سلمى بنت مريع العمري
«لا أريد أن أتأخر عن شجرتي».. عبارة قالها طفل في سنواته الأولى وهو يستعد للذهاب إلى مدرسته. قد تبدو جملة عابرة، لكنها تكشف أثرًا تربويًا عميقًا؛ فحين يشعر الطفل أن له شجرة يزرعها، ويسقيها، ويرعاها، فإنه يتعلم معنى المسؤولية، ويكتسب قيمًا ومهارات تمتد إلى شخصيته وسلوكه اليومي. في التعليم الحديث، لم تعد البيئة موضوعًا يُدرَّس في الهامش، بل أصبحت أداة تربوية فاعلة تصنع التعلّم وتمنحه معنى. فالطفل الذي يشارك في التشجير، ويمارس إعادة التدوير، ويتعلم ترشيد استهلاك الماء والكهرباء، لا يكتسب معرفة بيئية فحسب، بل ينمّي مهارات الملاحظة، والاستقصاء، وحل المشكلات، ويعزز قدرته على التفكير الناقد واتخاذ القرار. وتنعكس هذه الممارسات على المدرسة نفسها؛ إذ تسهم في بناء بيئة جاذبة تجعل التعلّم أكثر متعة وارتباطًا بالحياة، وتدعم الانضباط المدرسي حين يرتبط الطفل بمهام ومسؤوليات يشعر بأهميتها وأثرها في محيطه. وهنا تتحول المدرسة من مكان للتلقي إلى مساحة للتجربة، والمشاركة، وبناء السلوك. وتتسق هذه الجهود مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 وبرنامج السعودية الخضراء، اللذين يؤكدان أن الاستثمار في الإنسان هو أساس التنمية المستدامة. فغرس الوعي البيئي في الطفولة المبكرة لا يهدف إلى تكوين سلوكيات إيجابية فحسب، بل إلى إعداد جيل قادر على حماية موارده، والمساهمة في بناء مستقبل أكثر استدامة وازدهارًا. وعندما يعتني طفل بشجرته كل صباح، فإنه لا يحافظ على نبتة فحسب، بل يتعلم أن لكل فعل أثرًا، ولكل مورد قيمة. ومن هنا تبدأ رحلة بناء المواطن المسؤول؛ فغرس الوعي البيئي في السنوات الأولى ليس نشاطًا مدرسيًا عابرًا، بل استثمار طويل الأمد في الإنسان، والبيئة، والوطن.