هيثم سليمان حبتر
في عالم الإدارة الحديثة، لا خلاف على أن الأرقام لغة مهمة، وأن المؤشرات الإلكترونية أصبحت أداة أساسية لقياس الأداء، ورصد جودة الخدمات، وصناعة القرار. لكن الأرقام، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة عن رواية القصة كاملة إذا انفصلت عن الواقع الذي وُلدت منه.
الميدان لا يعيش داخل لوحة مؤشرات، ولا يعمل وفق معادلات نظرية. إنه يعمل تحت ضغط متواصل، وفي مواجهة نقص في الكوادر، وتزايد في أعداد المراجعين، ومحدودية في الموارد، وتحديات تشغيلية لا تظهر في التقارير الدورية. ورغم ذلك، لا يزال يُطلب منه تحقيق الأهداف ذاتها، وكأن جميع المنشآت تعمل بالظروف نفسها والإمكانات نفسها.
المشكلة ليست في وجود المؤشرات، بل في الطريقة التي تُدار بها. فحين تصبح المؤشرات غاية في حد ذاتها، يفقد القياس قيمته، ويتحول إلى عبء إضافي يُلقى على كاهل العاملين، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحسين الأداء ودعمهم.
ليس من العدالة أن يُحاسَب طبيب يعمل لساعات طويلة في قسم يعاني نقصًا في الكوادر، أو ممرض يتنقل بين عدد من المرضى يفوق الطاقة الاستيعابية، على مؤشرات لم تُوفر لهم الظروف اللازمة لتحقيقها. فالإنجاز لا يُصنع بالقرارات، بل بالموارد، ولا يتحقق بالتوجيهات، بل بالتمكين.
القيادة الحقيقية لا تبدأ بسؤال: "لماذا لم يتحقق المؤشر؟"، بل تبدأ بسؤال أكثر أهمية: "ما الذي يحتاجه الميدان حتى ينجح؟". فالإدارة التي تستمع قبل أن تُحاسب، وتدعم قبل أن تُقيّم، وتُعالج جذور المشكلة قبل ملاحقة نتائجها، هي الإدارة التي تصنع الفارق الحقيقي.
وللأسف، كثيرًا ما يُختزل النجاح في لون أخضر على شاشة، بينما تبقى غرف الطوارئ مكتظة، والكوادر منهكة، والموارد محدودة. وهنا تصبح المؤشرات تجميلًا للصورة أكثر من كونها انعكاسًا للواقع.
العدالة الإدارية تقتضي أن تُقرأ المؤشرات في سياقها، وأن تُفسر في ضوء الإمكانات المتاحة، وأن تُقارن المنشآت وفق ظروفها، لا وفق أرقام مجردة. فالمساواة في التقييم مع اختلاف الإمكانيات ليست عدلًا، بل ظلم مقنع بالأرقام.
لن تتحسن المؤشرات بالضغط وحده، ولن ترتفع جودة الخدمات بمجرد رفع سقف التوقعات. ما يصنع الفرق حقًا هو الاستثمار في الإنسان، وسد النقص في الكوادر، وتوفير الأدوات، وتمكين القيادات الميدانية من أداء دورها. عندها فقط، ستتحول المؤشرات إلى نتيجة طبيعية لعمل ناجح، لا إلى هدف يُطارد الجميع دون أن يمتلكوا وسائل الوصول إليه.
فالمنظومات الصحية لا تنهض بالأرقام وحدها، بل تنهض بالإنسان الذي يقف خلفها. وإذا أُريد للمؤشرات أن تكون صادقة، فلا بد أن تبدأ الحكاية من الميدان... لا من الشاشة.
الميدان لا يعيش داخل لوحة مؤشرات، ولا يعمل وفق معادلات نظرية. إنه يعمل تحت ضغط متواصل، وفي مواجهة نقص في الكوادر، وتزايد في أعداد المراجعين، ومحدودية في الموارد، وتحديات تشغيلية لا تظهر في التقارير الدورية. ورغم ذلك، لا يزال يُطلب منه تحقيق الأهداف ذاتها، وكأن جميع المنشآت تعمل بالظروف نفسها والإمكانات نفسها.
المشكلة ليست في وجود المؤشرات، بل في الطريقة التي تُدار بها. فحين تصبح المؤشرات غاية في حد ذاتها، يفقد القياس قيمته، ويتحول إلى عبء إضافي يُلقى على كاهل العاملين، بدلاً من أن يكون وسيلة لتحسين الأداء ودعمهم.
ليس من العدالة أن يُحاسَب طبيب يعمل لساعات طويلة في قسم يعاني نقصًا في الكوادر، أو ممرض يتنقل بين عدد من المرضى يفوق الطاقة الاستيعابية، على مؤشرات لم تُوفر لهم الظروف اللازمة لتحقيقها. فالإنجاز لا يُصنع بالقرارات، بل بالموارد، ولا يتحقق بالتوجيهات، بل بالتمكين.
القيادة الحقيقية لا تبدأ بسؤال: "لماذا لم يتحقق المؤشر؟"، بل تبدأ بسؤال أكثر أهمية: "ما الذي يحتاجه الميدان حتى ينجح؟". فالإدارة التي تستمع قبل أن تُحاسب، وتدعم قبل أن تُقيّم، وتُعالج جذور المشكلة قبل ملاحقة نتائجها، هي الإدارة التي تصنع الفارق الحقيقي.
وللأسف، كثيرًا ما يُختزل النجاح في لون أخضر على شاشة، بينما تبقى غرف الطوارئ مكتظة، والكوادر منهكة، والموارد محدودة. وهنا تصبح المؤشرات تجميلًا للصورة أكثر من كونها انعكاسًا للواقع.
العدالة الإدارية تقتضي أن تُقرأ المؤشرات في سياقها، وأن تُفسر في ضوء الإمكانات المتاحة، وأن تُقارن المنشآت وفق ظروفها، لا وفق أرقام مجردة. فالمساواة في التقييم مع اختلاف الإمكانيات ليست عدلًا، بل ظلم مقنع بالأرقام.
لن تتحسن المؤشرات بالضغط وحده، ولن ترتفع جودة الخدمات بمجرد رفع سقف التوقعات. ما يصنع الفرق حقًا هو الاستثمار في الإنسان، وسد النقص في الكوادر، وتوفير الأدوات، وتمكين القيادات الميدانية من أداء دورها. عندها فقط، ستتحول المؤشرات إلى نتيجة طبيعية لعمل ناجح، لا إلى هدف يُطارد الجميع دون أن يمتلكوا وسائل الوصول إليه.
فالمنظومات الصحية لا تنهض بالأرقام وحدها، بل تنهض بالإنسان الذي يقف خلفها. وإذا أُريد للمؤشرات أن تكون صادقة، فلا بد أن تبدأ الحكاية من الميدان... لا من الشاشة.