برزت قضية المفقودين السوريين خلال حكم حافظ الأسد، وتفاقمت في عهد ابنه عقب اندلاع الثورة السورية. وكانت شهادات الناجين وعائلات المفقودين تجد طريقها إلى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية من خارج دمشق، بحثاً عمّن يسمع أصحابها ويناصر قضيتهم. أما في الداخل، فتحوّل البحث عن غائب إلى مخاطرة قد يدفع صاحبها ثمنها، فيما واصل النظام السابق إنكار المأساة لأكثر من 5 عقود.
الأسبوع الماضي تغير اتجاه الصوت؛ فالقرار الذي وصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء هذه المرة من دمشق نفسها لكن بعد أن سقط نظام الأسد، إذ اعتمدت الجمعية العامة بالإجماع مشروع قرار سوري يقضي بإعلان 19 ديسمبر من كل عام، يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين.
اختارت سوريا أن تخصص أول مشروع قرار تتقدم به إلى الجمعية العامة في عهدها الجديد للأمهات والزوجات والأخوات والبنات اللواتي واصلن البحث عن أحبائهن. ولهذا الاختيار دلالة سياسية، إذ تضع دمشق مأساة مواطنيها ضمن أولويات تحركها الدولي، وتطلب الاعتراف بجهود نساء أبقين القضية حاضرة حين كانت مواجهتها بالإنكار جزءاً من سياسة حكم النظام البائد.
وعبّر مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي عن هذا التحول حين أوضح أن القضية كانت تصل إلى الجمعية العامة سابقاً رغم إرادة النظام، وأصبحت اليوم تأتي من دمشق ذاتها. وما يمنح هذه المقارنة وزنها هو اختلاف المسؤولية التي تتبناها الدولة، عبر الاعتراف بالمفقودين، والبحث عنهم، ومساعدة عائلاتهم على الوصول إلى الحقيقة.
خلف كلمة «المفقودين» حياة يصعب اختصارها في أرقام، فهناك أم لا تعرف أين انتهى مصير ابنها، وزوجة تحمل مسؤولية الأسرة ولا تعرف إن كانت أرملة، وابنة كبرت وهي تحاول أن تتذكر صوت والدها، والغياب هنا يمتد إلى تفاصيل العيش، وإلى القرارات التي تؤجلها الأسرة، وإلى سنوات تمر من دون أن يتضح ما إذا كان عليها أن تستعد للقاء أم للفراق.
ولهذا تبدو أهمية تخصيص اليوم للنساء الباحثات عن المفقودين، فالقرار يلفت إلى ما تحملنه أثناء البحث، ويدعو إلى حمايتهن من التمييز والعنف، وإشراكهن في النقاشات والقرارات المتعلقة بالقضية، فالمرأة التي جمعت شهادات الناجين وحفظت الوثائق وتتبعت الأخبار، تملك معرفة ينبغي أن تجد مكانها في جهود البحث، وتكريمها يكتسب معنى أعمق حين تستطيع التأثير في القرارات التي تمس حياتها.
من الطبيعي أن تحتفي دمشق بهذا الاعتراف الدولي، لكن العائلات ستقيس أثره بما يتغير في تجربتها اليومية، هل سيستمع لها جيداً، وهل يصلها جواب موثوق عن الإجراءات المتخذة، حتى عندما لا يصل البحث إلى نتيجة حاسمة؟ هذه التفاصيل مهمة لبناء ثقة المواطن بمؤسسات دولته، بعد عقود ارتبطت فيها تلك المؤسسات بالخشية والإنكار.
توجد اليوم أدوات يمكن البناء عليها، إذ أنشأت الجمعية العامة عام 2023 المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، لتوضيح مصيرهم وأماكن وجودهم ودعم عائلاتهم. وفي مايو 2025، أُنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين بمرسوم رئاسي، ثم أطلقت في أغسطس الماضي برنامج «أثر» لتلقي البلاغات والإسهام في بناء سجل وطني موحد. ويتوقف أثر هذه الخطوات على قدرتها في تنظيم البحث، وتبادل المعلومات، وحماية بيانات العائلات وإبقائها على اطلاع بما يتحقق.
العمل المطلوب شاق، يبدأ بحماية مواقع المقابر الجماعية والوثائق، ويمر بربط قواعد البيانات والاستماع إلى الناجين، وإجراء المطابقات الجينيّة، ويحتاج إلى خبرات وتمويل وتعاون دولي مستمر. قد يستغرق الوصول إلى بعض الإجابات سنوات، لذلك تصبح المصارحة جزءاً من المسؤولية، حتى تعرف الأسر ما أُنجز وما تعذر إنجازه وأسباب التأخير، ولا تُترك أمام صمت جهة ما أو وعود يصعب الوفاء بها.
ويمثل البحث عن جميع المفقودين، أياً كانت هوياتهم أو الجهات المسؤولة عن تغييبهم، قضية وطنية جامعة، وحقاً للعائلات في معرفة مصير أحبائها، فالعائلة التي تسأل عن ابنها لا ينبغي أن تثبت استحقاقه للبحث وفق انتمائه، مع الحفاظ على الأدلة التي تحتاجها المحاسبة، حتى تسير معرفة الحقيقة والعدالة في اتجاه متكامل.
كما تستحق المبادرة دعماً عالمياً وعربياً يتجاوز التصويت والبيانات، ففي لبنان والعراق واليمن وليبيا وفلسطين عائلات تعرف هذا الانتظار، ويمكن أن يفتح اليوم الدولي مجالاً لتبادل الخبرات ودعم الباحثات عن المفقودين. وبوسع المؤسسات العربية أن تسهم في تدريب المختصين وتمويل تقنيات التعرف إلى الهوية، وتوفير المساندة النفسية والاجتماعية، ومثل هذا التعاون يمنح المبادرة السورية أثراً ملموساً خارج حدودها.
من شأن هذا المسار أن يضيف إلى التعافي السوري بعداً يصعب قياسه بالمشروعات والأموال، فإعادة بناء البلاد تشمل أيضاً قدرة الناس على تصديق أن الحكومة ستستمع إليهم، وأن وثيقة يقدمونها لن تضيع، وأن حقهم في السؤال سيبقى مصوناً.
عندما يحل التاسع عشر من ديسمبر المقبل، ستكون المناسبة فرصة لإظهار ما تحقق، والإقرار بما يحتاج إلى وقت وجهد إضافيين.
لا شك أن مأساة بهذا الحجم لن تُحسم في أشهر، لكن من حق النساء اللواتي حملن صور أحبائهن طوال سنوات الخوف، أن يرين بحثاً يتقدم ومؤسسات تصغي لهن.
نافذة: يفتح اليوم الدولي مجالاً لتبادل الخبرات ودعم الباحثات عن المفقودين، وبوسع المؤسسات العربية أن تسهم في تدريب المختصين وتمويل تقنيات التعرف إلى الهوية
الأسبوع الماضي تغير اتجاه الصوت؛ فالقرار الذي وصل إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة جاء هذه المرة من دمشق نفسها لكن بعد أن سقط نظام الأسد، إذ اعتمدت الجمعية العامة بالإجماع مشروع قرار سوري يقضي بإعلان 19 ديسمبر من كل عام، يوماً دولياً لتكريم النساء الباحثات عن المفقودين.
اختارت سوريا أن تخصص أول مشروع قرار تتقدم به إلى الجمعية العامة في عهدها الجديد للأمهات والزوجات والأخوات والبنات اللواتي واصلن البحث عن أحبائهن. ولهذا الاختيار دلالة سياسية، إذ تضع دمشق مأساة مواطنيها ضمن أولويات تحركها الدولي، وتطلب الاعتراف بجهود نساء أبقين القضية حاضرة حين كانت مواجهتها بالإنكار جزءاً من سياسة حكم النظام البائد.
وعبّر مندوب سوريا الدائم لدى الأمم المتحدة إبراهيم علبي عن هذا التحول حين أوضح أن القضية كانت تصل إلى الجمعية العامة سابقاً رغم إرادة النظام، وأصبحت اليوم تأتي من دمشق ذاتها. وما يمنح هذه المقارنة وزنها هو اختلاف المسؤولية التي تتبناها الدولة، عبر الاعتراف بالمفقودين، والبحث عنهم، ومساعدة عائلاتهم على الوصول إلى الحقيقة.
خلف كلمة «المفقودين» حياة يصعب اختصارها في أرقام، فهناك أم لا تعرف أين انتهى مصير ابنها، وزوجة تحمل مسؤولية الأسرة ولا تعرف إن كانت أرملة، وابنة كبرت وهي تحاول أن تتذكر صوت والدها، والغياب هنا يمتد إلى تفاصيل العيش، وإلى القرارات التي تؤجلها الأسرة، وإلى سنوات تمر من دون أن يتضح ما إذا كان عليها أن تستعد للقاء أم للفراق.
ولهذا تبدو أهمية تخصيص اليوم للنساء الباحثات عن المفقودين، فالقرار يلفت إلى ما تحملنه أثناء البحث، ويدعو إلى حمايتهن من التمييز والعنف، وإشراكهن في النقاشات والقرارات المتعلقة بالقضية، فالمرأة التي جمعت شهادات الناجين وحفظت الوثائق وتتبعت الأخبار، تملك معرفة ينبغي أن تجد مكانها في جهود البحث، وتكريمها يكتسب معنى أعمق حين تستطيع التأثير في القرارات التي تمس حياتها.
من الطبيعي أن تحتفي دمشق بهذا الاعتراف الدولي، لكن العائلات ستقيس أثره بما يتغير في تجربتها اليومية، هل سيستمع لها جيداً، وهل يصلها جواب موثوق عن الإجراءات المتخذة، حتى عندما لا يصل البحث إلى نتيجة حاسمة؟ هذه التفاصيل مهمة لبناء ثقة المواطن بمؤسسات دولته، بعد عقود ارتبطت فيها تلك المؤسسات بالخشية والإنكار.
توجد اليوم أدوات يمكن البناء عليها، إذ أنشأت الجمعية العامة عام 2023 المؤسسة المستقلة المعنية بالمفقودين في سوريا، لتوضيح مصيرهم وأماكن وجودهم ودعم عائلاتهم. وفي مايو 2025، أُنشئت الهيئة الوطنية للمفقودين بمرسوم رئاسي، ثم أطلقت في أغسطس الماضي برنامج «أثر» لتلقي البلاغات والإسهام في بناء سجل وطني موحد. ويتوقف أثر هذه الخطوات على قدرتها في تنظيم البحث، وتبادل المعلومات، وحماية بيانات العائلات وإبقائها على اطلاع بما يتحقق.
العمل المطلوب شاق، يبدأ بحماية مواقع المقابر الجماعية والوثائق، ويمر بربط قواعد البيانات والاستماع إلى الناجين، وإجراء المطابقات الجينيّة، ويحتاج إلى خبرات وتمويل وتعاون دولي مستمر. قد يستغرق الوصول إلى بعض الإجابات سنوات، لذلك تصبح المصارحة جزءاً من المسؤولية، حتى تعرف الأسر ما أُنجز وما تعذر إنجازه وأسباب التأخير، ولا تُترك أمام صمت جهة ما أو وعود يصعب الوفاء بها.
ويمثل البحث عن جميع المفقودين، أياً كانت هوياتهم أو الجهات المسؤولة عن تغييبهم، قضية وطنية جامعة، وحقاً للعائلات في معرفة مصير أحبائها، فالعائلة التي تسأل عن ابنها لا ينبغي أن تثبت استحقاقه للبحث وفق انتمائه، مع الحفاظ على الأدلة التي تحتاجها المحاسبة، حتى تسير معرفة الحقيقة والعدالة في اتجاه متكامل.
كما تستحق المبادرة دعماً عالمياً وعربياً يتجاوز التصويت والبيانات، ففي لبنان والعراق واليمن وليبيا وفلسطين عائلات تعرف هذا الانتظار، ويمكن أن يفتح اليوم الدولي مجالاً لتبادل الخبرات ودعم الباحثات عن المفقودين. وبوسع المؤسسات العربية أن تسهم في تدريب المختصين وتمويل تقنيات التعرف إلى الهوية، وتوفير المساندة النفسية والاجتماعية، ومثل هذا التعاون يمنح المبادرة السورية أثراً ملموساً خارج حدودها.
من شأن هذا المسار أن يضيف إلى التعافي السوري بعداً يصعب قياسه بالمشروعات والأموال، فإعادة بناء البلاد تشمل أيضاً قدرة الناس على تصديق أن الحكومة ستستمع إليهم، وأن وثيقة يقدمونها لن تضيع، وأن حقهم في السؤال سيبقى مصوناً.
عندما يحل التاسع عشر من ديسمبر المقبل، ستكون المناسبة فرصة لإظهار ما تحقق، والإقرار بما يحتاج إلى وقت وجهد إضافيين.
لا شك أن مأساة بهذا الحجم لن تُحسم في أشهر، لكن من حق النساء اللواتي حملن صور أحبائهن طوال سنوات الخوف، أن يرين بحثاً يتقدم ومؤسسات تصغي لهن.
نافذة: يفتح اليوم الدولي مجالاً لتبادل الخبرات ودعم الباحثات عن المفقودين، وبوسع المؤسسات العربية أن تسهم في تدريب المختصين وتمويل تقنيات التعرف إلى الهوية