عبدالله فلاح العتيبي

في سباق الذكاء الاصطناعي، تتجه الأنظار غالباً إلى من يملك الرقائق الأكثر تطوراً، والنماذج الأذكى، ومراكز البيانات الأكبر. لكن ذلك ليس ميدان المنافسة الوحيد، فثمة سباق آخر بدأ يتشكّل بالتوازي، سؤاله الرئيسي: من سيشارك في وضع القواعد التي تحكم هذه التقنية؟

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة وجود المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي (ICAIRE) في الرياض، بوصفه مركزاً دولياً من الفئة الثانية تحت رعاية اليونيسكو. فالمسألة تتجاوز إضافة مؤسسة بحثية جديدة إلى المشهد السعودي؛ لأن المملكة تدخل مساحة مختلفة من صناعة مستقبل الذكاء الاصطناعي، هي مساحة الحوكمة والمعايير والأخلاقيات.

وهذا التحرك لم يبدأ مع المركز. فقد بنت المملكة خلال السنوات الماضية منظومة متدرجة شملت مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وإطار تبنيه في القطاعات المختلفة، وأدلة للذكاء الاصطناعي التوليدي والتزييف العميق، إلى جانب نظام حماية البيانات الشخصية والمركز الوطني للذكاء الاصطناعي ومراكز تميز متخصصة في الصحة والصناعة والتعدين والتعليم.

لكن القواعد وحدها لا تصنع حضورا. ففي الجانب الآخر من السباق تتوسع المملكة في البنية التحتية نفسها؛ فشركة «هيوماين» تطوّر مراكز بيانات وقدرات معالجة متقدمة ونماذج ذكاء اصطناعي، ضمن توجه يمتد من البنية التقنية إلى التطبيقات. والمنافسة العالمية اليوم لم تعد تقوم على تطوير نموذج متقدم فحسب، بل على امتلاك سلسلة كاملة تبدأ من البيانات والحوسبة وتصل إلى النماذج والبحث والحوكمة.

وعند جمع هذه المسارات، تتضح الصورة: المملكة لا تكتفي بأن تكون سوقاً لما ينتجه الآخرون، بل تعمل لتكون طرفاً في بناء هذه الصناعة، وفي تحديد الطريقة التي تُستخدم بها.

وهذا يتصل برؤية 2030 اتصالاً طبيعياً؛ فالرؤية وضعت بناء اقتصاد أكثر تنوعاً وتنافسية، وتنمية القدرات البشرية، والتحول الرقمي ضمن مسار المملكة نحو المستقبل. ومع تحوّل البيانات إلى أحد محركات الاقتصاد الرقمي، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أحد أهم مجالات هذا التحول، فالقدرة على إنتاج التقنية، واستثمار البيانات، واستقطاب الاستثمارات، وبناء البنية التحتية، ووضع الأطر التنظيمية، كلها أجزاء من معادلة واحدة.

وقد يتساءل البعض لماذا كل هذا الاهتمام بالأخلاقيات تحديدا؟ ببساطة لأنها لم تعد نقاشاً نظرياً. فالخصوصية والتحيّز والمسؤولية عن القرارات الخوارزمية والتزييف العميق ستتحول تدريجياً إلى تشريعات ومعايير وأطر حاكمة تؤثر في الحكومات والشركات والمجتمعات، والدول التي تشارك مبكراً في صياغتها ستكون أقرب إلى التأثير في شكل البيئة التقنية المقبلة.

يُضاف إلى ذلك بُعد آخر. فوجود مركز دولي بهذا الاختصاص في الرياض يمنح العالم العربي والإسلامي مساحة أكبر في نقاش ظل جزء كبير منه يدور داخل بيئات تقنية وثقافية أخرى. وقد سبق للمملكة أن طرحت «ميثاق الرياض للذكاء الاصطناعي في العالم الإسلامي»، الذي وافقت عليها 53 دولة عضواً في الإيسيسكو بالإجماع.

بدأ السباق بالتنافس على الخوارزميات والرقائق والحوسبة، لكنه يتجه اليوم إلى مرحلة أشمل، يكون فيها للثقة والمعايير والمسؤولية وزن يوازي القوة التقنية.