مجاهد عبدالمتعالي

كنت قد حدثتكم في مقال بعنوان «جوهر الحداثة البدوية» عن كتاب «الحداثة البدوية: انحراف العقلانية ومأزق الحرية في العالم العربي» وأنا هنا أسحب كلامي ناصحاً القارئ العربي بتجاهل كتابي، وليكن اهتمامه موجهاً إلى كتاب بعنوان «الأخلاق المدنية: قصة نشوء الأخلاق المدنية في الحضارة الغربية» للدكتور عبدالرحمن بن خالد الخنيفر، الصادر في طبعته الأولى عام 2024. فهذا الكتاب أهم كتبي - وليس كتابي الأخير إلا أحدها - لن يحتملها إلا هواة الركمجة الفكرية بكل ما فيها من اختلالات وضرورات اللياقة الذهنية في التنقل بين المقامات اللغوية والفكرية، فمن مقام ابن خلدون في مقدمته إلى مقام جاك أتالي في كتابه «الإنسان البدوي»، ومن الجاحظ إلى كارل مانهايم، ولهذا أعجبني التوصيف الساخر والعميق لكتاب «الحداثة البدوية» الذي كتبه لي الناقد الكبير علي الشدوي، حين قال: (الكتاب يستحق مثلاً شعبياً عندنا وهو: من أكل بيديه الثنتين قشب/لطخ لحيته). وهو يرى أني أكلت بيدي الثنتين في هذا الكتاب، بما يجعل القارئ لا يعرف هل قرأ كتاباً أم خاض معركة ذهنية، وأنا معه، بل أضيف أني كنت في كتابي هذا أتورط بتداعيات حرة تمتدّ من كل مكان في دماغي، وتشبه الأذرع المتعددة للآلهة الهندوسية، فمن الجاحظ إلى كارل مانهايم ومن ابن قتيبة إلى اشبنغلر. أحياناً أشعر بنشوتها في عقلي فأنساق لهذا التداعي، فتخيلوا النتيجة الأكثر سوءاً لمن يأكل بأياد متعددة وليست اثنتين!!، خصوصاً أن الشدوي يعيد سبب ذلك إلى أن تخصصي الأكاديمي مع تمرسي في كتب الشريعة جعل ذلك الأسلوب يمسك - كما يقول - بقحف جمجمتي ولن أتخلص منه بسهولة، وبصراحة: لا أجد في نفسي رغبة في التخلص، لأسباب تحتاج مقالاً آخر ليس لها علاقة بتخصصي ولا تمرسي في كتب الشريعة.

سر اهتمامي بكتاب الخنيفر أنه شكل امتداداً لاهتمامي بمفهوم المواطنة والأخلاق الحديثة، ذلك الاهتمام الذي بدأته مع كتاب موجز ومهم بعنوان «من الحكيم القديم إلى المواطن الحديث: دراسات في الثقافة الأخلاقية» لمجموعة من أساتذة الفلسفة بفرنسا، ترجمة وتعليق محمد مندور، صادر عن لجنة التأليف والترجمة والنشر عام 1944. ثم جاء كتاب آ خر بعنوان «ما المواطنة؟» لدومينيك شنابر وكريستيان باشولييه، ترجمة سونيا محمود نجا، صدر في ترجمته العربية عام 2016، يليه كتاب «تاريخ موجز للمواطنية» لديريك هيتر، ترجمة آصف ناصر ومكرم خليل. الصادر في طبعته العربية عام 2007.

لماذا كتاب الخنيفر؟، لأنه استعرض «قصة نشوء الأخلاق المدنية في الحضارة الغربية منذ الجذور اليونانية حتى مطلع القرن العشرين» عبر 576 صفحة رجع فيها إلى 645 مصدراً ومرجعاً، بمنهجية تناسب من لا يجيد الركمجة الفكرية، بل يبحث عن «الرصانة/الرتابة الأكاديمية» ولكنها خفيفة الظل إذا تقاطعت مع اهتمام القارئ، لأن الكتاب في أصله أطروحة علمية تقدم بها الباحث لنيل درجة الدكتوراه.

لن أستعرض الكتاب فيتوهم القارئ أني أعطيته خلاصة وافية، فحتى ما كتبه المؤلف على ظهر الكتاب لا يفي أصحاب (دهشة السؤال مع عقل حر) أن يلمّوا بما فيه.

ولأنه «لا يوجد أعظم من فكرة حان وقتها» فإن فكرة «المواطنة» حان وقتها لتتجذر أكثر في الوجدان العام، فبعد ما سمي «الربيع العربي» - والذي كان من وجهة نظري – مؤشراً على تفسخ شرعية ما بعد سقوط الدولة العثمانية من قضايا «الاستقلال والتحرر الوطني»، والذي تكاتفت فيه سبع دول تمتعت بالاعتراف الدولي لإنشاء جامعة الدول العربية عام 1945م وصولاً إلى استقلال آخر دولة عربية.

شرعية جامعة الدول العربية كانت قائمة على مفهوم الهوية القومية العربية بوصفها رابطة «فوق الدولة» وكانت في ظرفها التاريخي مناسبة لصناعة هوية مشتركة «الأمة العربية» فالجامعة العربية لم تبن لتكون مؤسسة وظيفية، بل مؤسسة هوية جامعة، فمن خلال شرعية «الأمة» يمكن تعويض ضعف الدولة آنذاك ومساعدة البقية على الاستقلال السياسي عبر «حق تقرير المصير»، وفي سبيل الحرب الباردة تشكل المحور «السعودي، الباكستاني، الأمريكي» ثم تأسست رابطة العالم الإسلامي 1962، وأخيراً الحرب الأفغانية 1979-1989.

إذن فكل ما أنشئ له أسباب سياسية تخيط على إثره مبرراتها الأيديولوجية، والأيديولوجيا - حسب فهمي - هي كل ما يفصل الإنسان عن أخيه الإنسان، حتى ولو لبست ثوب العلم كما في النازية، أو لبست ثوب الدين كما في الإسلام السياسي، ليأتي بعد سقوط جدار برلين صراع الهويات الكبرى التي استُثمرت ضد الشيوعية، لنرى حادثة 11 سبتمبر 2001، كإرهاص لتفسخها ضمن مفاعيل وضغوط العولمة، ويظهر على أنقاضها «الهويات الوطنية، بالإضافة إلى الهويات الطائفية والقبلية والمذهبية»، كل هذا انعكس على العالم العربي ليظهر بجلاء فيما سمي «الربيع العربي 2011».

ومع كراهية البعض لمحمد حسنين هيكل، إلا أن احترام تاريخه يفرض علينا الإشارة إلى محاضرته الاستباقية لما قبل الربيع العربي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 2002 بعنوان «المستقبل.. الآن» حذر فيها من أن (الشرعية الثورية في مصر قد استنفدت أغراضها وتفسخت بمرور الوقت، خاصة بعد تحولها إلى محاولة لتثبيت دعائم «شرعية دستورية» شكلية لم تعد تعبر عن آمال الشعب، في تجاهل تام للتحديات والاعتماد على الإرث القديم دون مشروع وطني متجدد وكل هذا يضع البلاد في مأزق خطير).

ولهذا فالمواطنة كنظرية يمكن الرجوع لما ذكرته من كتب وأكثر، وبالنسبة للنماذج الشخصية للمواطنة يمكن الإشارة لقائمة طويلة مثل: احمد الربعي، غازي القصيبي، جورج قرم، محمد الشرفي... الخ، وسأضيف اسمين يمثلان سلوك المواطنة من خارج المركز التنفيذي الرفيع في جهاز الدولة، ممن لم يمثلوا دور (المثقف الوزير)، بل عملا بإخلاص وطني في سبيل «الإصلاح من موقع الأقلية» وفي هذا السبيل يكتمل نموذج المثقف الذي يواجه التحديات عاري الصدر إذا جاز التعبير، وأقصد المواطن توفيق السيف والمواطن أحمد عصيد.

فتجربتهما مثيرة للاهتمام، وتؤكد أن النضال في سبيل حقوق المواطنة في «ظل الدولة الحديثة» أكرم وأصدق وأنبل مهما واجه من صعاب وتحديات، لأنها تحمل «شرف المحاولة» في إفهام محتقريها والطاعنين في مواطنتها ممن عجزوا عن الارتقاء لمستوى مفهوم «المواطنة»، الذي لا يفرق في الحقوق بين مواطن ومواطن، ولهذا يحترمها حتى أعداؤها من العقلاء، أما الحمقى فوبال على الصديق قبل العدو.