جدة: الوطن

تعكس زيارة سلطان عُمان السلطان هيثم بن طارق، إلى المملكة العربية السعودية، ولقاؤه بولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان متانة العلاقات الأخوية الراسخة بين الرياض ومسقط. وتجسّد هذه الزيارة تقديراً كبيراً من السلطان للدور القيادي والمحوري الذي تنهض به المملكة على المستويين الإقليمي والدولي، في ظل الدور المشترك والأساسي للبلدين الشقيقين في جهود دعم الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة.

تنسيق إستراتيجي في توقيت حساس

وتتزامن زيارة سلطان عُمان الحالية للمملكة مع ما تشهده المنطقة من تطورات متسارعة ومتلاحقة في الوقت الراهن، مما يستوجب تعزيز قنوات التشاور والتنسيق المستمر بين قيادتي البلدين، وبما يصب في مصلحة تعزيز الأمن والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.



وتكتسب الزيارة واللقاء بين الطرفين أهمية بالغة وتوقيتاً دقيقاً، لا سيما في ظل استمرار التصعيد القائم في المنطقة والتطورات الأمنية والسياسية المرتبطة بمضيق هرمز، حيث تبرز هذه المباحثات جهود البلدين الحثيثة والرامية إلى الحفاظ على أمن الممرات المائية الحيوية، وضمان حرية الملاحة البحرية وسلامتها فيها، باعتبارها عصب التجارة والاقتصاد العالمي.

وفي هذا الإطار، يحرص البلدين على التعاون الثنائي المستمر لتحقيق الاستقرار في المنطقة عبر نهج إستراتيجي موحد، حيث يبرز التشاور والتنسيق المشترك لتعزيز دور مجلس التعاون لدول الخليج العربية كركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي.

وفي هذا السياق، يتفق البلدان الشقيقان تماماً في موقفهما المبدئي والراسخ حول ضرورة حل الأزمات وإنهاء الخلافات القائمة بالطرق السلمية والدبلوماسية عبر تفعيل لغة الحوار، وتيسير كافة الظروف الملائمة لتحقيق الأمن والاستقرار إقليمياً ودولياً. كما تؤكد الرؤية المشتركة للبلدين على رفض المساس بسيادة دول المنطقة، والتأكيد القاطع على وحدة وسلامة أراضيها.

جذور العلاقات ومحطات التكامل

ويحمل التاريخ القريب دلالات عميقة على خصوصية هذه العلاقة؛ حيث كان اختيار السلطان هيثم بن طارق للمملكة العربية السعودية لتكون وجهته في أول زيارة رسمية له إلى خارج السلطنة بعد توليه مقاليد الحكم في يوليو 2021م، تلبية للدعوة الموجهة إليه من قبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، مؤشراً واضحاً ودلالة قاطعة على المكانة الكبيرة والخاصة التي يكنها جلالته للمملكة، وعمق الروابط التاريخية الراسخة بين البلدين.



وقد تُوجت تلك الزيارة الرسمية والتاريخية للسلطان هيثم بن طارق إلى المملكة في عام 2021م، ولقاؤه بولي العهد بالإعلان عن إنشاء «مجلس التنسيق السعودي العُماني». وجاء هذا المجلس بهدف وضع رؤية إستراتيجية مشتركة لتوطيد العلاقات الثنائية، ورفع مستواها إلى مرحلة التكامل والاندماج في المجالات السياسية، الأمنية، والعسكرية، بالإضافة إلى مجالات الاقتصاد والتنمية البشرية، بما يخدم المصالح العليا للبلدين الشقيقين ويحقق آمال وتطلعات القيادتين والشعبين.

مجلس التنسيق والاتفاقيات المشتركة

وأسهم تأسيس مجلس التنسيق السعودي العُماني بشكل ملموس في تطوير التعاون والعمل المشترك، محققاً قفزات نوعية في فترات وجيزة؛ حيث شهد اجتماعه الثاني الذي عُقد في محافظة العُلا التاريخية عام 2024، إطلاق النسخة الأولى من مبادرات اللجان المنبثقة عن المجلس، والتي بلغ عددها 55 مبادرة تنموية وإستراتيجية. واستمراراً لقطار التكامل، شهد الاجتماع الثالث للمجلس والذي عُقد في العاصمة العُمانية مسقط عام 2025، إطلاق مبادرات المرحلة الثانية من التكامل الصناعي بين البلدين الشقيقين.

كما تم في الاجتماع ذاته تدشين المنصة الإلكترونية الرسمية للمجلس، والتي تهدف إلى تسهيل المتابعة الدقيقة لسير أعمال اللجان المشتركة، وضمان السرعة والمرونة في تنفيذ المبادرات، والاتفاقيات، ومذكرات التفاهم الموقعة بين الجانبين، بما يضمن ترجمة هذه الرؤى إلى واقع ملموس يخدم النماء والازدهار المشترك.

وفي إطار تعزيز هذه الشراكة العملية المستدامة والتنسيق المستمر بين الوزارات والجهات الرسمية والخاصة، وقّع البلدان أكثر من 70 اتفاقية ومذكرة تفاهم شملت مجالات التعاون السياسي، والاستثماري، والتجاري، والسياحي، والثقافي، والخدمي، وهو ما يعكس الرغبة الأكيدة في تحويل التطلعات إلى مشاريع حقيقية على أرض الواقع.

رؤية 2030 ورؤية 2040

امتداداً لهذا الزخم، يسعى البلدان بجدية إلى رفع وتيرة التعاون في القطاعين التجاري والاستثماري من خلال «مجلس الأعمال السعودي العماني»، وزيادة حجم التبادل التجاري بينهما. ويركز الجانبان على تطوير بيئة استثمارية خصبة ومحفزة للقطاع الخاص، إلى جانب بحث واستكشاف أبرز الفرص الاستثمارية الواعدة التي تتيحها «رؤية المملكة 2030» و«رؤية عمان 2040»، والاستفادة القصوى مما تتضمنه الرؤيتان الوطنيتان من مستهدفات طموحة ومشاريع عملاقة تخدم التنوع الاقتصادي المأمول.

منفذ الربع الخالي شريان بري إستراتيجي

وعلى الصعيد اللوجستي والبنية التحتية، برز طريق ومنفذ الربع الخالي الرابط بين المملكة وسلطنة عُمان، والذي تم افتتاحه في العام 2021، كأحد أبرز المشاريع الإستراتيجية والحيوية التي أسهمت في تعزيز التعاون والشراكة في قطاعات تنموية واقتصادية متعددة، فضلاً عن دورها الجوهري في تسهيل حركة العبور والتبادل بين الجارتين.

وانعكس هذا الشريان البري إيجاباً على حركة المواطنين العابرين بشكل لافت؛ حيث بلغ عدد العابرين من خلال المنفذ منذ أكتوبر 2021 وحتى نهاية ديسمبر 2025 نحو 135.9 ألف مواطن سعودي، وما يزيد على 640 ألف مواطن عُماني، بالإضافة إلى أكثر من 744 ألف عابر من الجنسيات الأخرى، مما يثبت الأهمية الاقتصادية والاجتماعية البالغة لهذا الممر الحيوي في تجسيد أواصر الإخاء والتكامل.

التبادل التجاري بين السعودية وسلطنة عُمان لعام 2025

- 30.95 مليار ريال سعودي حجم التجارة البينية بين البلدين.

- 15.2 مليار ريال سعودي الصادرات السعودية إلى سلطنة عُمان.

- 1.257 مليار ريال عُماني الصادرات العُمانية إلى الأسواق السعودية.

- 3 ترتيب سلطنة عُمان كأكبر شريك تجاري للمملكة بين دول الخليج.

- 0.2 % نمو التبادل التجاري السنوي بين البلدين مقارنة بعام 2024.