لو شهدنا قبل سنوات التفجير الذي وقع في مقهى بالعاصمة السورية، الخميس الماضي، لكان مجرد حلقة جديدة في الحرب السورية، أما اليوم فهو يحمل دلالات مختلفة تمامًا.
فسوريا لم تعد تعيش حربًا مفتوحة بين جيوش، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تختلط فيها الخلايا الإرهابية، وشبكات النظام السابق، والصراعات الإقليمية، وحسابات القوى الكبرى، وفي هذه المرحلة لا تكون العبوة الناسفة مجرد جريمة، بل تتحول إلى رسالة سياسية واضحة. ولهذا فإن السؤال لا يبدأ بمن زرع العبوة، وإنما لماذا اختير هذا الهدف؟ ولماذا الآن؟
استهداف مقهى في شارع النصر وسط دمشق ليس تفصيلًا أمنيًا، إذ إنها المرة الأولى التي يتحول مقهى مدني مكتظ إلى هدف مباشر منذ سقوط نظام الأسد، فالأشهر الماضية شهدت استهداف كنيسة، واجتماعات أمنية، ومؤسسات حكومية، وشخصيات عامة، أما اليوم انتقلت الضربة إلى مكان لا يحمل أي قيمة عسكرية أو سياسية، لكنه يحمل قيمة أكبر بكثير لأنه يستهدف المجتمع نفسه.
التفجير الذي أودى بحياة 10 مدنيين وأصاب العشرات، لا يحتمل الصدفة، فعندما تصبح المقاهي والأسواق ووسائل النقل أهدافًا، فإن الإرهاب يكون غيّر أولوياته، ولم يعد يسعى إلى السيطرة على الأرض، بل على مفاتيح الخوف، ولم يعد يبحث عن إرباك مؤسسة، بل عن إرباك مجتمع كامل بدأ يحاول استعادة إيقاع حياته بعد سنوات طويلة من الحرب.
الحكومة الجديدة تحاول تثبيت مؤسسات الدولة وبسط سيطرتها الأمنية عبر عمليات استباقية لمنع استهداف مؤسسات مدنية، فيما تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ سنوات، عبر مواجهة مفتوحة بين أمريكا وإسرائيل مع إيران، وحرب إسرائيلية مستمرة مع حزب الله، وتنافس إقليمي على شكل سوريا الجديدة ودورها. وفي مثل هذه البيئات تصبح العمليات الإرهابية وسيلة منخفضة الكلفة وعالية التأثير لإرباك الداخل السوري، من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وهنا يبرز السؤال عن الجهة التي تملك الدافع والقدرة على تنفيذ عملية كهذه؟
حتى الآن لم تصل التحقيقات إلى إجابة حاسمة، لكن قراءة نمط العملية تجعل تنظيم داعش أو خلايا تتبنى عقيدته الاحتمال الأكثر ترجيحًا، فالتنظيم اعتاد كلما ضاقت أمامه مساحة الحركة أن ينتقل إلى استهداف المدنيين، وهو لا يحتاج اليوم إلى السيطرة على مدينة حتى يفرض حضوره، بل تكفيه خلية صغيرة وعبوة ناسفة ليعود إلى واجهة الأخبار ويبعث برسالة مفادها أنه ما زال قادرًا على الضرب.
كنت حذرت قبل أشهر من أن خطر داعش بعد خسارته الأرض لن يكون في عودته إلى إقامة «دولة»، بل في تحوله إلى تنظيم يعتمد على الخلايا والعمليات النوعية داخل المدن، مستفيدًا من أي ثغرة أمنية أو توتر سياسي. وما حدث في دمشق يبدو منسجمًا مع هذا التحول، وإن بقيت المسؤولية النهائية رهنًا بما ستكشفه التحقيقات.
لكن الاكتفاء باسم داعش لا يكفي لفهم المشهد، فالتنظيم الإرهابي قد يكون المنفذ، لكنه ليس بالضرورة المستفيد الوحيد ولا يعمل في بيئة معزولة، فما زالت سوريا تضم شبكات مرتبطة بالنظام السابق، من ضباط أمن وعسكريين سابقين ماهرين في التفخيخ والتفجير، وشبكات تهريب أسلحة ومخدرات. وليس المقصود اتهام هذه الشبكات بالوقوف خلف التفجير، بل الإشارة إلى أن البيئة التي راكمتها سنوات الحرب لم تختفِ تمامًا، وأن التنظيمات الإرهابية تجد في مثل هذه البيئات ما تحتاج إليه من خبرة أو دعم أو ثغرات أمنية عندما تتقاطع المصالح.
أما على المستوى الإقليمي، فلا تحتاج بعض القوى إلى أن تكون وراء كل تفجير حتى تستفيد من نتائجه، فمنذ سقوط النظام السابق لم تُخفِ تل أبيب رفضها للسلطة الجديدة في دمشق، وواصلت غاراتها وتوغلاتها داخل سوريا، وأعلنت مرارًا أنها لا تقبل بالواقع الأمني الجديد جنوب البلاد. ومن هذه الزاوية، فإن أي تراجع أمني داخل دمشق يمنح إسرائيل مادة إضافية لتأكيد روايتها أن سوريا ما زالت دولة هشة، ويؤخر تعافيها السياسي والاقتصادي، ويُبقيها منشغلة بداخلها بدل الانتقال إلى مرحلة تثبيت الدولة.
كما لا يمكن إهمال القوى الطائفية التي كانت تحتل سوريا بدعم خارجي. وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته بـ«حرب الظل»، فليس من الضروري أن تجلس كل هذه الأطراف حول طاولة واحدة، أو أن تنسق فيما بينها، بل يكفي أن ينفذ طرف واحد عملية تحقق نتائج تصب في مصلحة أطراف أخرى. فالمنفذ قد يكون تنظيمًا إرهابيًا، بينما تتوزع المكاسب السياسية على خصوم الدولة السورية، والمتضررين من استقرارها، وكل من يرى في استمرار الفوضى فرصة لتعزيز موقعه أو إضعاف خصمه.
لذلك السؤال الحقيقي ليس فقط من نفذ التفجير، بل من الذي التقت مصالحه مع التفجير؟ وفيما تصل التحقيقات إلى الإجابة عن السؤال الأول، يبقى السؤال الآخر سياسيًا ويقود إلى حقيقة أن سوريا دخلت مرحلة لم تعد فيها الحروب تُقاس بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بعدد العبوات التي تحاول زعزعة الثقة وإبطاء التعافي.
قد تكشف التحقيقات اسم الشخص الذي زرع العبوة، لكن ذلك لن يجيب وحده عن السؤال الأكبر، وهو لماذا تعود العبوات الناسفة إلى دمشق الآن؟ الإجابة لا تكمن في هوية المنفذ فقط، بل في التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة معًا. وتاريخيًا كثيرًا ما تكون العبوة الناسفة في الشرق الأوسط الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الحسابات السياسية والأمنية. ولهذا فإن تفجير مقهى في شارع النصر قد لا يكون مجرد حادث إرهابي، بل أول مؤشر إلى أن حرب الظل على سوريا دخلت مرحلة جديدة لم يعد الهدف منها إسقاط الدولة بالقوة، بل منعها من الوصول إلى الاستقرار.
فسوريا لم تعد تعيش حربًا مفتوحة بين جيوش، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا، تختلط فيها الخلايا الإرهابية، وشبكات النظام السابق، والصراعات الإقليمية، وحسابات القوى الكبرى، وفي هذه المرحلة لا تكون العبوة الناسفة مجرد جريمة، بل تتحول إلى رسالة سياسية واضحة. ولهذا فإن السؤال لا يبدأ بمن زرع العبوة، وإنما لماذا اختير هذا الهدف؟ ولماذا الآن؟
استهداف مقهى في شارع النصر وسط دمشق ليس تفصيلًا أمنيًا، إذ إنها المرة الأولى التي يتحول مقهى مدني مكتظ إلى هدف مباشر منذ سقوط نظام الأسد، فالأشهر الماضية شهدت استهداف كنيسة، واجتماعات أمنية، ومؤسسات حكومية، وشخصيات عامة، أما اليوم انتقلت الضربة إلى مكان لا يحمل أي قيمة عسكرية أو سياسية، لكنه يحمل قيمة أكبر بكثير لأنه يستهدف المجتمع نفسه.
التفجير الذي أودى بحياة 10 مدنيين وأصاب العشرات، لا يحتمل الصدفة، فعندما تصبح المقاهي والأسواق ووسائل النقل أهدافًا، فإن الإرهاب يكون غيّر أولوياته، ولم يعد يسعى إلى السيطرة على الأرض، بل على مفاتيح الخوف، ولم يعد يبحث عن إرباك مؤسسة، بل عن إرباك مجتمع كامل بدأ يحاول استعادة إيقاع حياته بعد سنوات طويلة من الحرب.
الحكومة الجديدة تحاول تثبيت مؤسسات الدولة وبسط سيطرتها الأمنية عبر عمليات استباقية لمنع استهداف مؤسسات مدنية، فيما تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ سنوات، عبر مواجهة مفتوحة بين أمريكا وإسرائيل مع إيران، وحرب إسرائيلية مستمرة مع حزب الله، وتنافس إقليمي على شكل سوريا الجديدة ودورها. وفي مثل هذه البيئات تصبح العمليات الإرهابية وسيلة منخفضة الكلفة وعالية التأثير لإرباك الداخل السوري، من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.
وهنا يبرز السؤال عن الجهة التي تملك الدافع والقدرة على تنفيذ عملية كهذه؟
حتى الآن لم تصل التحقيقات إلى إجابة حاسمة، لكن قراءة نمط العملية تجعل تنظيم داعش أو خلايا تتبنى عقيدته الاحتمال الأكثر ترجيحًا، فالتنظيم اعتاد كلما ضاقت أمامه مساحة الحركة أن ينتقل إلى استهداف المدنيين، وهو لا يحتاج اليوم إلى السيطرة على مدينة حتى يفرض حضوره، بل تكفيه خلية صغيرة وعبوة ناسفة ليعود إلى واجهة الأخبار ويبعث برسالة مفادها أنه ما زال قادرًا على الضرب.
كنت حذرت قبل أشهر من أن خطر داعش بعد خسارته الأرض لن يكون في عودته إلى إقامة «دولة»، بل في تحوله إلى تنظيم يعتمد على الخلايا والعمليات النوعية داخل المدن، مستفيدًا من أي ثغرة أمنية أو توتر سياسي. وما حدث في دمشق يبدو منسجمًا مع هذا التحول، وإن بقيت المسؤولية النهائية رهنًا بما ستكشفه التحقيقات.
لكن الاكتفاء باسم داعش لا يكفي لفهم المشهد، فالتنظيم الإرهابي قد يكون المنفذ، لكنه ليس بالضرورة المستفيد الوحيد ولا يعمل في بيئة معزولة، فما زالت سوريا تضم شبكات مرتبطة بالنظام السابق، من ضباط أمن وعسكريين سابقين ماهرين في التفخيخ والتفجير، وشبكات تهريب أسلحة ومخدرات. وليس المقصود اتهام هذه الشبكات بالوقوف خلف التفجير، بل الإشارة إلى أن البيئة التي راكمتها سنوات الحرب لم تختفِ تمامًا، وأن التنظيمات الإرهابية تجد في مثل هذه البيئات ما تحتاج إليه من خبرة أو دعم أو ثغرات أمنية عندما تتقاطع المصالح.
أما على المستوى الإقليمي، فلا تحتاج بعض القوى إلى أن تكون وراء كل تفجير حتى تستفيد من نتائجه، فمنذ سقوط النظام السابق لم تُخفِ تل أبيب رفضها للسلطة الجديدة في دمشق، وواصلت غاراتها وتوغلاتها داخل سوريا، وأعلنت مرارًا أنها لا تقبل بالواقع الأمني الجديد جنوب البلاد. ومن هذه الزاوية، فإن أي تراجع أمني داخل دمشق يمنح إسرائيل مادة إضافية لتأكيد روايتها أن سوريا ما زالت دولة هشة، ويؤخر تعافيها السياسي والاقتصادي، ويُبقيها منشغلة بداخلها بدل الانتقال إلى مرحلة تثبيت الدولة.
كما لا يمكن إهمال القوى الطائفية التي كانت تحتل سوريا بدعم خارجي. وهنا تكمن أهمية ما يمكن تسميته بـ«حرب الظل»، فليس من الضروري أن تجلس كل هذه الأطراف حول طاولة واحدة، أو أن تنسق فيما بينها، بل يكفي أن ينفذ طرف واحد عملية تحقق نتائج تصب في مصلحة أطراف أخرى. فالمنفذ قد يكون تنظيمًا إرهابيًا، بينما تتوزع المكاسب السياسية على خصوم الدولة السورية، والمتضررين من استقرارها، وكل من يرى في استمرار الفوضى فرصة لتعزيز موقعه أو إضعاف خصمه.
لذلك السؤال الحقيقي ليس فقط من نفذ التفجير، بل من الذي التقت مصالحه مع التفجير؟ وفيما تصل التحقيقات إلى الإجابة عن السؤال الأول، يبقى السؤال الآخر سياسيًا ويقود إلى حقيقة أن سوريا دخلت مرحلة لم تعد فيها الحروب تُقاس بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بعدد العبوات التي تحاول زعزعة الثقة وإبطاء التعافي.
قد تكشف التحقيقات اسم الشخص الذي زرع العبوة، لكن ذلك لن يجيب وحده عن السؤال الأكبر، وهو لماذا تعود العبوات الناسفة إلى دمشق الآن؟ الإجابة لا تكمن في هوية المنفذ فقط، بل في التحولات التي تشهدها سوريا والمنطقة معًا. وتاريخيًا كثيرًا ما تكون العبوة الناسفة في الشرق الأوسط الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من الحسابات السياسية والأمنية. ولهذا فإن تفجير مقهى في شارع النصر قد لا يكون مجرد حادث إرهابي، بل أول مؤشر إلى أن حرب الظل على سوريا دخلت مرحلة جديدة لم يعد الهدف منها إسقاط الدولة بالقوة، بل منعها من الوصول إلى الاستقرار.