محمد الزموري

ليس الألم مجرد إحساس جسدي عابر، ولا هو حالة طارئة ينبغي التخلص منها بأسرع وسيلة ممكنة. فمنذ أن بدأ الإنسان يتأمل وجوده، احتل الألم مكانة مركزية في التفكير، بوصفه تجربة تكشف عن أعماق النفس أكثر مما تكشف عن حدود الجسد. ولعل المفكر الألماني إرنست يونغر صاغ هذه الحقيقة في عبارة أصبحت أشبه بمفتاح لفهم الإنسان: «أخبرني ما علاقتك بالألم، أقل لك من أنت».

تبدو العبارة للوهلة الأولى بسيطة، لكنها تخفي وراءها سؤالاً وجودياً بالغ العمق. فليست المشكلة في أن الإنسان يتألم، إذ لا أحد ينجو من الألم، وإنما في الطريقة التي يستقبل بها معاناته، والمعنى الذي يمنحه لها، والكيفية التي يسمح لها بأن تعيد تشكيل رؤيته للحياة. فالألم ليس مجرد حادث يقع لنا، بل هو اختبار يكشف طبيعة علاقتنا بالوجود كله.

في عالم اليوم، أصبح الألم يُعامل غالباً باعتباره خللاً ينبغي إصلاحه. فالتقدم الطبي، وصناعة الأدوية، وثقافة الرفاهية، وحتى بعض اتجاهات علم النفس المعاصر، تنطلق جميعها من افتراض واحد: أن المعاناة حالة استثنائية يجب القضاء عليها بأقصى سرعة. ولم يعد السؤال هو ماذا يمكن أن نتعلم من الألم، بل كيف نتخلص منه بأقل تكلفة ممكنة.

غير أن هذا التصور، على الرغم من أهميته العملية، يختزل جانباً كبيراً من التجربة الإنسانية. فليس كل ألم عدواً ينبغي محوه، ولا كل معاناة عبثاً ينبغي التخلص منه. فهناك آلام لا يمكن تجاوزها إلا بعبورها، وخبرات لا تنضج إلا تحت وطأة المحنة.

كان إرنست يونغر يدرك ذلك جيداً. فقد عاش الحرب العالمية الأولى بكل قسوتها، وأصيب فيها مرات عديدة، ورأى الموت عن قرب حتى أصبح جزءاً من ذاكرته اليومية. ولم تخرج كتاباته من تأمل نظري بارد، بل من تجربة شخصية عميقة. لذلك لم يكن يتحدث عن الألم بوصفه فكرة، وإنما بوصفه واقعاً عاشه بكل تفاصيله.

في كتابه «عن الألم»، الصادر عام 1934، لا يمجد يونغر المعاناة، ولا يدعو إلى البحث عنها، كما ظن بعض منتقديه، وإنما يرى أن قدرة الإنسان على مواجهة الألم، دون أن يفقد إنسانيته، هي إحدى العلامات الفارقة في تكوين الشخصية. فالألم، في نظره، ليس نقيض الحياة، بل أحد أبوابها الكبرى.

كان يعتقد أن المجتمعات الحديثة، حين جعلت الأمن والراحة هدفها الأعلى، فقدت شيئاً أساسياً من قوتها الداخلية. فالإنسان الذي يهرب من كل ما يؤلمه، ينتهي إلى فقدان القدرة على مواجهة الحياة نفسها. أما الشخصية القوية، فهي ليست التي لا تشعر بالألم، وإنما التي تستطيع النظر إليه دون أن تنهار، وأن تحول المعاناة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والجرح إلى بصيرة.

ولم يكن يونغر وحيداً في هذا الفهم. فالفكر الإنساني، على اختلاف ثقافاته، عاد مراراً إلى الفكرة نفسها، وإن عبر عنها بلغات مختلفة.

رأى فريدريك نيتشه أن الألم ليس عارضاً على الحياة، بل أحد شروط اكتمالها. فالإنسان لا يكتشف طاقاته الحقيقية في أوقات الراحة، بل عندما يواجه الشدائد. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «ما لا يقتلك يجعلك أقوى.» لكنها لم تكن دعوة إلى تمجيد المعاناة بقدر ما كانت تأكيداً أن الشخصية لا تُصنع في أوقات اليسر، وإنما في لحظات الامتحان.

أما الرواقيون، مثل سينيكا وإبيكتيتوس وماركوس أوريليوس، فقد نقلوا مركز الثقل من الحدث إلى النفس. فما يؤذي الإنسان، في نظرهم، ليس الألم ذاته، وإنما الحكم الذي يصدره عليه. فالأحداث تقع خارج إرادتنا، أما طريقة استقبالها فهي التي تحدد مقدار معاناتنا. ولهذا كان الحكيم الرواقي يسعى إلى السيطرة على نفسه، لا على العالم، وإلى تهذيب نظرته للأشياء قبل محاولة تغيير الأشياء نفسها.

وأضافت الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل بعداً أكثر رهافة. فقد ميزت بين الألم العادي، وبين ما سمته «العذاب»، وهو ذلك الألم الذي يجرد الإنسان من أوهامه ويكسر غروره، حتى يصبح أكثر انفتاحاً على حقيقة تتجاوز ذاته. إنها لحظة يشعر فيها الإنسان بأنه فقد كل شيء، لكنه يكتشف، في الوقت نفسه، ما لا يمكن فقدانه.

ومن زاوية أخرى، وصل الطبيب النفسي فيكتور فرانكل إلى نتيجة مشابهة. فقد رأى أن الإنسان يستطيع احتمال أقسى الظروف إذا وجد معنى لمعاناته. فالألم الذي يخلو من المعنى يتحول إلى عبء لا يطاق، أما الألم الذي يصبح جزءاً من رسالة أو غاية، فإنه يتحول إلى مصدر للقوة الداخلية.

ورغم اختلاف هذه التقاليد الفكرية، فإنها تلتقي عند حقيقة واحدة: أن علاقة الإنسان بالألم ليست مسألة نفسية فحسب، بل هي تعبير عن نظرته إلى الحياة بأكملها. فهناك من يرى في الألم نهاية الطريق، وهناك من يجعله بداية لفهم أعمق للذات. وهناك من يهرب منه بكل ما أوتي من قوة، وهناك من يواجهه بوصفه معلماً قاسياً، لكنه صادق.

ولذلك، فإن سؤال يونغر لا يتعلق بالألم وحده، بل بالهوية نفسها. كيف تواجه خساراتك؟ ماذا تفعل عندما تنهار توقعاتك؟ كيف تتعامل مع المرض، والفشل، والحرمان، والشيخوخة، والموت؟ إن إجابات هذه الأسئلة تكشف عن الإنسان أكثر مما تكشف عنه سنوات النجاح والطمأنينة.

ليست البطولة في ألا نتألم، فذلك مستحيل، وليست الحكمة في البحث عن المعاناة، فذلك وهم آخر. وإنما تكمن الإنسانية الحقة في أن نمنح آلامنا معنى، وأن نسمح لها بأن تنضج وعينا بدلاً من أن تحطم أرواحنا. فالألم، حين يُفهم على هذا النحو، لا يعود مجرد تجربة قاسية، بل يصبح مرآة يرى الإنسان فيها صورته الحقيقية، ويكتشف من خلالها مقدار ما يملكه من صبر، وحكمة، وقدرة على الاستمرار.

وهكذا، يبقى السؤال الذي طرحه يونغر مفتوحاً أمام كل إنسان: كيف تنظر إلى ما يؤلمك؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تكشف فقط كيف تعيش، بل تكشف أيضاً من تكون.