الوطن

ليست المشكلة في أن نملك نموذجًا جيدًا للرعاية الصحية، بل في أن يشعر المريض بأن هذا النموذج غيّر حياته فعلًا. فالتاريخ الصحي في كثير من الدول مليء بالإستراتيجيات التي بدت متقنة على الورق، لكن عددًا أقل منها استطاع أن ينعكس على تجربة الإنسان عندما يصبح مريضًا. وهنا تحديدًا يبدأ الاختبار الحقيقي لنموذج الرعاية الصحية السعودي.

الوقاية من المرض

منذ إطلاق التحول الصحي، لم يكن الهدف بناء مستشفيات أكثر، أو إعادة توزيع الصلاحيات بين الجهات، بل إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والنظام الصحي. فالنجاح لم يعد يقاس بعدد الأسرة أو المباني أو حتى حجم الإنفاق، وإنما بقدرة المنظومة على الحفاظ على صحة الإنسان قبل أن يحتاج إلى العلاج، وعلى مرافقته خلال رحلته العلاجية إذا مرض.

من هذا المنطلق جاءت فكرة نموذج الرعاية الصحية السعودي. وهي، في تقديري، واحدة من أكثر الأفكار نضجًا في تاريخ القطاع الصحي السعودي. فالانتقال من نظام ينتظر المرض داخل المستشفى إلى نظام يسعى إلى الوقاية منه في المجتمع، وجعل الرعاية الأولية نقطة الانطلاق، وربط جميع الخدمات برحلة المريض بدلًا من حدود المؤسسات، كلها توجهات تتماشى مع أفضل الممارسات العالمية.

كما أن إعادة توزيع الأدوار بين الجهة المنظمة، والجهات المقدمة للخدمة، والجهات الممولة، تمثل خطوة مهمة نحو بناء منظومة أكثر وضوحًا في المسؤوليات وأكثر قدرة على التطور مستقبلًا.

لكن جودة الفكرة وحدها لا تكفي.

فالتحول الصحي لا ينجح عندما تتغير الهياكل التنظيمية، وإنما عندما تتغير تجربة المريض. والمواطن لا يشغله كثيرًا اسم الجهة التي تدير المستشفى، بقدر ما يشغله أن يجد موعدًا في الوقت المناسب، وطبيبًا يملك معلوماته، وخدمة متصلة لا تبدأ من الصفر في كل زيارة، ورعاية تحفظ كرامته وتختصر معاناته.

ولهذا، فإن من حقنا اليوم، بعد سنوات من التطبيق، أن نتوقف لنسأل: ماذا تعلمنا؟

ثقافة مؤسسية

أول ما تعلمناه أن الوقاية ما زالت بحاجة إلى أن تتحول من شعار إستراتيجي إلى ثقافة مؤسسية. فما زالت معظم الموارد والاهتمام المجتمعي تتجه نحو علاج المرض أكثر من منعه. ولا يمكن لأي نظام صحي، مهما بلغت كفاءته، أن يستمر في مواجهة العبء المتزايد للأمراض المزمنة إذا بقي الاستثمار في الوقاية أقل من الاستثمار في العلاج.

أما الدرس الثاني، فهو أن الرعاية الأولية لا تصبح محور النظام بمجرد النص عليها في الإستراتيجيات. فهي تحتاج إلى طبيب أسرة مؤهل، وفريق صحي متكامل، وصلاحيات واضحة، وثقة المجتمع. وعندما يفضل المواطن تجاوز المركز الصحي والاتجاه مباشرة إلى المستشفى، فإن ذلك يستحق الدراسة، لأنه يعكس فجوة ينبغي التعامل معها بواقعية لا بإنكار.

والدرس الثالث أن التكامل أصعب بكثير من الرقمنة. فالملف الإلكتروني، مهما بلغت جودته، لا يكفي وحده لبناء رحلة علاجية متكاملة. التكامل الحقيقي يعني أن تكون المسؤولية واضحة منذ دخول المريض وحتى انتهاء علاجه، وأن يشعر أن النظام كله يعمل كفريق واحد، لا كمؤسسات منفصلة تتبادل الإحالات.

منظومة مؤسسية

كما كشف التطبيق عن تفاوت ملحوظ بين بعض التجمعات الصحية. وهذا ليس أمرًا مستغربًا في المراحل الأولى لأي تحول وطني بهذا الحجم، لكنه لا ينبغي أن يستمر طويلًا. فنجاح النموذج يجب أن يكون نتاج منظومة مؤسسية، لا انعكاسًا لقدرات قيادات متميزة في مواقع محددة. والتجارب الناجحة ينبغي أن تنتقل بسرعة إلى بقية التجمعات، حتى لا يصبح مكان إقامة المواطن عاملًا مؤثرًا في جودة الرعاية التي يتلقاها.

ومن القضايا التي تستحق نقاشًا أكثر عمقًا قضية مؤشرات الأداء. فلا خلاف على أهميتها، لكن المؤشرات قد تصبح مضللة إذا تحولت إلى هدف بحد ذاتها. فمن السهل تحسين بعض الأرقام التشغيلية، لكن الأصعب هو تحسين النتائج الصحية الحقيقية. والسؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا دائمًا هو: هل أصبح الناس أكثر صحة؟ وهل قلت المضاعفات؟ وهل تحسنت جودة الحياة؟ وهل انخفضت الحاجة إلى التنويم المتكرر؟ هذه هي المؤشرات التي تعكس نجاح أي نظام صحي.

وفي المقابل، سيكون من غير المنصف تجاهل ما تحقق. فقد شهدت المملكة تقدمًا واضحًا في الصحة الرقمية، والخدمات الافتراضية، وعدد من مسارات الرعاية المتخصصة والعاجلة، كما أصبحت بعض الخدمات أكثر سهولة ووصولًا مما كانت عليه قبل سنوات. وهذه إنجازات تستحق التقدير، لأنها تؤسس لمرحلة أكثر تطورًا.

لكن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة. فما كان مقبولًا في سنوات التأسيس لن يكون كافيًا في سنوات النضج. وسينتقل التقييم تدريجيًا من سؤال: ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر صعوبة: ماذا تغير في حياة الناس؟

بناء الثقة

ومن هنا، أرى أن الأولويات في المرحلة القادمة تتمثل في خمسة محاور واضحة: تمكين الرعاية الأولية بوصفها القلب الحقيقي للمنظومة، والانتقال إلى قياس النتائج الصحية لا النشاط فقط، والاستثمار في الكوادر والقيادات التي يتطلبها النموذج الجديد، وتقليص الفجوة بين التجمعات الصحية، وحماية البعد الإنساني حتى لا يطغى الجانب الإداري على جوهر الرسالة الصحية.

فالتحول الصحي، في نهاية المطاف، ليس مشروعًا لإعادة هيكلة المؤسسات، بل مشروع لإعادة بناء الثقة بين الإنسان والنظام الصحي. وإذا شعر الطبيب أنه أكثر قدرة على أداء رسالته، وشعر المريض أن رحلته أصبحت أبسط وأكثر أمانًا، فسنكون قد اقتربنا من تحقيق الهدف الذي انطلق من أجله هذا التحول.

بعد سنوات من التطبيق، لم يعد السؤال: هل نموذج الرعاية الصحية السعودي فكرة صحيحة؟ فالإجابة عن ذلك تكاد تكون محسومة. السؤال الحقيقي هو: هل أصبح هذا النموذج جزءًا من التجربة اليومية للمريض والطبيب؟ فعندما يختفي التفاوت بين المناطق، وتصبح الوقاية الخيار الأول لا الأخير، ويشعر المواطن أن النظام يعرفه قبل أن يعرّف بنفسه، عندها فقط يمكن القول إن التحول الصحي لم ينجح في إعادة تنظيم المؤسسات فحسب، بل نجح في تحقيق غايته الأهم... أن يجعل الإنسان محور الرعاية، لا مجرد متلقٍ لها.

* رؤية

د. إبراهيم الحفظي

استشاري - مدير صحة عسير الأسبق