راضي غربي العنزي

ما أكثر ما نحدّث هواتفنا... وما أقلّ ما نحدّث أرواحنا.

كل صباح نستيقظ على إشعار جديد، ورسالة جديدة، وصورة جديدة، وإعلان يعدنا بحياة أجمل، حتى خُيِّل إلينا أن كل مشكلة في هذا العالم لها تحديث، وأن كل تعب له تطبيق، وأن كل فراغ يمكن أن تملأه شاشة مضيئة.

لكن السؤال الذي يهرب منه الجميع هو: لماذا ازداد القلق كلما ازدادت الوسائل؟ ولماذا أصبحت الحياة أسرع، بينما أصبحت القلوب أكثر تعبًا؟

لسنا نعيش أزمة تقنية، بل أزمة معنى.

لقد نجح الإنسان في أن يجعل العالم كله غرفةً صغيرة داخل هاتفه، لكنه فشل أحيانًا في أن يجعل قلبه بيتًا واسعًا للطمأنينة. يعرف آخر أخبار الكرة الأرضية، ويجهل آخر خبرٍ بينه وبين نفسه. يحفظ كلمات المرور، لكنه ينسى كلمة المرور إلى السكينة: ذكر الله.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾. إنها ليست عبارة وعظية تُقال في لحظة عابرة، بل قانون رباني لا يتبدل. فالذي خلق القلب هو وحده أعلم بما يملؤه، والذي أوجد النفس هو وحده القادر على تهدئة اضطرابها. فلا شركة تقنية تستطيع أن تبرمج الطمأنينة، ولا متجر إلكتروني يبيع السكينة، لأن عطايا الله لا تُختزل في خوارزمية، ولا تُحمَّل بضغطة زر.

وقال رسول الله ﷺ: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس». وكأن الحديث الشريف يصف زمانًا كثرت فيه الممتلكات حتى ضاق أصحابها بها، وازدادت الخيارات حتى عجز الناس عن الاستمتاع بأي منها.

ويُروى أن سعيد بن المسيب، رحمه الله، أحد كبار التابعين، عُرضت عليه مناصب وأموال، فأعرض عنها، لأنه كان يرى أن القلب إذا امتلأ بالله صغرت الدنيا في عينيه. لم يكن يهرب من الحياة، بل كان يعرف ترتيبها؛ يجعل الله أولًا، فتأتي الدنيا في مكانها الصحيح، لا على عرش القلب.

قال الفيلسوف الروماني سينيكا: «من يملك نفسه فهو أغنى الناس». ولو تأملها المرء لوجدها تقترب من المعنى الذي ربّى عليه الإسلام النفوس؛ فالحرية الحقيقية ليست أن تملك كل شيء، بل ألا يملكك شيء سوى عبوديتك لله الواحد الأحد.

ومن طرائف عصرنا أن الهاتف إذا نفدت بطاريته، بحث صاحبه عن الشاحن وكأنه يبحث عن الماء في صحراء، أما إذا فرغ قلبه من السكينة، ظن أن الحل هاتف أحدث، أو رحلة أبعد، أو مقهى أكثر أناقة. يا للمفارقة! نحن نستبدل الأجهزة أسرع مما نستبدل عاداتنا، ونبحث عن النسخة الجديدة من كل شيء، إلا أنفسنا.

ليست المشكلة في التقنية؛ فهي نعمة إذا أحسن الإنسان استخدامها. المشكلة أن بعضنا سلّمها وظيفةً ليست لها. جعلها طبيبًا للروح، وهي لم تُخلق لذلك. وجعلها مصدرًا للقيمة، بينما قيمة الإنسان عند الله بما يحمله قلبه من إيمان وتقوى، لا بما يحمله جيبه من أجهزة.

إن أجمل لحظة يعيشها الإنسان ليست عندما يقتني شيئًا جديدًا، بل عندما يسجد لله وقلبه مطمئن، ويقول: الحمد لله. تلك الكلمة الصغيرة تردّ الروح إلى مكانها، وتذكّر الإنسان أن المنعم هو الله، وأن كل نعمة لا تقوده إلى شكر الله تبقى ناقصة البركة.

لسنا بحاجة إلى تقليل سرعة الإنترنت بقدر حاجتنا إلى إبطاء سرعة أعمارنا، لنلتفت إلى والدٍ ينتظر حديثًا، أو أمٍّ تفرح بابتسامة، أو طفلٍ يريد عينين تنظران إليه بدل شاشة تنظر إليه. فالحياة لا تُقاس بعدد الإشعارات، وإنما بعدد اللحظات التي شعر فيها القلب بالقرب من الله، ثم بالقرب من الناس.

سيأتي يوم يُغلق فيه آخر هاتف، ويصمت آخر إشعار، وتبقى الأعمال وحدها تتحدث. هناك لن يسألنا الله عن عدد المتابعين، بل عن صدق الإيمان، وإخلاص العمل، ورحمة القلب. وهناك سيدرك كثيرون أن السكينة كانت أقرب إليهم من هواتفهم، لكنها كانت تحتاج إلى باب واحد فقط... باب الله.

فطوبى لمن عرف أن الرحمن إذا أنزل السكينة في قلب عبدٍ، صار الفقر غنى، والضيق سعة، والوحدة أُنسًا، لأن الله سبحانه هو السلام، ومنه السلام، وإليه يعود كل قلبٍ عرفه، وأحسن الظن به، واستغنى به عمن سواه.