عندما نتحدث عن جذور البطش في الأراضي المحتلة، من المفيد أن نسمي الإطار الفكري الذي نعتمد عليه: أستند هنا إلى ما قدمته الباحثة والمؤرخة «حنا أرندت» خلال الستينيات من القرن الماضي، من أفكار حول أصول الاستبداد الشمولي، حيث تظهر كيف لا يبدأ الخراب عادة بهوس «الجنون» وحده، بل ببنية اجتماعية وسياسية تتدرج حتى يصبح تدمير جماعات كاملة ممكنًا. ولتبسيط الصورة للناس جميعًا، الفكرة الأساسية عندها هي أن الآليات لا تحتاج دائمًا إلى أن نؤمن كل الإيمان بما يقال؛ أحيانًا يكفي أن تفقد الناس القدرة على التمييز بين الحقيقة والادعاء الصهيوني، وأن تدفع كراهية بعينها لتصير «مقبولة» ثم «مطلوبة».
عندما تتحول جماعة إلى هدف، كثيرون يبررون ذلك بالقول إنها كانت «كبش فداء». نقول لأن الضحية لم تكن تملك ذنبًا، ولأن الاختيار يبدو عشوائيًا: أي جماعة لو كانت مكانها لحدث الشيء نفسه. لكن هذا التفسير المطمئن لا يصمد أمام السؤال الأعمق: متى يشتعل الحقد فعلًا؟ إذا كانت الضحية قابلة للتبديل فعلًا، فلماذا تختار هذه الجماعة في هذا المكان تحديدًا وفي هذه اللحظة؟ وحتى محاولة تفسير «لماذا» تعني أننا تجاوزنا وهم العشوائية. أحيانًا تشتعل الكراهية ليست حين تكون الجماعة قوية، بل حين تكون قد فقدت قدرتها وتحولت إلى مجرد وجود «مرئي» بلا وظيفة. الناس قد يتحملون القوة عندما تبدو نافعة أو تؤدي دورًا. لكنهم لا يغفرون بسهولة الامتياز حين يبدو بلا غاية. في نظر من يعيشون في اضطراب وخوف، يصبح «الامتياز بلا وظيفة» علامة تهدد إحساسهم بالعدالة أو كرامتهم، فيصير تبرير الإيذاء أسهل.
ثم تبين أرندت أن «طرق الكارثة» لا تأتي من فراغ. غالبًا يتم إعدادها وتمريرها في أماكن بعيدة أو تحت ظروف استثنائية، ثم تعاد صياغتها كأنها مناسبة للوطن الحاضن. في عالم إمبراطوري يتوسع بلا حدود، يتعلم المسؤولون أن القانون لا يطبق على من لا يعتبرون جزءًا من شعبهم الحقيقي، بقدر ما يطبق عند الحاجة، وأن الإدارة قد تتحول إلى أوامر أي إدارة من خلال أوامر عسكرية.
ومن أهم المفاتيح عند أرندت: قبل الإيذاء الفعلي، يجب إنتاج حالة يصبح فيها الناس «زائدين». ليس فقرًا فحسب، بل إلغاء مكانة ذات معنى في عالم لا يراهم كأفراد ذوي حقوق وحضور، بل كعبء يمكن تجاهله. يصبح كثيرون خارج الشبكات التي تمنحهم انتماء واحترامًا. وعندما تكسر الروابط، يولد نوع جديد من الواقع: كتلة لا هي طبقة قادرة على التفاوض، ولا هي جماعة ذات مصلحة مشتركة وعلاقات، بل أفراد متفرقون يشعر كل واحد منهم أنه وحده، وأن العالم لا يحتاجه. في هذه الحالة، ما يطلبه الإنسان عادة ليس فلسفة كبيرة، بل معنى فوري يعيد له الشعور بأنه جزء من شيء «عظيم» سيغير العالم. هنا تلتقط الوحدة والخذلان كـ«مواد خام» لحركات تتكلم بلغة القدر والحسم وتعد بسرعة الانتماء.
لكن كيف تتحول هذه المواد إلى نظام يسيطر؟ أرندت تفرق بين نوعين: طغيان عادي يطلب الصمت من الناس ويترك لهم مساحة داخلية من التفكير، وهيمنة شمولية تريد أكثر من ذلك؛ تريد الداخل نفسه. وتشغل هذه الهيمنة محركين مترابطين. الأول إرهاب يعزل الأفراد عن بعضهم حتى لا يتصرفوا معًا ولا يبنون معنى مشتركًا. والثاني أيديولوجي، فكرة شاملة تزعم أنها تشرح كل التاريخ والمستقبل بمنطق مغلق بحيث لا تستطيع أي حقيقة أن تناقضها.
وأكثر ما يجعل «سلطة الاحتلال» خطرًا ليس «المؤمن المتحمس» كما نتخيل، بل الشخص الذي لم يعد يميز بين الحقيقة والخيال، الذي لم يعد يثق حتى بما رآه بعينه، لأن الحد الفاصل بين «ما هو صحيح» و«ما هو ملفق» يتلاشى. حين يغيب هذا الحد، يصبح كل شيء ممكنًا لأن الأرض التي يقف عليها العقل ليقول: «هذه كذبة» لم تعد موجودة. وهنا تنشأ التربة الأساسية كلها: الوحدة. ليست وحدتك مع نفسك، بل وحدة تشبه الهاوية؛ مقطوع لدرجة أنك حتى من داخلك تحرم من الرفيق الذي يمنح التفكير معنى.
في المقابل، تقدم أرندت توازنًا مسؤولًا: إذا كانت الوحدة هي الأرض، فالمضاد ليس شعارًا غامضًا بل التعددية. أن يجتمع الناس باختلافاتهم، وأن يختاروا العمل معًا، وأن يبدؤوا شيئًا جديدًا. لأن إرهابًا مهما بلغ لن يقدر على إطفاء القدرة على «البدء»، فكل ولادة إنسان جديدة دليل على أن العالم لم يغلق بالكامل.
ولهذا تأتي رسالة «نداء الاستيقاظ» بمنطق واضح: حين تجرد جماعات من إنسانيتها، يصبح إنهاؤها أسهل؛ وعندما تبدأ سلسلة تدمير لجماعة، تتسع لتصل إلى غيرها حتى لا يبقى أحد آمنًا. ومع تكرار الإحباط والهزيمة ينتشر شلل يشبه العجز المتراكم.
ومن هذا العجز، تتردد أصوات الشهداء، بصمود الباقين والجرحى والمصابين والأطفال:
لسنا مجرد أفراد معزولين نتحمل وحدنا مسؤولية ما يحدث. توجد منظومات قد تجعل الفرد مسؤولًا وكأنه فخ، لتعفي المفترس من جذوره ومصالحه. ومن هنا يصبح الخلاص الأخلاقي بسيطًا وحاسمًا: لا تبرر الوسيلة الغاية، بل تحدد الوسيلة الغاية. الاحتلال يحمل بذور فنائه عندما يبقى الناس يقظين، وعندما لا يتوقفون عن السؤال عن «لماذا؟».
والخلاصة كما ينبغي أن تفهم: الصهاينة لا يحتاجون منك أن تثبت لهم الإيمان بالحجة التي يروجونها، بل يحتاجون أن تنهكك حتى تتوقف عن الإيمان بأي حقيقة. لذلك يجب رفع الغطاء الذي يجعل الظلم يبدو طبيعيًا أو مبررًا، ليعرف العالم أنه عندما ينفلت الاستبداد من عقاله ويبدأ التدمير على أساس الكراهية، لا معنى للأمان المؤقت. رسالتنا الأخيرة هي أن نبقى مستيقظين، وأن نحمي إنسانيتنا، وألا نسمح بأن تستبدل الحقيقة بشعار، والخراب بعذر.
عندما تتحول جماعة إلى هدف، كثيرون يبررون ذلك بالقول إنها كانت «كبش فداء». نقول لأن الضحية لم تكن تملك ذنبًا، ولأن الاختيار يبدو عشوائيًا: أي جماعة لو كانت مكانها لحدث الشيء نفسه. لكن هذا التفسير المطمئن لا يصمد أمام السؤال الأعمق: متى يشتعل الحقد فعلًا؟ إذا كانت الضحية قابلة للتبديل فعلًا، فلماذا تختار هذه الجماعة في هذا المكان تحديدًا وفي هذه اللحظة؟ وحتى محاولة تفسير «لماذا» تعني أننا تجاوزنا وهم العشوائية. أحيانًا تشتعل الكراهية ليست حين تكون الجماعة قوية، بل حين تكون قد فقدت قدرتها وتحولت إلى مجرد وجود «مرئي» بلا وظيفة. الناس قد يتحملون القوة عندما تبدو نافعة أو تؤدي دورًا. لكنهم لا يغفرون بسهولة الامتياز حين يبدو بلا غاية. في نظر من يعيشون في اضطراب وخوف، يصبح «الامتياز بلا وظيفة» علامة تهدد إحساسهم بالعدالة أو كرامتهم، فيصير تبرير الإيذاء أسهل.
ثم تبين أرندت أن «طرق الكارثة» لا تأتي من فراغ. غالبًا يتم إعدادها وتمريرها في أماكن بعيدة أو تحت ظروف استثنائية، ثم تعاد صياغتها كأنها مناسبة للوطن الحاضن. في عالم إمبراطوري يتوسع بلا حدود، يتعلم المسؤولون أن القانون لا يطبق على من لا يعتبرون جزءًا من شعبهم الحقيقي، بقدر ما يطبق عند الحاجة، وأن الإدارة قد تتحول إلى أوامر أي إدارة من خلال أوامر عسكرية.
ومن أهم المفاتيح عند أرندت: قبل الإيذاء الفعلي، يجب إنتاج حالة يصبح فيها الناس «زائدين». ليس فقرًا فحسب، بل إلغاء مكانة ذات معنى في عالم لا يراهم كأفراد ذوي حقوق وحضور، بل كعبء يمكن تجاهله. يصبح كثيرون خارج الشبكات التي تمنحهم انتماء واحترامًا. وعندما تكسر الروابط، يولد نوع جديد من الواقع: كتلة لا هي طبقة قادرة على التفاوض، ولا هي جماعة ذات مصلحة مشتركة وعلاقات، بل أفراد متفرقون يشعر كل واحد منهم أنه وحده، وأن العالم لا يحتاجه. في هذه الحالة، ما يطلبه الإنسان عادة ليس فلسفة كبيرة، بل معنى فوري يعيد له الشعور بأنه جزء من شيء «عظيم» سيغير العالم. هنا تلتقط الوحدة والخذلان كـ«مواد خام» لحركات تتكلم بلغة القدر والحسم وتعد بسرعة الانتماء.
لكن كيف تتحول هذه المواد إلى نظام يسيطر؟ أرندت تفرق بين نوعين: طغيان عادي يطلب الصمت من الناس ويترك لهم مساحة داخلية من التفكير، وهيمنة شمولية تريد أكثر من ذلك؛ تريد الداخل نفسه. وتشغل هذه الهيمنة محركين مترابطين. الأول إرهاب يعزل الأفراد عن بعضهم حتى لا يتصرفوا معًا ولا يبنون معنى مشتركًا. والثاني أيديولوجي، فكرة شاملة تزعم أنها تشرح كل التاريخ والمستقبل بمنطق مغلق بحيث لا تستطيع أي حقيقة أن تناقضها.
وأكثر ما يجعل «سلطة الاحتلال» خطرًا ليس «المؤمن المتحمس» كما نتخيل، بل الشخص الذي لم يعد يميز بين الحقيقة والخيال، الذي لم يعد يثق حتى بما رآه بعينه، لأن الحد الفاصل بين «ما هو صحيح» و«ما هو ملفق» يتلاشى. حين يغيب هذا الحد، يصبح كل شيء ممكنًا لأن الأرض التي يقف عليها العقل ليقول: «هذه كذبة» لم تعد موجودة. وهنا تنشأ التربة الأساسية كلها: الوحدة. ليست وحدتك مع نفسك، بل وحدة تشبه الهاوية؛ مقطوع لدرجة أنك حتى من داخلك تحرم من الرفيق الذي يمنح التفكير معنى.
في المقابل، تقدم أرندت توازنًا مسؤولًا: إذا كانت الوحدة هي الأرض، فالمضاد ليس شعارًا غامضًا بل التعددية. أن يجتمع الناس باختلافاتهم، وأن يختاروا العمل معًا، وأن يبدؤوا شيئًا جديدًا. لأن إرهابًا مهما بلغ لن يقدر على إطفاء القدرة على «البدء»، فكل ولادة إنسان جديدة دليل على أن العالم لم يغلق بالكامل.
ولهذا تأتي رسالة «نداء الاستيقاظ» بمنطق واضح: حين تجرد جماعات من إنسانيتها، يصبح إنهاؤها أسهل؛ وعندما تبدأ سلسلة تدمير لجماعة، تتسع لتصل إلى غيرها حتى لا يبقى أحد آمنًا. ومع تكرار الإحباط والهزيمة ينتشر شلل يشبه العجز المتراكم.
ومن هذا العجز، تتردد أصوات الشهداء، بصمود الباقين والجرحى والمصابين والأطفال:
لسنا مجرد أفراد معزولين نتحمل وحدنا مسؤولية ما يحدث. توجد منظومات قد تجعل الفرد مسؤولًا وكأنه فخ، لتعفي المفترس من جذوره ومصالحه. ومن هنا يصبح الخلاص الأخلاقي بسيطًا وحاسمًا: لا تبرر الوسيلة الغاية، بل تحدد الوسيلة الغاية. الاحتلال يحمل بذور فنائه عندما يبقى الناس يقظين، وعندما لا يتوقفون عن السؤال عن «لماذا؟».
والخلاصة كما ينبغي أن تفهم: الصهاينة لا يحتاجون منك أن تثبت لهم الإيمان بالحجة التي يروجونها، بل يحتاجون أن تنهكك حتى تتوقف عن الإيمان بأي حقيقة. لذلك يجب رفع الغطاء الذي يجعل الظلم يبدو طبيعيًا أو مبررًا، ليعرف العالم أنه عندما ينفلت الاستبداد من عقاله ويبدأ التدمير على أساس الكراهية، لا معنى للأمان المؤقت. رسالتنا الأخيرة هي أن نبقى مستيقظين، وأن نحمي إنسانيتنا، وألا نسمح بأن تستبدل الحقيقة بشعار، والخراب بعذر.