إبراهيم نيازي

ترعرعت موهبته في منبع الحُسن والجمال «أبها» المدينة الفاتنة، التي تستفيق على رائحة المطر، تتنفس عبير الزهور، يلاطف غمامها أهداب الضياء والنور، تغزل من قطرات الندى البهجة والسرور، فانعكس هذا البهاء على أعماله ولوحاته، بلغة بصرية عذبة ناطقة.

الفنان التشكيلي «عبدالله بن علي الشلتي» من الرواد الأوائل، الذين سجل لهم التاريخ مجداً تحتفظ به ذاكرة الوطن، كان ولا يزال يستقى أفكاره من حدائق رؤيته، وثقافته الواسعة، أجاد التحكم بومضات الألوان وتأثيرها، وتفرد في اختيار الموضوعات وتأطيرها، ليعزف بفرشاته تقاسيم فنية حسية، ومقامات إبداعية رصدها بذكاء ومهارة، كلما التفت الزمان بحنينه نحو

الإنسان والمكان.

وأخذت لوحته العالمية «الطواف حول الكعبة»، وما فيها من معاني الطمأنينة، والعمق الروحي حيزاً كبيراً من اهتمامات المتابعين، وأفرد لها المهتمون بالفن التشكيلي والنقاد دراسات وحوارات، وتحليل فكرتها، والإشادة بمضمونها، ما جعلها تحصل في المزاد الفني الخيري بجدة على أعلى سعر، وصل إلى 650 ألف ريال.

في مساء صيفي أبهاوي حدثني أبو سلطان عن لوحة مكة فقال: «إنها من أحب أعمالي، وليست موضوع تشكيل فحسب، بل تجربة روحية عميقة استلهمت فكرتها من ذلك المشهد العظيم».

وأكد أن العمل الفني وثيقة تحفظ الذاكرة وتجسد روح المكان، لأن الفن بصفة عامة لا يغير الماضي، لكنه يحفظه في قالب العصر، ولا يروي الحكاية، وإنما يمنحها بُعداً تاريخياً.

وكشف أن مدينة الرياض شهدت في فبراير الماضي من هذا العام إقامة مزاد لأعماله التي كانت تُزين فندق قصر أبها، وتم اقتناؤها بمبلغ قارب المليون ريال.

وقال: «كان المزاد فعلاً ثقافياً رسخ قيمة الفن التشكيلي، بوصفه أصلاً استثمارياً وثقافياً مهماً، وهو ما يراه تقديراً للفكرة، والهوية، والرسالة التي حَمَلتَها تلك الأعمال، فقيمة العمل الفني لا تكمن في السعر، بل بقدرته على البقاء في الذاكرة».

في كتابها «خدعوك فقالوا... مفاهيم وقضايا في الفن» ، تقول الفنانة التشكيلية مها السنان:

في حساب المصطلحات الدقيقة لا أحد يستطيع الجزم بأيهما نبدأ: أثر الفن على الاقتصاد والمجتمعات أم سيطرة لغة الأرقام والمبادئ والمرجعيات وتأثيرها على الفنون؟

وأضافت: «إن الفن والثقافة، أحد أكثر أشكال المشاركة الاجتماعية ديناميكية في السلوك البشري، من منطلق أن لديها القدرة على تحريك التفكير، وتبادل وتشكيل القيم، كما تُمكّن من وضع أسس بناءة، وبشكل متزايد، لرفع سُبل كسب العيش، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية».

في معظم أعماله، ارتكز الفنان عبدالله الشلتي على مجموعة عناصر شكلت رؤيته الفنية ومنها التكوينات، الكتل العمرانية وطرازها المميز، البساتين، نبض الحياة الاجتماعية، الدروب العتيقة، الأسواق الشعبية، حركة الإنسان، مواسم الحصاد، الرعي، القط العسيري، الزخارف، الفنون الشعبية.

ولعل تجربته الناجحة الأولى منذ عقود التي سبقت عصرها، وأحدثت تفاعلاً كبيراً، جاءت من إيمانه أن الفن ينبغي له أن يخرج إلى الناس، ولا يبقى حبيس المعارض، ومن هنا كانت «الجداريات» التي بقيت ولا تزال تصافح عيون الناس في الميادين والأماكن العامة بأبها، واعتبرها الكثير آنذاك، مدرسة «شلتية» مستقلة، استمدت ديمومتها من البيئة والتراث، وهذا ما جعل أعماله تحظى بمشاركات داخلية وخارجية، إلى جانب اقتنائها من جهات رسمية.

يميل الفنان عبدالله الشلتي إلى المدرسة الانطباعية التأثيرية التي تسمح بحرية التعبير عن الضوء واللون، لكنه في الحقيقة سعى إلى ترسيخ أسلوبه الخاص الذي ظهر جلياً في كثير من أعماله.

ودائما ما يردد في أحاديثه أن الفن التشكيلي يُعتبر من أهم أدوات القوة الناعمة، كونه يخاطب العالم بلغة بصرية يفهمها الجميع.

وقال: إن اتساع ثقافة الفنان، وارتباطه بالطبيعة والتراث يمنحان العمل صدقاً وعمقاً. ويبرز الهوية الوطنية، وهذا ينسجم مع توجهات بلادنا الحبيبة في دعم الثقافة والفنون وتعزيز حضورها عالمياً ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030.

الفنان عبدالله الشلتي شخصية اجتماعية فنية نقية، محب للخير، متذوق للجمال، يملك اسماً فنياً له ثقله وحضوره في الأوساط الثقافية على مستوى المملكة، وهو قامة تربوية فنية يؤمن برسالة الفن وتأثيره، وجسامة المسؤولية الملقاة على عاتق الفنان الذي تقتدي به الأجيال.

و أثنى عضو مجلس إدارة الجمعية السعودية للفنون التشكيلية «جسفت».

الفنان التشكيلي عبدالله شاهر عسيري، علق على المسيرة الحافلة للفنان الشلتي، وأكد أنها محملة بتفاصيل المكان وروح أهله، لأنه نقلها لوناً وتعبيراً وحكايات لتبقى على مر الزمن. ووصفه بأستاذ التأثيرية السعودية ورمزها.

وقال: «لم يترك لي الركض في الأحياء مع أقراني، لكنه عرف طريقي، فأخذني معه، وبجواره في المراكز الصيفية، والبرامج، والمشاركات، فكان نعم الأخ والموجه».

مسارات وجهود الفنان الشلتي كبيرة ومتنوعة، وأعتقد أنها تُبرر فكرة أطرحها لتكريمه بما يستحق، والاحتفاء به من خلال إطلاق اسمه على مركز من المراكز الثقافية، أو أحد الميادين والشوارع بمدينة أبها.

هذا الفنان الذي صافح بفنه المجتمع، أجرى معه حوارات، بعد أن حول الواجهات في عقود مضت إلى مشاهد تراثية وحضرية، بمساحات لونية تسر الناظرين.