خلال مكالمة هاتفية مع صديق يعيش في اليمن، حدثني بصوت متقطع بسبب ضعف شبكة الهاتف، تلك الشبكة التي يبدو أن اليمنيين وحدهم لا يزالون يبحثون عنها منذ اختراع الهاتف النقال، متنقلين من زاوية إلى أخرى، ومن سطح إلى آخر، لعلهم يعثرون على إشارة تسمح لهم بإكمال جملة واحدة. وبعد جهد، نجح صديقي في إيصال الخبر.
قال إن الدجاج في اليمن أصيب بوباء، وأصبح الناس يُحذرون من الاقتراب منه.
تعاطفت معه، ليس بسبب مرض الدجاج، بل لأن كثيرًا من اليمنيين، بحكم أوضاعهم الاقتصادية، لم يقتربوا من الدجاج أصلًا منذ سنوات، سواء كان سليمًا أو مريضًا.
أنهيت المكالمة، ودخلت المنزل، وهممت أن أحدث السيدة الأولى بما سمعته، فإذا بها تقاطعني بفرمان منزلي عاجل، يقضي بمنع دخول الدجاج إلى الشقة، حيًا كان أو ميتًا، بل ومنع ذكر اسمه داخل المنزل.
ظننت في البداية أن القرار جاء تضامنًا مع دجاج اليمن، لكنني اكتشفت لاحقًا أن للفرمان دوافع بروتوكولية وسيكولوجية أخرى، تتعلق بما أصبح يُعرف هذه الأيام بـ«نظام الطيبات»، وهو نظام يستند إلى نظرية تؤكد أن أكل الدجاج يجعل الإنسان جبانًا.
وحين سألتها عن مصدر هذه النظرية، أجابت:
«هذا الأمر مثبت منذ الحضارات القديمة. السابقون لم يكونوا يأكلون الدجاج، ولذلك فتحوا البلاد والعباد».
قالتها بثقة لا يملكها إلا أصحاب فيديوهات وسائل التواصل، أولئك الذين يستدينون ثمن باقة الإنترنت، ثم يخرجون إلينا ليشرحوا كيف نصبح مليونيرات خلال أسبوع.
ثم نظرت إليّ وقالت:
«وأما نحن، ماذا فتحنا؟»
أجبتها:
«فتحنا فيسبوك».
قالت:
«وماذا استفدنا؟ كيف كنا، وكيف أصبحنا؟»
قلت:
«أصبحنا نقول «لا» في وجه أكبر كبير، بشرط أن يكون بيننا وبينه شاشة هاتف، ثم نذهب إلى أقرب شاحن قبل أن تنطفئ شجاعتنا».
ولأنني رجل يحترم البروتوكولات، فقد انصعت للتوجيهات فورًا.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الدجاج يدخل منزلنا أبدًا تنفيذًا صارمًا للفرمان. أما أنا، فقد أصبحت أخرج إليه يوميًا.
ولم أعد أذكر اسمه داخل الشقة مطلقًا، وإنما أذكره مرة واحدة فقط أمام النادل في المطعم، وبصوت منخفض، وكأنني أطلب سلعة محظورة.
ويقال إن كل ممنوع مرغوب، ولذلك تحولت لقاءاتي اليومية بالدجاج إلى علاقة سرية، أخشى أن يتحول النادل يومًا إلى مندوب لوثائق ويكيليكس، ويرفع السرية عن لقاءاتي اليومية بالدجاج، ليستقبلني أمام السيدة الأولى قائلًا:
«كالمعتاد؟ دجاجة كاملة؟» وعندها ستصبح الفضيحة بجلاجل، على رأي المثل.
وكانت السيدة الأولى، كلما علمت أنني في السوبر ماركت، تنهال عليّ بالرسائل والاتصالات، مذكّرة إياي بضرورة الالتزام بالتوجيهات وعدم الاقتراب من قسم الدواجن.
والحمد لله أن السوبر ماركت المجاور لمنزلنا لا توجد فيه تغطية للشبكة، فكنت أقرأ رسائلها بعد انتهاء التسوق، ولم أخالفها يومًا؛ فقد توقفت فعلًا عن زيارة قسم الدواجن، وصرت أتوجه مباشرة إلى المطعم، احترامًا لنص الفرمان، فالدجاج هناك يدخل المعدة مباشرة دون المرور بالمنزل.
ومن طيبة السيدة الأولى أنها لا تمل من النظر إلى وجهي كل صباح، ثم تقول:
«انظر إلى وجهك، كيف أصبح مشرقًا منذ أن تركت الدجاج واتبعت نظام الطيبات.»
فأهز رأسي موافقًا بكل طيبة، بينما أضع يدي على فمي، خوفًا من أن تخونني تجشؤ متأخرة، فتفضح الدجاجة التي اختليت بها ظهرًا في المطعم.ولم تقف آثار النظام عند هذا الحد.
فبعد أسبوع واحد فقط من منع الدجاج، بدأت مدرسة ابني ترسل الشكاوى تباعًا بعد تشاجره مع زملائه.
وهنا بدأت أعيد النظر في نظرية السيدة الأولى، وأقول في نفسي: يبدو أن للدجاج علاقة بالشجاعة فعلًا، لكنني لم أعد أعرف هل المشكلة في أكله أم في التوقف عنه.
حتى فكرت يومًا أن ألتزم بالنظام أربعًا وعشرين ساعة، وأترك الدجاج يومًا واحدًا فقط، لعلني أكتسب من الشجاعة ما يكفي لأقف أمام السيدة الأولى، وأقود أول انقلاب على نظامها، بعد أن بدأت حكومات عدة تحذر رعاياها من هذا النظام، بينما بقيت السيدة الأولى الحكومة الوحيدة التي لا تحذر رعاياها إلا إذا اتسخ المطبخ أو تأخرت عودتي إلى المنزل.
لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة. ليس خوفًا منها، لا سمح الله.
وإنما خوفًا من أن تفاجئني يومًا بفرمان بروتوكولي جديد، يقضي بتفتيش معدتي، كما تفعل بهاتفي بعد كل خروج من المنزل. وللأسف، أستطيع تغيير كلمة مرور هاتفي، لكنني لم أجد حتى الآن طريقة لتغيير كلمة مرور معدتي.
قال إن الدجاج في اليمن أصيب بوباء، وأصبح الناس يُحذرون من الاقتراب منه.
تعاطفت معه، ليس بسبب مرض الدجاج، بل لأن كثيرًا من اليمنيين، بحكم أوضاعهم الاقتصادية، لم يقتربوا من الدجاج أصلًا منذ سنوات، سواء كان سليمًا أو مريضًا.
أنهيت المكالمة، ودخلت المنزل، وهممت أن أحدث السيدة الأولى بما سمعته، فإذا بها تقاطعني بفرمان منزلي عاجل، يقضي بمنع دخول الدجاج إلى الشقة، حيًا كان أو ميتًا، بل ومنع ذكر اسمه داخل المنزل.
ظننت في البداية أن القرار جاء تضامنًا مع دجاج اليمن، لكنني اكتشفت لاحقًا أن للفرمان دوافع بروتوكولية وسيكولوجية أخرى، تتعلق بما أصبح يُعرف هذه الأيام بـ«نظام الطيبات»، وهو نظام يستند إلى نظرية تؤكد أن أكل الدجاج يجعل الإنسان جبانًا.
وحين سألتها عن مصدر هذه النظرية، أجابت:
«هذا الأمر مثبت منذ الحضارات القديمة. السابقون لم يكونوا يأكلون الدجاج، ولذلك فتحوا البلاد والعباد».
قالتها بثقة لا يملكها إلا أصحاب فيديوهات وسائل التواصل، أولئك الذين يستدينون ثمن باقة الإنترنت، ثم يخرجون إلينا ليشرحوا كيف نصبح مليونيرات خلال أسبوع.
ثم نظرت إليّ وقالت:
«وأما نحن، ماذا فتحنا؟»
أجبتها:
«فتحنا فيسبوك».
قالت:
«وماذا استفدنا؟ كيف كنا، وكيف أصبحنا؟»
قلت:
«أصبحنا نقول «لا» في وجه أكبر كبير، بشرط أن يكون بيننا وبينه شاشة هاتف، ثم نذهب إلى أقرب شاحن قبل أن تنطفئ شجاعتنا».
ولأنني رجل يحترم البروتوكولات، فقد انصعت للتوجيهات فورًا.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الدجاج يدخل منزلنا أبدًا تنفيذًا صارمًا للفرمان. أما أنا، فقد أصبحت أخرج إليه يوميًا.
ولم أعد أذكر اسمه داخل الشقة مطلقًا، وإنما أذكره مرة واحدة فقط أمام النادل في المطعم، وبصوت منخفض، وكأنني أطلب سلعة محظورة.
ويقال إن كل ممنوع مرغوب، ولذلك تحولت لقاءاتي اليومية بالدجاج إلى علاقة سرية، أخشى أن يتحول النادل يومًا إلى مندوب لوثائق ويكيليكس، ويرفع السرية عن لقاءاتي اليومية بالدجاج، ليستقبلني أمام السيدة الأولى قائلًا:
«كالمعتاد؟ دجاجة كاملة؟» وعندها ستصبح الفضيحة بجلاجل، على رأي المثل.
وكانت السيدة الأولى، كلما علمت أنني في السوبر ماركت، تنهال عليّ بالرسائل والاتصالات، مذكّرة إياي بضرورة الالتزام بالتوجيهات وعدم الاقتراب من قسم الدواجن.
والحمد لله أن السوبر ماركت المجاور لمنزلنا لا توجد فيه تغطية للشبكة، فكنت أقرأ رسائلها بعد انتهاء التسوق، ولم أخالفها يومًا؛ فقد توقفت فعلًا عن زيارة قسم الدواجن، وصرت أتوجه مباشرة إلى المطعم، احترامًا لنص الفرمان، فالدجاج هناك يدخل المعدة مباشرة دون المرور بالمنزل.
ومن طيبة السيدة الأولى أنها لا تمل من النظر إلى وجهي كل صباح، ثم تقول:
«انظر إلى وجهك، كيف أصبح مشرقًا منذ أن تركت الدجاج واتبعت نظام الطيبات.»
فأهز رأسي موافقًا بكل طيبة، بينما أضع يدي على فمي، خوفًا من أن تخونني تجشؤ متأخرة، فتفضح الدجاجة التي اختليت بها ظهرًا في المطعم.ولم تقف آثار النظام عند هذا الحد.
فبعد أسبوع واحد فقط من منع الدجاج، بدأت مدرسة ابني ترسل الشكاوى تباعًا بعد تشاجره مع زملائه.
وهنا بدأت أعيد النظر في نظرية السيدة الأولى، وأقول في نفسي: يبدو أن للدجاج علاقة بالشجاعة فعلًا، لكنني لم أعد أعرف هل المشكلة في أكله أم في التوقف عنه.
حتى فكرت يومًا أن ألتزم بالنظام أربعًا وعشرين ساعة، وأترك الدجاج يومًا واحدًا فقط، لعلني أكتسب من الشجاعة ما يكفي لأقف أمام السيدة الأولى، وأقود أول انقلاب على نظامها، بعد أن بدأت حكومات عدة تحذر رعاياها من هذا النظام، بينما بقيت السيدة الأولى الحكومة الوحيدة التي لا تحذر رعاياها إلا إذا اتسخ المطبخ أو تأخرت عودتي إلى المنزل.
لكنني تراجعت في اللحظة الأخيرة. ليس خوفًا منها، لا سمح الله.
وإنما خوفًا من أن تفاجئني يومًا بفرمان بروتوكولي جديد، يقضي بتفتيش معدتي، كما تفعل بهاتفي بعد كل خروج من المنزل. وللأسف، أستطيع تغيير كلمة مرور هاتفي، لكنني لم أجد حتى الآن طريقة لتغيير كلمة مرور معدتي.