ناصر الخياري

حين تسير في الطريق بسيارتك بكل هدوء، وفجأة تقترب السيارة التي تسير خلفك أكثر من اللازم، سيكون هذا مزعجاً لك على مستويات الشعور، وكيفية التعامل مع الموقف. حين لا تكون المسافة كافية بينك وبين السيارة التي أمامك، فأنت حتماً يجب أن تتوقع حدوث حادث بسبب عدم ترك مسافة كافية. في علاقتنا مع الآخرين فإننا نشبه هذه الصورة، فحين نقترب أكثر من اللازم، أو نسمح للآخرين بإلغاء حدود المسافة المناسبة في العلاقة معنا، فإننا نفسح المجال لحدوث المشاكل وسوء الفهم والتجاوزات.

يقول عالم الاتصال الإنساني إدوارد هول:«إن إدراك المسافة والمحافظة عليها، مسألة ضرورية لإبقاء الود والاحترام المتبادل في العلاقات ما بين الأشخاص؛ فنفقد علاقتنا بالآخرين عندما نخطئ في احتساب تلك المسافة».

رسم الحدود الفاصلة بوضوح في علاقتنا مع الآخرين، مهارة ضائعة في أبجديات التربية الخاطئة التي ترسخت في سلوكنا منذ الصغر، حين ضخت مفاهيم خاطئة بأن ذلك أفضل لتطوير العلاقات والمحافظ عليها، أو هرباً من إطلاق النعوت السلبيةكـ«الحساس» وغيرها من النعوت المزعجة.

فأهم أسباب فشل علاقات الصداقة أوعلاقات العمل تعود إلى اقتحام المسافة وتجاوز الحدود. كم هو جميل أن يدرك الإنسان حدود المسافة اللائقة مع الآخرين، ويحافظ على تعاملاته في حدود هذه المسافة فلا يبتعد، ولا يقتحم، ولا يسمح لأحد باقتحامها؛ فيتعذر عليه عندئذ إعادة رسم حدود هذه العلاقة من جديد.

تثبت الأيام أن إدارة المسافة، ورسم الحدود الفاصلة، تريحان الإنسان من تطفل المتطفلين، وتنأى به عن التورط مع الاستغلاليين، الذين يتعمدون كسر حدود المسافة؛ لتحقيق مآربهم.