علي محمد التركي

علي محمد التركي

حين تهطل أمطار الخريف على جبال جازان وسهولها، يعلو صوت الأرض بالفرح، وتتهيأ التربة العطشى لاستقبال الماء. هناك تبدأ حكاية عرفها الناس أبًا عن جد؛ حكاية السيول التي تحمل في الذاكرة بشارة الخصب والحياة.

ومع أول خيوط الماء المنحدرة من أعالي الجبال، يتغير وجه المكان؛ يلمع البرق، ويعلو الرعد، وتمتلئ الأودية بالحياة. وللسيل موسيقاه الخاصة؛ صوته فوق الحصى، ورائحة المطر حين تمتزج بالتراب، وفرحة الناس بموسم ارتبط في وجدانهم بالأرض والزراعة والخير.

لكن المزارع الجازاني لم يكن يكتفي بمشاهدة السيل وهو يعبر الوادي، فقد عرف منذ أجيال كيف يجعل للماء طريقًا إلى أرضه، مستعينًا بالعقوم الترابية لتوجيه جزء من مياه السيول نحو المزارع، فتشرب الأرض، ويبقى فيها من خير المطر ما يمتد أثره بعد انحسار الماء.

فحين يتباطأ جريان السيل فوق الأراضي المناسبة، تمنح التربة الماء فرصة للتسرّب عبر مسامها وطبقاتها، فيمتد أثره من سطح الأرض إلى مخزونها الجوفي، ويسهم في تغذية الآبار واستدامة الحياة الزراعية.

ونحن اليوم على أبواب موسم الخريف، تجري أعمال إزالة ومعالجة بعض هذه العقوم بهدف حماية مجاري الأودية والحد من مخاطر السيول على الأرواح والممتلكات، وهي غاية لا يختلف أحد على أهميتها؛ فسلامة الإنسان تسبق كل اعتبار.

لكن السؤال الذي يستحق التأمل: ماذا عن العقوم التي تؤدي وظيفة زراعية وتوصل مياه السيول إلى الأراضي؟

لقد ارتبطت العقوم الزراعية منذ زمن بعلاقة المزارع بالوادي، بينما شهدت المنطقة لاحقًا توسعًا عمرانيًا وشقًا للطرق وإقامة للمنشآت، واقترب بعضها من مسارات المياه ومناطق انتشار السيول. وحين يتقاطع مسار قديم للماء مع واقع عمراني مستحدث، ينبغي ألا يكون السؤال فقط: كيف نبعد الماء؟ بل: كيف نحمي الإنسان والمنشآت، ونحافظ في الوقت نفسه على صلة الماء بالأرض؟

فالخطر لا يصنعه الماء وحده، وإنما قد تصنعه أيضًا الطريقة التي نتعامل بها مع مساره. والوادي يعرف طريقه منذ آلاف السنين؛ لذلك يبدأ التخطيط الرشيد بفهم حركة الماء وحسن إدارتها.

ومن هنا، فالقضية ليست في الإبقاء على العقوم كما هي، ولا في إزالتها جميعًا، بل في تنظيمها وتصحيح أوضاعها وتطوير وظيفتها؛ بالتمييز بين ما يشكل منها خطرًا وما يؤدي وظيفة زراعية، والاستعانة بالحلول الهندسية لإنشاء تحويلات وقنوات آمنة تضمن وصول جزء من مياه السيول إلى الأراضي دون الإضرار بسلامة الأودية والأرواح والممتلكات.

وهنا يمكن أن تلتقي خبرة المزارع المتوارثة بالمعرفة الهندسية الحديثة؛ فالمزارع يعرف أرضه وواديه ومسارات السيل، والمهندس يملك أدوات القياس والتصميم. ومن هذا التكامل يمكن أن تتحول العقوم من إشكالية موسمية إلى فرصة أفضل لإدارة مياه السيول والاستفادة منها.

فجازان أرض زراعية، ومياه الخريف مورد ثمين، ومن المؤلم أن يفرح المزارع بالمطر، ثم يشاهد الماء يعبر بالقرب من أرضه ويمضي إلى البحر دون أن يُستفاد منه. وعندما تستدعي السلامة إزالة عقم أو إعادة تنظيمه، يبقى السؤال الأهم: ما البديل الآمن الذي يحفظ للماء طريقه إلى الأرض؟

إننا بحاجة إلى النظر إلى السيول لا بوصفها خطرًا يجب تصريفه فحسب، ولا مشهدًا جميلًا نحتفل به ثم ينتهي، بل موردًا طبيعيًا ينبغي أن نحسن إدارته والاستفادة منه.

فالسيل في ذاكرة جازان لم يكن يومًا ماءً عابرًا؛ بل كان موعدًا بين الجبل والسهل، وبين الماء والبذرة، وبين الفلاح وأرضه.

فالغاية ليست أن نمنع السيل من المضي، بل أن نحسن قيادته؛ ليبقى الإنسان آمنًا، ويبقى للماء طريق، وللأرض نصيب.