محمد السعد

يعتقد أفلاطون أن عالمنا المادي الذي نعيش فيه ونختبره بحواسنا، ليس هو الواقع الحقيقي بل مجرد نسخة مشوهة لعالم آخر أسمى وأرقى يسمى «عالم المُثُل». هذه الفكرة المبسطة يمكن أن تختصر لك تاريخ الفلسفة. وكيف انقسم حولها الفلاسفة لقسمين: عقلانيون وتجريبيون. الفكرة لم تتوقف عند أفلاطون وعصره بل امتد تأثيرها في شخصيات معاصرة مثل عالم اللسانيات الأمريكي نعوم تشومسكي الذي يقوم مشروعه اللغوي على فكرة أفلاطونية أطلق عليها اسم «Plato›s Problem».

ما حفزني لكتابة هذا المقال صورة ظريفة وجدتها بالصدفة في عالم قوقل الشاسع. وفي ظني أنها اختصرت تاريخ الفلسفة من أفلاطون حتى تشومسكي، وأثبتت بما لا يدع مجالا للشك أن العقل عند الفلاسفة مشبع بالخرافة. دعونا نحلل الصورة بشكل أعمق: فهي تتكون من قسمين، أعلى الصورة قطة كبيرة بيضاء أطلق عليها اسم «IDEAL PERFECT CAT» أي القط المثالي الأكمل. في أسفل الصورة هناك ثلاث قطط صغار«سوداء ومنقطة وبيضاء» أطلق عليها اسم «IMPERFECT CATS» أي القطط غير المثالية. هي نفسها القطط التي نراها في عالمنا المادي الذي نعيش فيه ونتفاعل معه باستخدام حواسنا الخمس.

كل القطط التي تراها في الشارع والتي تلاعبها في منزلك، قطط غير مثالية، مجرد نسخ مشوهة وغير مكتملة للقطة المثالية الكاملة (القطة في أعلى الصورة) الموجودة في عالم غيبي لا ندركها بحواسنا بل بعقولنا. هنا تكمن الخرافة في عقل الفلاسفة، وهذا ما جعل الفيلسوف الفرنسي «ديكارت» يشك في كل شيء تخبره به الحواس حتى أصبح يشك في وجوده الشخصي لذلك أطلق مقولته الشهيرة «أنا أفكر إذن أنا موجود».

في العالم الغيبي توجد القطة الكاملة أو الماهية الحقيقية لكل قطط العالم، القطة الأزلية التي لا توسخ الغرفة بالقاذورات، ولا تبحث عن طعامها في حاويات النفاية. قطة لا ندركها بحواسنا بل بواسطة التأمل العقلي والروحي في العالم الأزلي (عالم المُثُل). قطة تجلس بوقار أرستقراطي وتنظر بازدراء لقطط العالم المادي. يعتقد أفلاطون وديكارت أن القطة التي تعيش معنا في منازلنا وتملؤها بالفوضى، ليست قطة حقيقية بل مجرد نسخة رديئة ومشوهة لقطة مثالية تعيش برفاهية متناهية في عالم السماء. قطة لا يمكن أن تبيع كرامتها مقابل بقايا دجاجة مشوية في حاوية النفايات. طبعا عالم المُثُل لا يقتصر على عالم القطط، فهناك الشجرة المثالية والكرسي المثالي والسرير المثالي والبقرة المثالية. وكل ما ندركه بحواسنا ليس إلا نسخة رديئة من النسخة الأصلية في عالم المثل.

العقل عند الفلاسفة ليس مجرد وظيفة بيولوجية للدماغ، بل جزء خالد من الروح، ويمتلك معرفة مسبقة قبل ولادتنا في العالم المادي، وظيفته في الحياة، تذكر تلك المعارف والحقائق المطلقة التي رآها في عالم المُثُل بواسطة التأمل الروحي والإلهام العقلي. العقل هنا لا يرى الأفكار بوصفها منتجات له داخل الدماغ البشري، بل بوصفها نتيجة لثنائية حادة (عقل مقابل حواس)، ويتعامل مع الحواس بوصفها أدوات تضليل وخداع، وهي رؤية مستمدة من طقوس وأساطير يونانية قديمة. فالعلم الحديث يتعامل مع القطة المادية التي ندركها بحواسنا بموضوعية تامة، يشرحها، يدرس سلوكها، جيناتها، بيئتها. ولكنه لا يحتقرها ويصنفها نسخة مشوهة لقطط سماوية. العلم لا يبحث عن النسخ السماوية للقطط ولا يفترض وجود عالمين منفصلين، أحدهما أزلي ويبدأ يحاكم الواقع على أساسه.

العلم لا يفترض وجود «قطة مثالية» بل يؤمن بوجود قطة محسوسة ومتغيرة، لكنها قابلة للملاحظة والقياس والفهم. بالتالي فإن العقل العلمي لا يمكن أن ينسجم إطلاقا مع العقل الفلسفي أو يكون امتدادا له.