على امتداد الأشهر الماضية كانت الأحداث في سورية هي العنوان الأبرز في كل وسائل الإعلام من قنوات إخبارية ووكالات أنباء
على امتداد الأشهر الماضية كانت الأحداث في سورية هي العنوان الأبرز في كل وسائل الإعلام من قنوات إخبارية ووكالات أنباء، بل أصبح حجم تميز كل قناة مرتبطا بما تقدمه من أخبار وتغطيات للمستجدات والأحداث في سورية، وقدرة كل قناة على استقطاب الشخصيات المؤثرة في الواقع السياسي السوري، والذين يرتبطون مباشرة بما يقوم به الثوار على الأرض، ويرتبطون كذلك مع مختلف الدوائر السياسية العالمية المؤثرة في مسار الأحدث في سورية.
في التعامل الإخباري مع الواقع السوري يصبح للحياد معنى آخر، يتخلص فيه من مثاليته وعموميته، ويصبح الصواب في الحياد الموجه، الحياد الساعي إلى الوقوف بجوار الدم السوري وبجوار الأطفال والنساء والمدنيين الذين تطالهم آلة القصف العسكري منذ أكثر من ثمانية عشر شهرا. إن الانحياز للدم والانحياز للمظلوم وحمل صوت المدنيين العزل هو الحياد الأنسب في التعامل إعلاميا مع القضية السورية.
لم تعد العربية ولا الجزيرة اللاعبتين الأبرز في العمل الإخباري أمام الأحداث في سورية، ثمة لاعب جديد بات لا يقل قوة وأهمية وتركيزا عنهما، إنها القناة الإخبارية السعودية. الراعي الإخباري الفضائي للتلفزيون السعودي. إن زمن الإعلام الذي لا يريد أن يثير المشاكل، والمنابر المتحفظة التي تفحص الخبر لعدة مرات قبل بثه، وزمن البرامج واللقاءات المسجلة التي تخضع للتمحيص قبل بثها لم يعد له مكان وسط هذا التسارع الإخباري المهيب، إلى الدرجة التي أصبحت معها قيمة الخبر قيمة ثانوية في العمل الإعلامي، لتتجه القيمة الحقيقية إلى التغطية والتحليل والقراءة. ومن الواضح أن الإعلام السعودي أدرك ذاك بالفعل.
منذ انطلقت القناة الإخبارية السعودية كانت تدرك في بدايتها أنها لا تسعى لمنافسة القطبين الفضائيين الإخباريين العربية والجزيرة، بل هي إخبارية خاصة بالداخل أولا. هذا منطق إيجابي ومناسب وواقعي، لكنه لم يعد هو المحور ولم يعد هو السؤال، ولربما كان ذلك صحيحا حين كان الخبر محورا والحصول عليه مهارة. وقد استطاعت الإخبارية في فترة الأحداث الإرهابية التي شهدتها المملكة والمنطقة أن تكون سباقة في نقل الخبر، ذلك لأنها تنطلق وتبث من أرض الحدث. ومع التسارع الكبير الذي حدث في السنوات القليلة الماضية لم يعد الخبر المجرد مكسبا بل أصبح المكسب الحقيقي والمؤثر هو الموقف الإخباري والرؤية الإخبارية. حين أصبح ذلك هو المؤثر تجاوزت القنوات الإخبارية معاييرها الفنية فلم تعد جودة الصورة ولا جودة الصوت هي معيار البث، بل تحول المعيار إلى اللحظة التي تعكس قيمة الخبر وتعكس الرؤية الإخبارية، بغض النظر عن مدى الجودة، فأصبحت كاميرات الهواتف المحمولة وكاميرات الهواة أكثر أهمية من كاميرات الـديجتال والإتش دي.
في الثورة السورية وبمجرد أن يحدث تطور جديد، وتصطبغ أسافل الشاشات الإخبارية باللون الأحمر وبكلمة (عاجل) لا يتساءل الناس عمن نقل الخبر أولا، بل عن الكيفية التي تم بها نقل الخبر، وعن الموقف والرؤية التي صاحبت تغطية ذلك الحدث، هنا كان للإخبارية السعودية تميز واضح ومشهود أيضا. تضم الإخبارية حزمة من برامج التغطيات الإخبارية المتميزة التي تحولت بالفعل وفي كثير من حلقاتها إلى مواد إخبارية متميزة لا تكاد تختلف في قوتها وفي تنوع مصادرها عما تقدمه بقية القنوات، وبربط واسع ومتعدد من مختلف عواصم العالم.
كل التطورات التي شهدتها الثورة السورية وجدت حيزا واسعا ومتميزا من المتابعة والتغطية على شاشة القناة الإخبارية. وبمنطق ورؤية تنحاز للإنسان وللمظلوم وتفتح الفضاء واسعا أمام الأصوات الوطنية السورية في كل مكان. ضيوف من موسكو وضيوف من واشنطن ومن مصر ومن تركيا، وورش عمل تلفزيونية يومية استطاعت أن تنقل القضية السورية بمحوريها: الثوري على الأرض والسياسي من مختلف عواصم العالم. وبرؤى سياسية قد لا تتفق في الغالب مع الموقف السعودي الشعبي والرسمي مما يحدث في سورية، لكنها في ذات الوقت تشير إلى واقع جديد في صناعة العمل الإخباري السعودي. يلفت نظرك في قناة الإخبارية السعودية أنها باتت تصنع نجومها من الداخل، وتحولت إلى مصنع مهم لكثير من الكوادر الإعلامية السعودية أمام الكاميرا وخلفها، توازن بين ما هو وطني وبين ما هو مهني.
لقد كانت الثورة السورية امتحانا حقيقيا لصعود قنوات إخبارية وتراجع قنوات إخبارية أخرى، الآن لا نبالغ إذا قلنا ونحن نثبت الريموت كنترول على الإخبارية السعودية، إنه أصبح لدينا ذراع إخباري قادر على المنافسة والتأثير.