محمد الرميح

تُعد كسور وتشوهات العظام من أكثر التحديات تعقيدًا التي يواجهها أطباء وجراحو العظام، إذ لا تقتصر آثارها على الألم وفقدان القدرة على الحركة، بل قد تمتد لتؤثر بصورة مباشرة في حياة المريض وأدائه الوظيفي وجودة حياته. وبينما يمكن علاج العديد من الكسور البسيطة بالجبائر الجبسية أو تثبيتها جراحيًا باستخدام الصفائح والمسامير، فإن الكسور المعقدة والمفتتة تمثل تحديًا مختلفًا، خاصة عندما تتفتت العظام إلى عدة أجزاء أو يصاحبها قصر أو تشوه في الطرف المصاب. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى تقنيات أكثر تطورًا ومرونة تستطيع التعامل مع الحالات التي تتجاوز إمكانات العلاج التقليدي. ومن أبرز هذه التقنيات جهاز إليزاروف (Ilizarov Apparatus)، الذي أحدث تحولًا مهمًا في مجال جراحة وتقويم العظام، وأصبح أحد الحلول المستخدمة لعلاج الكسور المعقدة، وإطالة العظام، وتصحيح تشوهات الأطراف.

من فكرة بسيطة إلى ثورة في جراحة العظام

في عام 1951، طوّر جراح العظام الروسي غافرييل إليزاروف جهازًا مبتكرًا للتثبيت الخارجي الحلقي، بهدف التعامل مع الحالات العظمية المعقدة التي يصعب علاجها بالطرق التقليدية. ومع مرور الوقت، لم يعد الجهاز مقتصرًا على تثبيت الكسور، بل أصبح أداة علاجية متقدمة يمكن من خلالها إطالة العظام، وتصحيح التشوهات، ومعالجة الكسور غير الملتئمة، وتعويض أجزاء العظم المفقودة. وأسهمت أفكار إليزاروف في تغيير مفهوم التعامل مع العظام؛ فلم يعد دور الجراح مقتصرًا على تثبيت العظم في وضعه الحالي، بل أصبح بالإمكان إعادة تشكيله وتطويله وتصحيح محوره تدريجيًا وفق خطة علاجية دقيقة. ولذلك يُعد إليزاروف أحد أبرز رواد جراحات إطالة العظام وتصحيح التشوهات.

ويتكون جهاز إليزاروف من مجموعة من الحلقات المعدنية المثقبة، ترتبط ببعضها بواسطة قضبان ومفاصل معدنية قابلة للتعديل، ويُثبت الجهاز بالعظم من خلال أسلاك جراحية رفيعة تمر عبر العظم وتُثبت في الجهة المقابلة من الحلقة. ويمنح هذا التصميم الجراح قدرة عالية على التحكم في العظام وتحريكها تدريجيًا في الاتجاه المطلوب.

متى نلجأ إلى جهاز إليزاروف؟

تتميز تقنية إليزاروف بتعدد استخداماتها، فهي لا تقتصر على نوع واحد من الكسور، وإنما يمكن استخدامها في العديد من الحالات المعقدة، ومن أهمها:

* الكسور المفتتة والمعقدة (Comminuted Fractures).

* الكسور غير الملتئمة أو المتأخرة في الالتئام.

* حالات قصر الأطراف الخلقي أو المكتسب.

* تصحيح تشوهات الأطراف والقدمين.

* تعويض أجزاء العظام المفقودة باستخدام تقنية نقل العظام.

* تصحيح انحرافات ومحاور الأطراف.

* المساعدة في علاج بعض حالات فقدان العظم الناتج عن الإصابات أو العمليات السابقة.

وتكمن أهمية الجهاز في قدرته على الجمع بين التثبيت والتصحيح وإعادة بناء العظم في الوقت نفسه، وهو ما يجعله خيارًا مهمًا في الحالات التي يصعب التعامل معها باستخدام الوسائل التقليدية.

كيف يعمل الجهاز؟

تعتمد فكرة الجهاز على تثبيت الحلقات حول الطرف المصاب وربطها ببعضها بواسطة قضبان ومفاصل قابلة للتعديل، مع تثبيتها بالعظام باستخدام أسلاك معدنية رفيعة. ويوفر هذا النظام ثباتًا مناسبًا، مع إمكانية إجراء تعديلات تدريجية على وضع العظم طوال فترة العلاج. وفي حالات إطالة العظام، يُركب الجهاز أولًا على الطرف المصاب، ثم يُجرى قطع جراحي للعظم (Osteotomy). وبعد فترة قصيرة تسمح ببدء تكوين النسيج العظمي، تبدأ عملية الإطالة بصورة تدريجية، غالبًا بمعدل يقارب ملليمترًا واحدًا يوميًا، وفق خطة يحددها الجراح وبناءً على استجابة المريض. وتعتمد هذه العملية على قدرة العظم على تكوين نسيج عظمي جديد أثناء تعرضه للشد التدريجي، وهي الفكرة التي شكلت أساسًا مهمًا في تطور جراحات إطالة العظام.

ماذا تقول الدراسات؟

على الرغم من التطور الكبير في استخدام هذه التقنيات عالميًا، فإن الدراسات المتعلقة باستخدامها في المملكة العربية السعودية لا تزال محدودة. ومن الدراسات التي تناولت هذا المجال دراسة أُجريت في مدينة الملك عبدالعزيز الطبية بجدة، وشملت عشرة أطفال تراوحت أعمارهم بين 8 و15 عامًا، كانوا يعانون من كسور غير مستقرة في الساق، وعولجوا باستخدام جهاز تايلور.

وأظهرت نتائج الدراسة أن متوسط مدة التئام الكسر باستخدام الجهاز بلغ نحو 18 أسبوعًا، بينما بلغ متوسط مدة المتابعة الطبية نحو ثلاث سنوات. ونُشرت الدراسة في مجلة (Journal of Pediatric Orthopaedics) عام 2006م.

وتبرز هذه النتائج أهمية تقنيات التثبيت الخارجي الحلقي في التعامل مع الكسور المعقدة لدى الأطفال، خاصة عندما تكون وسائل التثبيت التقليدية غير كافية لتحقيق الاستقرار المطلوب أو تصحيح التشوه المصاحب.

تقنية فعّالة.. لكنها ليست خالية من التحديات

على الرغم من الفوائد الكبيرة التي توفرها أجهزة التثبيت الخارجي الحلقي، فإن استخدامها قد يرتبط ببعض المضاعفات التي تتطلب متابعة دقيقة من الفريق الطبي، ومن أبرزها:

* إصابة الأوعية الدموية أو الأعصاب أثناء إدخال الأسلاك عبر العظام.

* حدوث تيبس في المفاصل المحيطة بالطرف المثبت.

* حدوث التهابات حول مناطق دخول الأسلاك إلى الجلد.

* التأثير النفسي الناتج عن وجود الجهاز بشكل ظاهر حول الطرف لفترات طويلة، وما قد يصاحبه من قلق أو انزعاج أو صعوبة في التكيف مع فترة العلاج.

تقنيات توسّع خيارات العلاج

لم تكن تقنية إليزاروف مجرد وسيلة لتثبيت الكسور، بل مثّلت تحولًا في طريقة التفكير في علاج أمراض وتشوهات العظام. فمن خلال التثبيت التدريجي والتحكم الدقيق في حركة العظم، أصبح بالإمكان التعامل مع حالات كانت تُعد في السابق من أصعب التحديات الجراحية، مثل قصر الأطراف، وفقدان أجزاء من العظام، والكسور غير الملتئمة، والتشوهات المعقدة.

ومع انتقال هذه التقنية من الحلقات والأسلاك التقليدية إلى الأنظمة الحاسوبية الحديثة، مثل جهاز تايلور المكاني الحلقي، أصبح تصحيح التشوهات أكثر دقة ومرونة. من إليزاروف إلى جهاز تايلور المكاني مع التطور المتسارع في مجال جراحة العظام، لم تتوقف الابتكارات عند جهاز إليزاروف، بل ظهرت أنظمة أكثر تطورًا تعتمد على التكنولوجيا والحسابات الرقمية، ومن أبرزها جهاز تايلور المكاني الحلقي (Taylor Spatial Frame).

ويُعد هذا الجهاز امتدادًا متطورًا لفكرة التثبيت الخارجي الحلقي، إذ تُدخل بيانات التشوه العظمي وإحداثياته إلى برنامج حاسوبي متخصص، يتولى تحليل الحالة وتحديد التعديلات المطلوبة. وبعد ذلك تُجرى تعديلات دقيقة على الحلقات بواسطة دعامات قابلة للتعديل، بهدف تصحيح التشوه أو إعادة محاذاة العظام بصورة تدريجية ودقيقة. ومن أبرز مميزات هذه التقنية قدرتها على التعامل مع التشوهات المعقدة متعددة الاتجاهات، إضافة إلى مرونتها في إجراء التعديلات خلال مراحل العلاج. كما يمكن، في الحالات المناسبة وتحت إشراف الفريق الطبي، السماح للمريض بتحميل الوزن والمشي باستخدام الطرف المصاب أثناء فترة العلاج.

د. محمد الرميح

أخصائي أول – جراحة العظام

مستشفى قوى الأمن - الرياض