سلمان الحارثي

يقابل ضعف آليات التنفيذ المؤسسي والتطبيقي، معاناة المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، بانتفاخ واضح في التنظير الفلسفي. ففي حين تركزت ماهية الأخلاق وتحديد مسؤوليات رأس المال تجاه المجتمع في القصص الخيالية، بقيت الإدارات التنفيذية ضعيفة وتفتقر إلى النماذج القادرة على تحويل هذه المثاليات إلى ممارسات يومية.

وفي هذا السياق المعرفي، تبرز المقاربة المنهجية في إحياء أخلاقيات الأعمال كمحاولة لتجسير هذه الفجوة العميقة. فهي ليست موعظة أخلاقية أو استدعاء لنظريات الفلسفة المثالية، بل استعارة لأدوات الجودة الحديثة لتحويل الأخلاقيات من تطلعات مجردة إلى إجراءات تشغيلية محكمة وقابلة للقياس المنهجي، حيث تكمن أهميتها في الجذور المنهجية التي تتعامل مع الإخفاق الأخلاقي، كعرض لخلل في بنية النظام يمكن معالجته هندسياً، وليس كنقص متأصل في الفضيلة الإنسانية الفردية.

ينطلق هذا الإطار التحليلي من تفكيك النشاط الأخلاقي داخل المؤسسة، إلى أبعاد هيكلية تتقاطع لتشكل نسيج السلوك المؤسسي. ولعل التمييز الأعمق هنا هو الفاصل الدقيق بين الجانبين العلاجي والخيري. إذا يضع هذا التمييز حداً فاصلاً بين الالتزام الحتمي بدرء الأضرار التي تتسبب فيها العمليات التشغيلية، وبين الإسهامات التقديرية أو التطوعية التي تقدمها المؤسسة للمجتمع. ورغم تقاطع هذا التقسيم نظرياً مع المستويات العليا في هرم المسؤولية الاجتماعية، إلا أن تجاوزه بخطوة جريئة اصبح ضرورة ملحة؛ فتقديم تراتبية صارمة وإلزامية صريحة تبقى في إطار مجرد من الافتراضات الضمنية التي تخضع لتأويل الإدارات.

تستند هذه المقاربة في جوهرها إلى فلسفة إدارية بسيطة، تفترض أن التباينات والانحرافات في المخرجات بما فيها التجاوزات الأخلاقية والانتهاكات السلوكية هي إفراز حتمي لخلل في بنية النظام الكلي، وليست بالضرورة نتاجاً لغياب الفضيلة أو القصور المتعمد لدى الأفراد. وبناء على هذا التصور، فإن تحميل الموظف منفرداً مسؤولية الإخفاق الأخلاقي وفق ذريعة التفاحة الفاسدة، دون مساءلة هياكل الحوافز، والضغوط المالية المتصاعدة، ومصفوفات سلاسل التوريد، يعد تسطيحاً مخلاً لجوهر الأزمة.

يكمن الحل المنهجي، في إعادة هندسة بيئة العمل لتصبح الأخلاقيات متغيراً قابلاً للتصميم المسبق.

هذا الطرح لا يلغي المساءلة الفردية أو الإرادة الحرة، ولكنه يقر بواقعية أن الأنظمة هي التي تصيغ المعادلات الأساسية للسلوك، وأن التدخل في هذه المعادلات الهيكلية هو المحك الذي تثبت فيه القيادة التنظيمية فاعليتها الحقيقية، لتعميق هذا المفهوم. فإسقاط قياس رضا العملاء على السلوك المؤسسي تجاه أصحاب المصلحة، مميزاً بين المتطلبات الأساسية وعوامل الإبهار. إذ تمثل المتطلبات الأساسية الشروط التي يسبب غيابها سخطاً مدمراً، كدرء المظالم وتوفير بيئة عمل آمنة. بينما تمثل عوامل الإبهار مثل «المبادرات الخيرية» التي تولد قدراً استثنائياً من حسن النية. بينما تتجلى عبقرية الأطروحة في تأكيدها على استحالة التعويض المتبادل بين الفئتين؛ فالاستثمار المالي الضخم في العمل الخيري لا يمكنه أبداً أن يمحو الخطيئة التشغيلية أو يعوض الأضرار الإدارية، مهما تعاظم حجمها. ويعود ذلك إلى أن العقل الجمعي لأصحاب المصلحة يقيّم هذين المسارين في سجلات إدراكية ومعرفية منفصلة تماماً، وهذا التحليل يفسر بوضوح الإخفاق الإستراتيجي لبرامج المسؤولية الاجتماعية «التفاخرية» في حماية المؤسسات من الانهيار السمعي الناجم عن ممارسات تشغيلية فاسدة، كاشفاً عن خلل منهجي تميل فيه للتركيز على عوامل الإبهار لسهولة توثيقها إعلامياً، بينما تتجاهل الأساسيات حتى تطفو على السطح في هيئة كوارث تنظيمية.

في ضوء هذا التشخيص الدقيق، تفند الإستراتيجية الادعاء المؤسسي الشائع القائل بأن مأساوية الأخلاقيات تتطلب استحداث كيانات إدارية موازية وبيروقراطية وهذا مكلف. فالبنية التحتية المطلوبة لإنفاذ الالتزام الأخلاقي متجذرة بالفعل في أدوات الجودة المعمول بها في معظم المؤسسات المتقدمة. ويمكن ببساطة توسيع نطاق برامج التدقيق لتشمل معايير «حقوق الموظفين والاشتراطات البيئية الصارمة، وتطويع نظام الإجراءات التصحيحية ليكون قناة للإفصاح الآمن، وحماية المبلغين عن المخالفات، واستخدام تحليل أنماط الفشل لقياس الأثر السلبي المحتمل في المجتمع».

هذا الدمج يمنح الحوكمة الأخلاقية الصرامة المؤسسية، ووتيرة التدقيق المنتظمة، والاهتمام الإداري المجدول الذي تفتقر إليه البرامج الأخلاقية المعزولة؛ وهو توجه أثبتت المواصفات القياسية الدولية صحته حين استعارت هيكلة أنظمة الجودة بالكامل وطبقتها على قضايا البيئة وحقوق الإنسان.

وعلى الرغم من الصلابة النظرية والوجاهة العملية لهذه المقاربة، يقتضي التحليل النقدي الإقرار بوجود قيود بنيوية تحد من الانسيابية التامة لنقل مفاهيم الجودة المادية إلى حقل الأخلاق الإنسانية. فخلافاً لمواصفات الجودة المستمدة من مرجعيات هندسية محايدة، تتسم القيم الأخلاقية بسيولة نسبية يصعب معها توليد معيار مطلق بأدوات القياس وحدها. علاوة على ذلك فإن مصالح أصحاب الشأن في الفضاء الأخلاقي من مساهمين وموظفين ومجتمع، قد تتضارب هيكلياً بطريقة يستحيل التوفيق بينها بصيغة رياضية بحتة، وهو تحدٍ ليس له نظير في هندسة المنتجات والخدمات.

ويبقى الخطر الأشد فتكاً في هذا المسار هو «فخ الامتثال الشكلي»؛ إذ تميل الأنظمة المصممة لتسهيل مهام التدقيق إلى تفضيل ومعالجة القضايا القابلة للقياس الورقي، ما يخلق بيئة خادعة تسمح لشهادات المطابقة بأن تحل محل الواقع الفعلي، فتنشغل المؤسسات باستيفاء المتطلبات الشكلية لإرضاء المدققين الخارجيين على حساب الجوهر الأخلاقي الحقيقي.

وتتجلى القيمة المركزية لهذا الطرح والمنهج في كونه انتقالاً جريئاً وعملياً من فضاء التنظير القيمي إلى أرض البناء المؤسسي. فهو يؤكد أن الأجهزة الإدارية اللازمة لفرض الهيمنة الأخلاقية، تقف جاهزة للعمل في قلب المؤسسات المعاصرة، بيد أن نطاق عملها قد تم تحجيمه ليُقصي البعد الأخلاقي عمداً أو جهلاً. ولتجسيد المسؤولية الاجتماعية تجسيداً حقيقياً، يتعين على قيادات الفكر والإدارة التوقف عن استنزاف الجهود في صياغة مواثيق شرف مجردة بلا مخالب، وتوجيه العقول نحو تحديث وتوسيع نطاق أنظمة الجودة الحالية، لتصبح الأخلاق جزءاً لا يتجزأ من الماكينة التشغيلية، ونبضاً في عروق المنظمة كل يوم.