فاطمة المزيني

تتحول المعاناة التاريخية عند بعض الجماعات إلى عنصر أساسي في بناء هويتها الجمعية، وقد يكون ذلك إيجابيًا حين يُتعامل معها كدرس تتعلم منه الجماعة، أو مكوّنًا ثقافيًا يعزز تماسكها ووحدتها، بل حتى حين تُوظف هذه الذاكرة للحصول على مكاسب سياسية محسوبة تخدم مصالحها.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول معاناة الأسلاف إلى «مظلومية» يعجز معها الوعي عن وضع الألم في مكانه الطبيعي داخل التاريخ، وكأن هذا المكوّن البشري يُحنَّط في لحظة قديمة لا يغادرها، ولا يستطيع تفسير حاضره إلا من خلالها.

عندها تصبح المظلومية ذاكرة جمعية، تدخل القصص والخطب والطقوس، وتنتقل إلى أجيال لم تشهد الواقعة الأصلية. يولد الإنسان بعد قرون من الحدث، لكنه يتلقاه كأنه جزء من تجربته الذاتية؛ فيرث التاريخ ومعه انفعالاته: الخوف والغضب والشعور بوجود حق ضائع لم يُسترد، وديون تاريخية لم تُسدَّد.

والواقع أن التاريخ البشري، في جانب كبير منه، هو صراع على الأرض والسلطة والنفوذ والثروات. فلا تكاد أمة تخلو ذاكرتها من حرب أو احتلال أو اضطهاد أو خسارة. حتى إن عددًا من المدارس الفكرية اعتبرت الصراع محركًا أساسيًا للتاريخ.

لكن هذا التاريخ نفسه هو أيضًا تاريخ تبادل وتحالف وتعاون. وبعبارة أخرى، جانبًا كبيرًا مما نعرفه اليوم من قوانين ومؤسسات ودول وتبادل تجاري وتنوع ثقافي هو حصيلة قدرة البشر على إدارة الصراع وتقييده وتحويله إلى علاقات ومصالح وقواعد مشتركة.

تعمل «المظلومية» في الإدراك نفسه، وكأن العقل يعاد تشكيله ليبحث عما يوافق روايته الموروثة، فيضخم الوقائع التي تتوافق مع صورته عن نفسه، ويجد صعوبة في استيعاب ما يناقضها. يصبح التاريخ شاهد إثبات دائمًا، أما الواقع فمجرد قرائن جديدة تُضاف إلى القضية القديمة.

ويظهر أثر نموذج «المظلومية» في تعريف المجتمع لذاته ولمستوى قدرته على الفعل. فلا يكون السؤال: ماذا يمكننا أن نفعل اليوم؟ بل كيف نعالج ما حدث في الماضي؟ ومع تكرار السؤال يترسخ الجمود وتضعف الفاعلية، ويتحول الآخر إلى تفسير جاهز للإخفاق.

هنا تكمن أخطر نتائج المظلومية؛ فهي تعفي الذات من مشقة المراجعة. فإذا كان الخارج مسؤولًا دائمًا عن التعثر، فلا ضرورة لفحص القرارات والمؤسسات والقيادات والثقافة الداخلية. بل قد يصبح النقد الداخلي نفسه موضع ريبة، وتتحول مراجعة المسلمات إلى تهديد لوحدة الجماعة. وهكذا تنتهي المظلومية إلى حماية أسباب التراجع من المساءلة.

لكن للمظلومية أحيانًا مكاسب خفية قد تفسر صعوبة التخلي عنها. فالضحية تتمتع بموقع أخلاقي مرتفع، وتحظى بالتعاطف، وتمتلك مبررًا مفهومًا للغضب. ومع مرور الزمن قد ينشأ شعور بأن الألم القديم يمنح صاحبه استحقاقًا خاصًا في الحاضر، فتتحول المظلومية التاريخية إلى رأسمال نفسي ورمزي، وقد تُستخدم لتبرير أفعال عدائية تجاه «الآخر» باعتباره مصنفًا سلفًا في خانة الخصم.

ثم تدخل النخب على هذا المشهد. فبدلًا من أن تستمد شرعيتها من الإنجاز في الاقتصاد والأمن وبناء المؤسسات وتحسين حياة الناس، يمكنها أن تستمدها من تقديم نفسها كحارس يتماهى مع المخاوف التي رسختها المظلومية في وعي الشعب. ويصبح استمرار الإحساس بالخطر أكثر منفعة من زواله، واستحضار الجراح أكثر قدرة على التعبئة من أي برنامج انتخابي حقيقي.

هنا لا تعود المظلومية مجرد مشكلة نفسية، بل تتحول إلى كارثة اجتماعية وتنموية. فالمجتمع الذي ينشغل طويلًا باستعادة جراح الماضي يفقد القدرة على إدارة مصالح الحاضر.

الذاكرة ضرورة أخلاقية، والتقدم لا يحدث بنسيان الماضي، بل باعتباره جزءاً من تطور التفكير والفعل المجتمعي.

على سبيل المثال نرى الشعوب الأوروبية التي تصارعت في حربين عالميتين، تجاوزت آلامها وبنت علاقات سياسية وشراكات اقتصادية تعود على شعوبها بالخير والسلام.

الدول الناضجة هي القادرة على النهوض من تحت ركام التاريخ والتصالح مع الماضي، والعمل في الحاضرلضمان المستقبل.