فاطمة آل تيسان

يقال إن بناء السفن العظيمة لا يبدأ من الخشب، بل من الفكرة التي تولد أولاً في ذهن صانعها وكذلك المؤسسات؛ فكل إصلاح حقيقي يبدأ من رؤية، وكل رؤية تبدأ من إنسان آمن بإمكانية أن يكون الغد أفضل من الأمس. ولذلك فإن المتأمل في مسيرة التنمية والإصلاح يدرك أن أصعب ما نواجهه ليس صناعة الرؤية، بل حماية تلك الرؤية وهي تعبر الممرات الطويلة بين المكاتب والأقسام والمراتب الإدارية حتى تصل مقصدها، فالقرار حين يولد يكون واضحاً كالماء عند منبعه، لكن الرحلة الطويلة قد تضيف إليه من العكارة ما لم يكن فيه، وما أكثر القرارات التي خرجت من أبوابها الأولى تحمل روح العدالة، ثم وصلت إلى أصحابها بملامح مختلفة، كأنها فقدت شيئاً من معناها في الطريق.

المشكلة في المؤسسات ليست دائماً في نقص الأنظمة، فالأوطان لا تعاني غالباً من فقر النصوص بقدر ما تعاني أحياناً من فقر النفوس التي تتولى تطبيقها، فالنظام العادل قد يقع في يد غير عادلة، فيتحول من ميزان إلى أداة، ومن قيمة إلى وسيلة، ومن رسالة إلى إجراء بارد لا يحمل من روحها شيئاً، ولعل من أكثر المفارقات إيلاماً أن بعض الجهود الإصلاحية لا تخفق بسبب خصومها، بل بسبب من يرفعون رايتها، فليس كل من وقف تحت مظلة الفكرة مؤمن بها، وليس كل من تحدث باسم العدالة عاشها، وليس كل من امتلك صلاحية القرار امتلك معها ضميراً يوازي حجم تلك الصلاحية، وكم من قيادي ظن أن الضوء قد وصل إلى جميع الزوايا، بينما كانت بعض الممرات لا تزال غارقة في الظلام، وكم من خطة رُسمت بعناية، ثم أعادت بعض الأيدي رسمها وفق مقاساتها الخاصة، وكم من جهد بُذل لتحقيق ميزان مستقيم، ثم جاءت أهواء البشر لتضغط بأصابعها الخفية على إحدى كفتيه.

الإنسان قد يستطيع أن يخدع اللوائح زمناً، وقد ينجح في تجميل الأرقام والتقارير، لكنه يعجز عن إخفاء الأثر الذي يتركه في حياة الآخرين. فالمؤسسات لا تُقاس فقط بما تكتبه في وثائقها، بل بما يشعر به العاملون فيها عندما يغلقون أبواب مكاتبهم في نهاية اليوم، هناك أشياء لا تظهر في الجداول الإحصائية، ولا تظهر فيها الكفاءة حين تُدفع إلى الخلف، ولا يظهر فيها الإنصاف حين يتراجع أمام المجاملة، ولا يظهر فيها الإحباط حين يصبح الاجتهاد طريقاً أطول من التملق، ولا يظهر فيها ذلك الصمت الثقيل الذي يختاره بعض المخلصين حين يكتشفون أن أصواتهم لا تصل بالوضوح ذاته الذي تصل به أصوات أخرى. إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مؤسسة ليس الخطأ الإداري العابر، فالأخطاء جزء من الطبيعة البشرية، بل الخطر الحقيقي يبدأ عندما يتحول المنصب من مسؤولية إلى امتياز، ومن أمانة إلى ملكية خاصة، ومن موقع لخدمة المصلحة العامة إلى مساحة ضيقة تدور حول الأشخاص لا المبادئ، حينها تبدأ المؤسسة في فقدان شيء لا يُرى بالعين المجردة، تفقد روحها، وتفقد تلك الثقة الصامتة التي تجعل الموظف يشعر أن جهده سيُقاس بمعيار واحد لا بمعايير متعددة، فالعدالة ليست بنداً في لائحة، بل مناخاً كاملاً تتنفسه المؤسسات، وإذا اختل هذا المناخ، فإن الأوراق قد تبدو سليمة، لكن الأرواح التي تعمل خلفها تبدأ بالذبول، وحضرة المسؤول يشبه صاحب المرآة الكبيرة؛ فهو يرى الصورة التي تنعكس أمامه، لكنه لا يستطيع دائماً أن يرى ما إذا كان الزجاج نفسه قد أصابه شيء من التشوه، ولهذا كانت أعظم القيادات عبر التاريخ هي تلك التي لم تكتفِ بالنظر إلى الصورة، بل بحثت دائماً عن سلامة المرآة، لأن الحقيقة لا تضيع عادة عند مصدرها، بل تضيع أحياناً عند من يتولون نقلها، والعدل لا يُهزم غالباً أمام الظلم الصريح، بل أمام أولئك الذين يخفون انحيازاتهم، والإخلاص لا يؤذيه إلا الادعاء، وليس كل من يتحدث باسم المؤسسة يمثل قيمها، كما أن ليس كل من يرفع شعاراتها يحمل جوهرها. إن النجاحات لا تتعثر حين يقل المخلصون، بل حين تتشابه الوجوه حتى يصبح من الصعب التمييز بين من يخدم الفكرة ومن يستخدمها، وبين من يحمل الأمانة ومن يحمل شكلها فقط. لهذا يبقى الرهان الحقيقي في كل مشروع إصلاحي على الإنسان، وعلى الضمير قبل الصلاحية، وعلى النزاهة قبل النفوذ، الذي قد يمنح الموظف منصباً، لكنه لا يستطيع أن يمنحه ضميراً، ويستطيع أن يضع بين يديه الصلاحيات، لكنه لا يستطيع أن يضع في قلبه النزاهة، وتستطيع القرارات أن تحدد الطريق، لكنها لا تستطيع أن تضمن سلامة من يسيرون فيه، والأكيد أن الثقة بالمسؤول كبيرة حينما يفتح النوافذ لصوت الواقع، كما يفتح الأبواب لصوت التقارير، لأن المسافة بين التخطيط والنتيجة ليست دائماً مسافة قرارات، بل مسافة بشر، وفي تلك المسافة تحديداً يتحدد مصير الأفكار؛ فإما أن تصل كما وُلدت نقيةً وعادلة، وإما أن تتبدل ملامحها حتى لم يعد يعرف فيها وجه صاحبها الأول.

الثقة بالمسؤول كبيرة حينما يفتح النوافذ لصوت الواقع، كما يفتح الأبواب لصوت التقارير، لأن المسافة بين التخطيط والنتيجة ليست دائماً مسافة قرارات.