قبل سنوات كانت كلمة الطبيب تقال - غالبًا - داخل غرفة الكشف فلا يسمعها إلا مريض واحد، بينما اليوم قد تقال الجملة نفسها أمام كاميرا هاتف فتصل إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. المتحدث هو الطبيب نفسه لكن حجم المسؤولية لم يعد هو نفسه، من هنا بدأ النقاش الذي تشرفت بالمشاركة فيه الأسبوع الماضي مع وزير الصحة فهد الجلاجل ضمن برنامج «قهوة الصحة»، لمناقشة الظهور الإعلامي للممارس الصحي في ضوء أخلاقيات المهنة.
أصبح الإعلام اليوم امتدادًا طبيعيًا للممارسة الصحية، فالممارس الصحي لا يلتقي جمهوره داخل العيادة فقط إنما عبر الشاشات، ومنصات التواصل، والبودكاست، والمقاطع القصيرة. أصبح بإمكانه أن يرفع مستوى الوعي الصحي لمجتمع كامل كما كان يفعل مع مريض واحد، وهذا تحول إيجابي ينبغي تشجيعه، لأن المجتمع يحتاج إلى صوت علمي موثوق في فضاء تمتلئ منصاته بالمعلومات المتناقضة، والشائعات، والنصائح غير المبنية على الدليل.
لكن مع هذه الفرصة ظهرت مسؤوليات جديدة، فالإعلام بطبيعته يبحث عن الرسائل السريعة والجذابة، بينما يقوم الطب على الدقة والتوازن وشرح الاحتمالات. ما يجذب انتباه الجمهور ليس دائمًا ما يعكس حقيقة العلم. بل إن خوارزميات المنصات الرقمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر دقة، فيجد الممارس الصحي نفسه أمام تحدٍ حقيقي، كيف يقدم رسالة واضحة ومؤثرة، دون أن يختزل الحقيقة العلمية أو يبالغ في تبسيطها؟
لعل التحدي لا يكمن في اختلاف المعلومة إنما في اختلاف اللغة التي تقدم بها، فما يقال داخل غرفة الكشف بلغة دقيقة ومتوازنة، قد يعاد تقديمه على المنصات الرقمية بصورة أكثر حسمًا أو إثارة للفت الانتباه. وهنا لا تتغير الحقائق العلمية لكن طريقة عرضها قد تتغير، وهو تغيير قد يكون كافيًا لإحداث أثر مختلف تمامًا في فهم الجمهور واتخاذهم لقراراتهم الصحية.
لكن أكثر الأسئلة حساسية ربما تتعلق بالطبيب ذاته، فاليوم أصبح من الطبيعي أن يسعى الطبيب إلى بناء حضوره المهني والتعريف بخبراته أو بمنشأته الصحية أو الخدمات التي يقدمها. وهذا في حد ذاته ليس محل إشكال إنما قد يساعد المرضى على الوصول إلى مقدم الخدمة المناسب. غير أن القيمة الأخلاقية لا تكمن في وجود التسويق، إنما في طريقة ممارسته، فثمة فرق كبير بين أن يعرف الطبيب المجتمع بخبراته ومجالات عمله، وبين أن تتحول منصاته إلى مساحة للمبالغة أو إثارة المخاوف أو تقديم وعود علاجية غير واقعية، أو تفضيل الجاذبية التسويقية على الأمانة العلمية. والتحدي هنا يمتد إلى ما قد لا يقوله الممارس الصحي، فالإفصاح عن أي علاقة مالية أو مصلحة تجارية عند الحديث عن منتج أو خدمة، أصبح جزءًا من حق الجمهور في تقييم الرسالة التي يتلقاها ومن متطلبات الشفافية التي تعزز الثقة ولا تنتقص منها.
اكتمال المشهد الأخلاقي يحتاج أيضًا إلى متلق أكثر وعيًا، فالمجتمع شريك في هذه المنظومة وكلما ارتبطت الثقة بعدد المتابعين، أو جودة الإنتاج، أو شهرة المنصة أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهنية والدليل العلمي، أصبحت البيئة الإعلامية نفسها تشجع على الرسائل التي تجذب الانتباه أكثر مما تعزز المعرفة. لذلك فرفع الوعي الصحي لا يقتصر على تصحيح المعلومات إنما يشمل أيضًا تمكين الناس من تقييم مصادرها والتمييز بين المعلومة الطبية الموثوقة والمحتوى الذي يكتسب تأثيره من أساليب العرض أكثر من قوته العلمية.
هنا تصبح أخلاقيات المهنة هي الحد الفاصل فالطبيب لا يفقد صفته المهنية عندما يغادر العيادة، كما لا تتغير مسؤولياته الأخلاقية عندما يقف أمام الكاميرا، فالمبادئ التي تحكم علاقته بالمريض داخل غرفة الكشف يجب أن تحكم أيضًا كل كلمة يقولها علنًا، الصدق، والشفافية، والاستقلالية، واحترام الدليل العلمي، وتقديم مصلحة المريض والمجتمع على أي اعتبارات أخرى. ولهذا فالحديث عن الظهور الإعلامي للممارسين الصحيين لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: هل يظهر الطبيب في الإعلام أم لا؟ بل من سؤال أكثر أهمية: كيف يظهر؟
الغاية ليست الحد من حضور الممارسين الصحيين، بل تمكينهم من ممارسة هذا الدور وفق إطار أخلاقي واضح يحمي المجتمع من التضليل ويحفظ للمهنة مكانتها ويمنح الممارس الصحي الثقة في أن خطابه العلني امتداد لرسالته المهنية.
غيرت وسائل التواصل الاجتماعي المكان الذي تقال فيه الكلمة الطبية، لكنها لم تغير قيمتها ولم تخفف من مسؤولية قائلها. وإذا كان الطبيب قد انتقل من غرفة الكشف إلى المنصات الرقمية، فأخلاقيات المهنة يجب أن تنتقل معه بالوضوح نفسه.
وربما لا نحتاج إلى أخلاقيات مهنية جديدة، بقدر ما نحتاج إلى إعادة قراءة أخلاقيات المهنة في ضوء واقع جديد. فالمنصات تغيرت وأدوات التواصل تطورت، لكن المبادئ التي تحفظ كرامة المهنة وتصون ثقة المجتمع لا ينبغي أن تتغير. المسؤولية التي يحملها الطبيب أمام مريض واحد هي ذاتها التي يحملها أمام ملايين المتابعين. لأن أخلاقيات المهنة لا تنتهي عند باب العيادة، بل ترافق الطبيب أينما وصل صوته وأيًا كانت المنصة التي يخاطب الناس من خلالها.
أصبح الإعلام اليوم امتدادًا طبيعيًا للممارسة الصحية، فالممارس الصحي لا يلتقي جمهوره داخل العيادة فقط إنما عبر الشاشات، ومنصات التواصل، والبودكاست، والمقاطع القصيرة. أصبح بإمكانه أن يرفع مستوى الوعي الصحي لمجتمع كامل كما كان يفعل مع مريض واحد، وهذا تحول إيجابي ينبغي تشجيعه، لأن المجتمع يحتاج إلى صوت علمي موثوق في فضاء تمتلئ منصاته بالمعلومات المتناقضة، والشائعات، والنصائح غير المبنية على الدليل.
لكن مع هذه الفرصة ظهرت مسؤوليات جديدة، فالإعلام بطبيعته يبحث عن الرسائل السريعة والجذابة، بينما يقوم الطب على الدقة والتوازن وشرح الاحتمالات. ما يجذب انتباه الجمهور ليس دائمًا ما يعكس حقيقة العلم. بل إن خوارزميات المنصات الرقمية تكافئ المحتوى الأكثر إثارة لا الأكثر دقة، فيجد الممارس الصحي نفسه أمام تحدٍ حقيقي، كيف يقدم رسالة واضحة ومؤثرة، دون أن يختزل الحقيقة العلمية أو يبالغ في تبسيطها؟
لعل التحدي لا يكمن في اختلاف المعلومة إنما في اختلاف اللغة التي تقدم بها، فما يقال داخل غرفة الكشف بلغة دقيقة ومتوازنة، قد يعاد تقديمه على المنصات الرقمية بصورة أكثر حسمًا أو إثارة للفت الانتباه. وهنا لا تتغير الحقائق العلمية لكن طريقة عرضها قد تتغير، وهو تغيير قد يكون كافيًا لإحداث أثر مختلف تمامًا في فهم الجمهور واتخاذهم لقراراتهم الصحية.
لكن أكثر الأسئلة حساسية ربما تتعلق بالطبيب ذاته، فاليوم أصبح من الطبيعي أن يسعى الطبيب إلى بناء حضوره المهني والتعريف بخبراته أو بمنشأته الصحية أو الخدمات التي يقدمها. وهذا في حد ذاته ليس محل إشكال إنما قد يساعد المرضى على الوصول إلى مقدم الخدمة المناسب. غير أن القيمة الأخلاقية لا تكمن في وجود التسويق، إنما في طريقة ممارسته، فثمة فرق كبير بين أن يعرف الطبيب المجتمع بخبراته ومجالات عمله، وبين أن تتحول منصاته إلى مساحة للمبالغة أو إثارة المخاوف أو تقديم وعود علاجية غير واقعية، أو تفضيل الجاذبية التسويقية على الأمانة العلمية. والتحدي هنا يمتد إلى ما قد لا يقوله الممارس الصحي، فالإفصاح عن أي علاقة مالية أو مصلحة تجارية عند الحديث عن منتج أو خدمة، أصبح جزءًا من حق الجمهور في تقييم الرسالة التي يتلقاها ومن متطلبات الشفافية التي تعزز الثقة ولا تنتقص منها.
اكتمال المشهد الأخلاقي يحتاج أيضًا إلى متلق أكثر وعيًا، فالمجتمع شريك في هذه المنظومة وكلما ارتبطت الثقة بعدد المتابعين، أو جودة الإنتاج، أو شهرة المنصة أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهنية والدليل العلمي، أصبحت البيئة الإعلامية نفسها تشجع على الرسائل التي تجذب الانتباه أكثر مما تعزز المعرفة. لذلك فرفع الوعي الصحي لا يقتصر على تصحيح المعلومات إنما يشمل أيضًا تمكين الناس من تقييم مصادرها والتمييز بين المعلومة الطبية الموثوقة والمحتوى الذي يكتسب تأثيره من أساليب العرض أكثر من قوته العلمية.
هنا تصبح أخلاقيات المهنة هي الحد الفاصل فالطبيب لا يفقد صفته المهنية عندما يغادر العيادة، كما لا تتغير مسؤولياته الأخلاقية عندما يقف أمام الكاميرا، فالمبادئ التي تحكم علاقته بالمريض داخل غرفة الكشف يجب أن تحكم أيضًا كل كلمة يقولها علنًا، الصدق، والشفافية، والاستقلالية، واحترام الدليل العلمي، وتقديم مصلحة المريض والمجتمع على أي اعتبارات أخرى. ولهذا فالحديث عن الظهور الإعلامي للممارسين الصحيين لا ينبغي أن ينطلق من سؤال: هل يظهر الطبيب في الإعلام أم لا؟ بل من سؤال أكثر أهمية: كيف يظهر؟
الغاية ليست الحد من حضور الممارسين الصحيين، بل تمكينهم من ممارسة هذا الدور وفق إطار أخلاقي واضح يحمي المجتمع من التضليل ويحفظ للمهنة مكانتها ويمنح الممارس الصحي الثقة في أن خطابه العلني امتداد لرسالته المهنية.
غيرت وسائل التواصل الاجتماعي المكان الذي تقال فيه الكلمة الطبية، لكنها لم تغير قيمتها ولم تخفف من مسؤولية قائلها. وإذا كان الطبيب قد انتقل من غرفة الكشف إلى المنصات الرقمية، فأخلاقيات المهنة يجب أن تنتقل معه بالوضوح نفسه.
وربما لا نحتاج إلى أخلاقيات مهنية جديدة، بقدر ما نحتاج إلى إعادة قراءة أخلاقيات المهنة في ضوء واقع جديد. فالمنصات تغيرت وأدوات التواصل تطورت، لكن المبادئ التي تحفظ كرامة المهنة وتصون ثقة المجتمع لا ينبغي أن تتغير. المسؤولية التي يحملها الطبيب أمام مريض واحد هي ذاتها التي يحملها أمام ملايين المتابعين. لأن أخلاقيات المهنة لا تنتهي عند باب العيادة، بل ترافق الطبيب أينما وصل صوته وأيًا كانت المنصة التي يخاطب الناس من خلالها.