ما كل توجيه إداري يولد من دواوين الإدارة؛ فإن من التوجيه ما يولد من فقه المسؤولية، ويصدر عن بصر بمواقع الكلمة في الأمة، ثم يجيء في صورة القرار وهو في حقيقته حراسة لمعنى، وصيانة لمقام، واستبقاء لهيبة العلم أن تبتذلها الخصومات، ولرسالة الدعوة أن تستنزفها المعارك. ومن هذا الباب يأتي توجيه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد الدعاة الرسميين وغير الرسميين المرخص لهم ألا يتدخلوا فيما يثار في الدول الأخرى من قضايا أو خلافات أو نقاشات عقدية وفكرية؛ توجيها تبدو ألفاظه محدودة، ولكن وراءها من فقه الدعوة، ومراعاة المآلات، وحفظ مكانة العلماء، ما يجعلها أوسع من أن تقرأ في حدود إجراء تنظيمي عابر. فحين يكف الداعية عن خصومات لا تعنيه لا يحجبه عن نصرة الحق، وإنما يحفظه للحق من أن تستنزفه معارك لا تنتهي. وفرق بعيد بين من يمنع الكلمة لأنها حق، ومن يمنعها أن توضع في غير موضعها فتجر من الشر أكثر مما تحمل من الخير.
وهذا من الفقه الذي نطق بأصله القرآن في قوله تعالى: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم»؛ فليس كل ما كان جائزا في أصله محمودا في مآله، ولا كل ما ظنه المرء نصرة للحق يكون نصرة إذا أورث مفسدة أعظم. ومن ها هنا كان النظر في العواقب من تمام النظر في الأحكام، وكانت الحكمة قرينة الدعوة: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». ولعل من أجمل ما في هذا التوجيه أنه يعيد الداعية إلى حقيقة وظيفته: أن يكون داعيا إلى الله، لا طرفا في كل خصومة؛ ومصلحا للقلوب، لا جامعا لأخبار المنازعات؛ وحاملا لسكينة الشريعة، لا ناقلا لضجيج المجالس والمنصات. فإن الله تعالى قال: «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»؛ والبصيرة ليست كثرة ما يقال، بل حسن التمييز بين ما ينبغي أن يقال وما ينبغي أن يترك. وهنا تظهر حصافة الوزير في إدراكه أن العالم والداعية ليسا شخصين عاديين في سوق الكلام؛ فإن للكلمة منهما وزنا يستمد من مكان العلم، وقد يحمل الناس رأي الرجل على مقامه، ويجعلون غضبه غيرة، وحدته قوة، ودخوله في الخصومة نصرة؛ فإذا تتابعت المنازعات على العلماء أكلت من هيبتهم شيئا فشيئا، حتى تصبح الأسماء الكبيرة مادة للتجاذب، ويصير العلم الذي ينبغي أن يكون حكما بين الخصوم خصما بينهم.
فكان من حسن السياسة الشرعية أن يصان العالم قبل أن تستنزفه الخصومة، وأن يحفظ الداعية قبل أن تستهلكه المهاترة، وأن يحمى المنبر قبل أن يتحول من مقام هداية إلى ساحة منازعة. وهذا معنى جليل يحمد لمعالي الوزير؛ إذ لم ينظر إلى الكلمة من ساعة خروجها، بل إلى آخر طريقها؛ ولم يقف عند قصد قائلها، بل نظر إلى أثرها في سامعها؛ ولم يزن الموقف بحرارة اللحظة، بل بميزان المصلحة التي تبقى بعد أن تبرد اللحظة. وهذه هي البصيرة التي تجعل المسؤولية أمانة لا منصبا، والسياسة الشرعية فقها لا إجراء، والحزم رحمة حين يكون في موضعه.
وقد جمع النبي، صلى الله عليه وسلم، ميزان اللسان في قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وليس الصمت الذي يأمر به الشرع عجزا عن الكلام؛ فرب صمت في موطنه كان سلطان العقل على اللسان، ورب رجل ملك أن يقول ثم ملك نفسه ألا يقول، فكانت قدرته على الإمساك أعظم من قدرته على الجواب. وفي زمن أصبحت فيه الكلمة لا تعرف حدود مجلسها، وصار الهاتف منبرا، والمنصة مجلسا، والجملة الواحدة تطوف الآفاق قبل أن يستدرك صاحبها أولها بآخرها؛ يصبح مثل هذا التوجيه أشد حكمة وأبعد نظرا. فرب كلمة قيلت في شأن بعيد، فإذا أصداؤها تعود إلى الداخل خصومة، ورب جدال ظنه صاحبه دفاعا فإذا هو يفتح أبوابا من التنازع كان إغلاقها أولى وأحكم. ومن الإنصاف أن يقال: إن توجيها كهذا يكشف عن فهم راسخ لطبيعة الرسالة التي تضطلع بها وزارة الشؤون الإسلامية؛ فالدعوة ليست صناعة ضجيج، وإنما صناعة هداية، والوزارة لا تحفظ المنابر بكثرة ما يقال عليها فحسب، بل بحسن ما يقال، وحسن ما يترك. ومن هنا يستحق الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ الثناء على هذا النهج الذي يجمع الحزم إلى الحكمة، والغيرة على الدعوة إلى صيانة أهلها، وحماية الوسطية إلى حفظ مقام العلماء؛ فإن المسؤول الموفق ليس من يعالج الفتنة بعد اشتعالها فحسب، بل من يبصر شرارتها وهي بعد كلمة، فيحول بينها وبين أن تصبح نارا.
وذلك هو الفرق بين إدارة الحوادث وفقه المآلات. وما أحوج المنابر إلى هذا الفقه؛ أن تعرف أن رفعتها ليست بارتفاع أصوات أهلها، بل بارتفاع مقاصدهم، وأن قوة الداعية ليست في أن يخوض كل معركة، بل في أن يملك من نفسه عند الفتن ما يملك من بيانه عند الموعظة. وقد قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا»؛ فقرن سداد القول بالتقوى، إذ لا يستقيم اللسان حق الاستقامة حتى يستقيم وراءه القلب.
من تمام البصيرة ألا ينظر المسؤول إلى الكلمة حين تقال فحسب، بل إلى الطريق الذي تسلكه بعد أن تقال؛ فكم من كلمة خرجت صغيرة من فم صاحبها، ثم عادت كبيرة في آثارها، وكم من خصومة بدأت رأيا وانتهت فرقة، وكم من صمت في موطنه كان أحكم من كلام، وأبلغ في الإصلاح من جواب. وهنا تظهر قيمة هذا التوجيه، ويظهر معها فقه المسؤولية الذي صدر عنه؛ فإن صيانة الدعوة ليست في كثرة ما تخوض فيه، بل في جلالة ما تترفع عنه، وهيبة العالم ليست في أن يكون له قول في كل نازلة، بل في أن يكون لقوله وزن إذا تكلم، وحرمة المنبر ليست في ارتفاعه عن الأرض، بل في ارتفاعه عن غوغاء الخصومات.
فإذا صينت الكلمة سلم المنبر، وإذا سلم المنبر بقي للعلم وقاره، وإذا بقي للعلم وقاره بقي للدعوة سلطانها على القلوب. وتلك هي السياسة حين تبصر قبل أن تحزم، والحكمة حين تحزم قبل أن تندم.
وهذا من الفقه الذي نطق بأصله القرآن في قوله تعالى: «ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم»؛ فليس كل ما كان جائزا في أصله محمودا في مآله، ولا كل ما ظنه المرء نصرة للحق يكون نصرة إذا أورث مفسدة أعظم. ومن ها هنا كان النظر في العواقب من تمام النظر في الأحكام، وكانت الحكمة قرينة الدعوة: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن». ولعل من أجمل ما في هذا التوجيه أنه يعيد الداعية إلى حقيقة وظيفته: أن يكون داعيا إلى الله، لا طرفا في كل خصومة؛ ومصلحا للقلوب، لا جامعا لأخبار المنازعات؛ وحاملا لسكينة الشريعة، لا ناقلا لضجيج المجالس والمنصات. فإن الله تعالى قال: «قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني»؛ والبصيرة ليست كثرة ما يقال، بل حسن التمييز بين ما ينبغي أن يقال وما ينبغي أن يترك. وهنا تظهر حصافة الوزير في إدراكه أن العالم والداعية ليسا شخصين عاديين في سوق الكلام؛ فإن للكلمة منهما وزنا يستمد من مكان العلم، وقد يحمل الناس رأي الرجل على مقامه، ويجعلون غضبه غيرة، وحدته قوة، ودخوله في الخصومة نصرة؛ فإذا تتابعت المنازعات على العلماء أكلت من هيبتهم شيئا فشيئا، حتى تصبح الأسماء الكبيرة مادة للتجاذب، ويصير العلم الذي ينبغي أن يكون حكما بين الخصوم خصما بينهم.
فكان من حسن السياسة الشرعية أن يصان العالم قبل أن تستنزفه الخصومة، وأن يحفظ الداعية قبل أن تستهلكه المهاترة، وأن يحمى المنبر قبل أن يتحول من مقام هداية إلى ساحة منازعة. وهذا معنى جليل يحمد لمعالي الوزير؛ إذ لم ينظر إلى الكلمة من ساعة خروجها، بل إلى آخر طريقها؛ ولم يقف عند قصد قائلها، بل نظر إلى أثرها في سامعها؛ ولم يزن الموقف بحرارة اللحظة، بل بميزان المصلحة التي تبقى بعد أن تبرد اللحظة. وهذه هي البصيرة التي تجعل المسؤولية أمانة لا منصبا، والسياسة الشرعية فقها لا إجراء، والحزم رحمة حين يكون في موضعه.
وقد جمع النبي، صلى الله عليه وسلم، ميزان اللسان في قوله: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وليس الصمت الذي يأمر به الشرع عجزا عن الكلام؛ فرب صمت في موطنه كان سلطان العقل على اللسان، ورب رجل ملك أن يقول ثم ملك نفسه ألا يقول، فكانت قدرته على الإمساك أعظم من قدرته على الجواب. وفي زمن أصبحت فيه الكلمة لا تعرف حدود مجلسها، وصار الهاتف منبرا، والمنصة مجلسا، والجملة الواحدة تطوف الآفاق قبل أن يستدرك صاحبها أولها بآخرها؛ يصبح مثل هذا التوجيه أشد حكمة وأبعد نظرا. فرب كلمة قيلت في شأن بعيد، فإذا أصداؤها تعود إلى الداخل خصومة، ورب جدال ظنه صاحبه دفاعا فإذا هو يفتح أبوابا من التنازع كان إغلاقها أولى وأحكم. ومن الإنصاف أن يقال: إن توجيها كهذا يكشف عن فهم راسخ لطبيعة الرسالة التي تضطلع بها وزارة الشؤون الإسلامية؛ فالدعوة ليست صناعة ضجيج، وإنما صناعة هداية، والوزارة لا تحفظ المنابر بكثرة ما يقال عليها فحسب، بل بحسن ما يقال، وحسن ما يترك. ومن هنا يستحق الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ الثناء على هذا النهج الذي يجمع الحزم إلى الحكمة، والغيرة على الدعوة إلى صيانة أهلها، وحماية الوسطية إلى حفظ مقام العلماء؛ فإن المسؤول الموفق ليس من يعالج الفتنة بعد اشتعالها فحسب، بل من يبصر شرارتها وهي بعد كلمة، فيحول بينها وبين أن تصبح نارا.
وذلك هو الفرق بين إدارة الحوادث وفقه المآلات. وما أحوج المنابر إلى هذا الفقه؛ أن تعرف أن رفعتها ليست بارتفاع أصوات أهلها، بل بارتفاع مقاصدهم، وأن قوة الداعية ليست في أن يخوض كل معركة، بل في أن يملك من نفسه عند الفتن ما يملك من بيانه عند الموعظة. وقد قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا»؛ فقرن سداد القول بالتقوى، إذ لا يستقيم اللسان حق الاستقامة حتى يستقيم وراءه القلب.
من تمام البصيرة ألا ينظر المسؤول إلى الكلمة حين تقال فحسب، بل إلى الطريق الذي تسلكه بعد أن تقال؛ فكم من كلمة خرجت صغيرة من فم صاحبها، ثم عادت كبيرة في آثارها، وكم من خصومة بدأت رأيا وانتهت فرقة، وكم من صمت في موطنه كان أحكم من كلام، وأبلغ في الإصلاح من جواب. وهنا تظهر قيمة هذا التوجيه، ويظهر معها فقه المسؤولية الذي صدر عنه؛ فإن صيانة الدعوة ليست في كثرة ما تخوض فيه، بل في جلالة ما تترفع عنه، وهيبة العالم ليست في أن يكون له قول في كل نازلة، بل في أن يكون لقوله وزن إذا تكلم، وحرمة المنبر ليست في ارتفاعه عن الأرض، بل في ارتفاعه عن غوغاء الخصومات.
فإذا صينت الكلمة سلم المنبر، وإذا سلم المنبر بقي للعلم وقاره، وإذا بقي للعلم وقاره بقي للدعوة سلطانها على القلوب. وتلك هي السياسة حين تبصر قبل أن تحزم، والحكمة حين تحزم قبل أن تندم.