محمد الخميسي

في عبارته الشهيرة: «إن الناس يعتقدون عادةً أن الله يُدرك أو يعرف جميع الأشياء؛ لأنهم يؤمنون بوجود الله، أمّا أنا فأستنتج وجود الله مباشرةً وبالضرورة»، يضع الفيلسوف الإيرلندي جورج باركلي (1685-1753) حجر الأساس في بناء مذهبه الفلسفي. ويرى أن الإقرار بوجود جوهر مستقل للمادة يؤدي إلى الإلحاد، لذلك اجتهد وساق حججًا عقلانيةً - يعترف بها الفلاسفة بتعبير فؤاد زكريا في كتابه نظرية المعرفة والموقف الطبيعي للإنسان - لإثبات أن الأشياء ليس لها وجود ذاتي مستقل عن الإدراك. أي إن الموجود هو ما يُدرَك؛ فالكرسي، والشجرة، والحجر... ليست إلا مدركاتٍ حسيةً تظهر للعقل عبر اللون واللمس والطعم والرائحة، والقول بوجود مادة خلف هذه الأشياء ليس إلا ادعاءً لا دليل عليه. وبالتالي فإن العالم - من حيث هو موجود - يحتاج إلى مُدرِكٍ يعقله ويضمن له الاستمرار إذا غاب عن إدراكنا، وهذا المُدرِك الدائم - عند باركلي - هو الله حتمًا، إذ يحافظ على بقاء العالم. وعليه فإن إدراكاتنا نابعة من الله، وهو الذي يبعثها فينا. ويقصد باركلي أنه إذا اعترفتَ بوجود العالم، فإنك قسرًا تُقِرّ بوجود الله؛ فمن ينكر وجود الله مع تسليمه بوجود العالم يقع في تناقض فلسفي لا مخرج منه.

أخالف الأسقف باركلي، وأرى أن القول بوجود جوهر مادي مستقل للأشياء لا يعني استغناءها عن عقلٍ يُدركها؛ فكما كانت المحسوسات بحاجة إلى عقل يدركها ويحفظ لها الاستمرارية، فكذلك - لو أضفنا المادة إليها - تظل الحاجة قائمة. أضف إلى ذلك أن قانون السببية يُعدّ دليلًا قويًا على وجود الله أكثر من قضية الإدراك العقلي للموجودات؛ فكلُّ سببٍ يحتاج إلى مُسبِّب، حتى ينتهي بنا الأمر إلى وجود الكائن الضروري، أو واجب الوجود.

وبهذا يتضح لنا أن مشروع باركلي كان دفاعًا عن الإيمان صيغ بأدوات فلسفية، غير أنه لم يكن دفاعًا أيديولوجيًا على الإطلاق؛ بل عَمِلَ على إنقاذ الروح من هيمنة المادة عبر براهين عقلية لاقت اهتمامًا كبيرًا في الأوساط الفلسفية.