها لم تصب بحمى مواقف السيارات. الخطأ لا يمكن أن يخضع لعملية تجميل وإدراجه في خانة الصواب مهما بلغ الجراح من حرفية بالغة بهذا الخصوص. وتكمن المعضلة أحيانا في عدم منح الذهن حيزا للاستيعاب والتأمل، ومنح الأريحية الملهمة لكل ما هو مثالي وخلاق مساحة مقدرة. والتعود على تمرين النفس على استيعاب اختلاف الرأي ولو كان مخالفا، إذ تقتضي الحكمة الإيضاح وتبيان الرأي الصائب بالحكمة والموعظة الحسنة. فالأفكار السليمة يتطلب تمريرها التسهيل والتيسير لتمرير عبورها إلى الأذهانز وتكمن الإشكالية في الالتباس المعرفي، سواء من حيث صحة استقاء المعلومة ودقتها أو ضعف الاستناد. وقد تكون وجهات النظر في بداية الحوار متباعدة بيد أن العبرة في تجسير الهوة وتقريب المسافات عبر حوار بناء واقعي في طرح الأفكار وصولا إلى الهدف.
وتبقى التفاصيل التي يكمن فيها إبليس، ليجد مكانا للتلبيس والتضليل وإثارة الفرقة والشحناء. وقد جاء التعوذ من ذلك في محكم الكتاب الكريم؛ قال عز من قائل «من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس».
ولا شك أن الكل يدرك لما لحسن الظن من دور محوري بارز في سياق التخلق بأدبيات الحوار والنقاشات، عدا عن إنشائه شعورًا طيبًا يتيح المجال للرؤية الحصيفة ومراعاة التوقيت. بمعنى أن الاختلاف مهما كان جليًا فإنه يندرج في إطار الاحترام المتبادل كقيمة راسخة يحفها السلوك النبيل من كل جانب. وبالتالي فإن التصور المجانب للصواب لا يقصي بحال من الأحوال خطأ الاجتهاد ،ومنح مبدأ إتاحة الفرصة الاستحقاق الموضوعي، فكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون. وعلى صعيد ذي صلة فإن مبدأ إتاحة الفرصة لا يعتبر تنازلا بقدر ما يشكل انتصارا للذات وتأصيلا لحسن الخلق، وعنوانا بارزا لصدق التوجه وسلامة النية والقصد، عندما يغلب حسن الظن ما عداه من توجسات توحي بشكل أو بآخر بالهزيمة، لا سيما في حالة حدوث أخطاء لم تكن في الأصل مقصودة، أو أن تكون قد خضعت لخلل في التقييم والتقدير بشكل سليم.
لا تجعلوا من الأخطاء في الاجتهاد مع انتفاء القصد مدعاة لشرخ اللوحة الجميلة وتحييد مبدأ التسامح، فما الضير من التراجع وغربلة الاعتداد بالنفس بمفهوم التواضع الفريد، ما يعزز قوة الإرادة مقرونة بالإخلاص في هذا الجانب المؤثر، بلوغًا إلى شحذ الاقتناع بجدوى الإقناع. فالقناعات لا تُفرض بل تلامس مستوى الرضا والقبول، وتحقيق الحد الأعلى من الانسجام. إذ مهما بلغت حرفية تسويق القناعات وفرضها مبلغًا، فإنها لن تلبث أن تفقد محتواها طالما أن القناعة لم ترسخ في الأفئدة. فالإملاءات المشوبة بالمخالفات ستطفو على السطح، ويظهر جليًا مدى استحقاق الاعتدال والرؤية المتزنة.
وتظل الثقة بالمولى تبارك وتعالى هي المعين والمؤسس لحماية الاعتبار في سياق البحث عن الأصح والأصلح والأجدر أن يؤخذ به، فكلما اتقد الفكر، شحذ المزيد من نهر الحكمة العذب الذي لا ينضب ، ورأس الحكمة مخافة الله.
وتبقى التفاصيل التي يكمن فيها إبليس، ليجد مكانا للتلبيس والتضليل وإثارة الفرقة والشحناء. وقد جاء التعوذ من ذلك في محكم الكتاب الكريم؛ قال عز من قائل «من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس».
ولا شك أن الكل يدرك لما لحسن الظن من دور محوري بارز في سياق التخلق بأدبيات الحوار والنقاشات، عدا عن إنشائه شعورًا طيبًا يتيح المجال للرؤية الحصيفة ومراعاة التوقيت. بمعنى أن الاختلاف مهما كان جليًا فإنه يندرج في إطار الاحترام المتبادل كقيمة راسخة يحفها السلوك النبيل من كل جانب. وبالتالي فإن التصور المجانب للصواب لا يقصي بحال من الأحوال خطأ الاجتهاد ،ومنح مبدأ إتاحة الفرصة الاستحقاق الموضوعي، فكلنا خطاؤون وخير الخطائين التوابون. وعلى صعيد ذي صلة فإن مبدأ إتاحة الفرصة لا يعتبر تنازلا بقدر ما يشكل انتصارا للذات وتأصيلا لحسن الخلق، وعنوانا بارزا لصدق التوجه وسلامة النية والقصد، عندما يغلب حسن الظن ما عداه من توجسات توحي بشكل أو بآخر بالهزيمة، لا سيما في حالة حدوث أخطاء لم تكن في الأصل مقصودة، أو أن تكون قد خضعت لخلل في التقييم والتقدير بشكل سليم.
لا تجعلوا من الأخطاء في الاجتهاد مع انتفاء القصد مدعاة لشرخ اللوحة الجميلة وتحييد مبدأ التسامح، فما الضير من التراجع وغربلة الاعتداد بالنفس بمفهوم التواضع الفريد، ما يعزز قوة الإرادة مقرونة بالإخلاص في هذا الجانب المؤثر، بلوغًا إلى شحذ الاقتناع بجدوى الإقناع. فالقناعات لا تُفرض بل تلامس مستوى الرضا والقبول، وتحقيق الحد الأعلى من الانسجام. إذ مهما بلغت حرفية تسويق القناعات وفرضها مبلغًا، فإنها لن تلبث أن تفقد محتواها طالما أن القناعة لم ترسخ في الأفئدة. فالإملاءات المشوبة بالمخالفات ستطفو على السطح، ويظهر جليًا مدى استحقاق الاعتدال والرؤية المتزنة.
وتظل الثقة بالمولى تبارك وتعالى هي المعين والمؤسس لحماية الاعتبار في سياق البحث عن الأصح والأصلح والأجدر أن يؤخذ به، فكلما اتقد الفكر، شحذ المزيد من نهر الحكمة العذب الذي لا ينضب ، ورأس الحكمة مخافة الله.