لا يكون الفساد باختلاس المال العام فحسب؛ بل يضاف إلى قضية اختلاس المال جانب أشد أثرًا وهو اختلاس معنى الدولة، حينما يحول النظام من قاعدة عامة إلى امتياز خاص، يبدد ثقة المواطن بدولته كما يبدد موارد الخزانة، ومن هنا ظهرت مكافحة الفساد ملفًا أخلاقيًا ينبع من عمق مشروع سمو الأمير محمد بن سلمان، والذي جعله شرطًا رئيسًا لبناء الدولة الجديدة؛ إذ لا يمكن لرؤية تريد تنويع الاقتصاد ورفع كفاءة الإنفاق وجذب الاستثمار أن تقوم فوق منافذ مفتوحة للهدر والنفوذ غير المنضبط.
كانت الدولة قبل الرؤية تملك أجهزة رقابية وأنظمة، غير أن وجود النص أو النظام المكتوب لا يعني دائمًا نفاذه، كما أن التجريم لا يكفي إذا نشأت حول بعض المواقع حصانة غير معلنة، لذلك كان التحول الذي قاده سمو الأمير انتقالًا من سؤال: هل الفساد مجرم؟ إلى سؤال أشد أثرًا: هل يستطيع النظام أن يصل إلى كل فاسد، أيًا كان اسمه وموقعه؟
في الرابع من نوفمبر 2017 صدر الأمر الملكي بتشكيل لجنة عليا برئاسة سمو ولي العهد، ومنحت صلاحيات حصر قضايا الفساد والتحقيق فيها، وتتبع الأموال والأصول وإعادتها إلى الخزينة العامة، وشملت الإجراءات أمراء ووزراء سابقين ورجال أعمال، في مشهد لم تكن أهميته في شهرة الأسماء وحدها، بل في إسقاط الفكرة القديمة التي توهم أن المكانة قد تصنع لصاحبها منطقة خارج المحاسبة، وعندما أنهت اللجنة مهمتها في يناير 2019، أعلن الديوان الملكي استدعاء 381 شخصًا، بعضهم للشهادة، كما أعلن عن إجراء تسويات مع 87 شخصًا، وإعادة أكثر من 400 مليار ريال إلى خزينة الدولة.
ولكن لماذا وقع ذلك في 2017 تحديدًا؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يمكننا القول بأن الرؤية التي أُعلنت في العام السابق (2016) لم تكن برنامجًا لتحسين الإدارة على هامش الدولة، بل إعادة بناء واسعة للاقتصاد والحكومة والمجتمع، وكان تنفيذها يتطلب ثقة عميقة بأن كلفة التحول موزعة بعدل، فانتقلت السعودية بهذا القرار النوعي من زمن كانت الوفرة تستر فيه ضعف الكفاءة، إلى زمن أصبحت فيه كفاءة الريال الواحد جزءًا من الأمن الوطني؛ فلم تعد مكافحة الفساد ترفًا إصلاحيًا، بل دفاع عن قدرة الدولة على إنجاز مستقبلها.
ولهذا لا ينبغي اختزال حملة 2017 في الأموال المستعادة؛ فقيمتها الأعمق كانت في تأسيس مبدأ سياسي واجتماعي جديد: لا أحد أكبر من الدولة، ولا أحد فوق المساءلة، وعندها استعادت الوظيفة العامة معناها، وتحول احترام النظام إلى جزء من هيبة الدولة.
غير أن الحملات لا تكفي وحدها لصناعة نزاهة مستدامة؛ ليظهر التطور الثاني في فكر سمو الأمير: الانتقال من الصدمة الضرورية إلى المؤسسية الدائمة، فقد أعيد تنظيم أجهزة الرقابة، ثم صدر في 2024 نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، رابطًا الهيئة بمقام الملك رأس هرم السلطة السعودية، ومانحًا إياها الاستقلال المالي والإداري، ومنشئًا وحدات لحماية النزاهة، والرقابة الإدارية، والتحقيق والادعاء الجنائي، والتعاون الدولي، وصنع نظام حماية المبلغين والشهود، وفتح نظام الهيئة طريقًا لوضع ضوابط إقرارات الذمة المالية ومكافآت المبلغين، ثم نظمت التسويات؛ لتصبح المكافحة بنية قانونية متصلة، لا موسمًا عابرًا.
وتعمل الرقمنة في الاتجاه نفسه، فمنصة «اعتماد»، ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والفوترة الإلكترونية؛ لا تختصر الوقت فحسب، وإنما تقلل مساحة الوسيط البشري، وتوحد الإجراء، وتترك أثرًا رقميًا يمكن مراجعته، وهذه هي الحوكمة عمليًا: أن يصمم الإجراء بحيث يمنع فرصة الفساد قبل أن يبحث عن مرتكبها بعد وقوعها.
أما قياس الشفافية، فلا يكون بإعلان عدد الموقوفين على ذمة قضايا الفساد وحده؛ لأن كثرة القضايا قد تدل على يقظة الرقابة، وقد تدل على اتساع الخلل، وإنما القياس الأدق يجمع بين الأموال المستعادة، ونسبة المشتريات المطروحة للمنافسة، وعدد الاستثناءات، وسرعة إغلاق ملاحظات التدقيق، وحماية المبلغين، ونشر الأحكام والبيانات المالية، فالمؤشر الجيد لا يسأل فقط: كم فاسدًا عوقب؟ بل: كم فرصة للفساد أغلقت؟ وهذا ما كان.
وفي مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، ارتفعت السعودية من 46 نقطة والمرتبة 62 عام 2016، وسجلت 57 نقطة والمرتبة 45 في إصدار 2025، وهذه الأرقام لا تقيس تراجع أو صعود الفساد الفعلي مباشرة، بل تجمع تصورات الخبراء ورجال الأعمال؛ فلا يصح تحويلها إلى صك براءة أو إدانة، لكنها تكشف اتجاهًا عامًا تصاعديًا للنزاهة العامة فيما يخص المال العام، كما يكشف التطور المتلاحق أن الإصلاح لا يعرف الاكتفاء، وفي تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 بلغت المملكة المرتبة الثالثة عشرة عالميًا والثالثة بين دول العشرين، وجاءت ثالثة عالميًا في شفافية السياسات الحكومية، وتاسعة في ممارسات المراجعة والمحاسبة؛ وهي نتائج تكشف تطور البيئة المؤسسية في هذا المجال بفضل فكر سمو الأمير محمد بن سلمان.
وتبقى أمام المسار تحديات لا ينتقص الاعتراف بها من المنجز، بل يحميه، فالسلطة المركزية كانت أداة الحسم في لحظة التأسيس، لكن اكتمال النجاح يكون حين تتحول إرادة القيادة إلى قواعد تعمل بالقوة نفسها في غياب التدخل المباشر، كما أن حقوق المتهم، ووضوح الإجراءات، ونشر النتائج القضائية، ليست قيودًا على المكافحة؛ بل جزء من نزاهتها، والمستثمر الأجنبي والمحلي لا يطلبان قانونًا لينًا، وإنما قانونًا صارمًا يمكن التنبؤ به.
والمطلوب في المرحلة المقبلة تقرير وطني سنوي موحد للنزاهة، يربط إنفاذ القانون بالوقاية، وينشر خريطة المخاطر القطاعية، ونسب معالجة الملاحظات، ويعزز استقلال المراجعة المهنية، ويقيس تجربة المبلغ بعد صدور نظام حمايته، وبناء مؤشر سعودي مركب يفرق بين اكتشاف الفساد ومنعه.
لقد كانت حملة 2017 إعلانًا بأن زمن الحصانة قد انتهى، لكن إرثها الأهم لن يكون فيمن أوقفتهم، بل في المؤسسات التي منعت عودة ما كانوا يمثلونه، ففي فكر سمو الأمير محمد بن سلمان، ليست مكافحة الفساد مطاردةً للماضي وحده، وإنما هندسة للمستقبل؛ والدولة الفاعلة ليست التي تعاقب أكثر، بل التي تجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، ومحاكمته أعدل، وأثره في المال العام منعدمًا.
كانت الدولة قبل الرؤية تملك أجهزة رقابية وأنظمة، غير أن وجود النص أو النظام المكتوب لا يعني دائمًا نفاذه، كما أن التجريم لا يكفي إذا نشأت حول بعض المواقع حصانة غير معلنة، لذلك كان التحول الذي قاده سمو الأمير انتقالًا من سؤال: هل الفساد مجرم؟ إلى سؤال أشد أثرًا: هل يستطيع النظام أن يصل إلى كل فاسد، أيًا كان اسمه وموقعه؟
في الرابع من نوفمبر 2017 صدر الأمر الملكي بتشكيل لجنة عليا برئاسة سمو ولي العهد، ومنحت صلاحيات حصر قضايا الفساد والتحقيق فيها، وتتبع الأموال والأصول وإعادتها إلى الخزينة العامة، وشملت الإجراءات أمراء ووزراء سابقين ورجال أعمال، في مشهد لم تكن أهميته في شهرة الأسماء وحدها، بل في إسقاط الفكرة القديمة التي توهم أن المكانة قد تصنع لصاحبها منطقة خارج المحاسبة، وعندما أنهت اللجنة مهمتها في يناير 2019، أعلن الديوان الملكي استدعاء 381 شخصًا، بعضهم للشهادة، كما أعلن عن إجراء تسويات مع 87 شخصًا، وإعادة أكثر من 400 مليار ريال إلى خزينة الدولة.
ولكن لماذا وقع ذلك في 2017 تحديدًا؟ وللإجابة عن هذا السؤال، يمكننا القول بأن الرؤية التي أُعلنت في العام السابق (2016) لم تكن برنامجًا لتحسين الإدارة على هامش الدولة، بل إعادة بناء واسعة للاقتصاد والحكومة والمجتمع، وكان تنفيذها يتطلب ثقة عميقة بأن كلفة التحول موزعة بعدل، فانتقلت السعودية بهذا القرار النوعي من زمن كانت الوفرة تستر فيه ضعف الكفاءة، إلى زمن أصبحت فيه كفاءة الريال الواحد جزءًا من الأمن الوطني؛ فلم تعد مكافحة الفساد ترفًا إصلاحيًا، بل دفاع عن قدرة الدولة على إنجاز مستقبلها.
ولهذا لا ينبغي اختزال حملة 2017 في الأموال المستعادة؛ فقيمتها الأعمق كانت في تأسيس مبدأ سياسي واجتماعي جديد: لا أحد أكبر من الدولة، ولا أحد فوق المساءلة، وعندها استعادت الوظيفة العامة معناها، وتحول احترام النظام إلى جزء من هيبة الدولة.
غير أن الحملات لا تكفي وحدها لصناعة نزاهة مستدامة؛ ليظهر التطور الثاني في فكر سمو الأمير: الانتقال من الصدمة الضرورية إلى المؤسسية الدائمة، فقد أعيد تنظيم أجهزة الرقابة، ثم صدر في 2024 نظام هيئة الرقابة ومكافحة الفساد، رابطًا الهيئة بمقام الملك رأس هرم السلطة السعودية، ومانحًا إياها الاستقلال المالي والإداري، ومنشئًا وحدات لحماية النزاهة، والرقابة الإدارية، والتحقيق والادعاء الجنائي، والتعاون الدولي، وصنع نظام حماية المبلغين والشهود، وفتح نظام الهيئة طريقًا لوضع ضوابط إقرارات الذمة المالية ومكافآت المبلغين، ثم نظمت التسويات؛ لتصبح المكافحة بنية قانونية متصلة، لا موسمًا عابرًا.
وتعمل الرقمنة في الاتجاه نفسه، فمنصة «اعتماد»، ونظام المنافسات والمشتريات الحكومية، والفوترة الإلكترونية؛ لا تختصر الوقت فحسب، وإنما تقلل مساحة الوسيط البشري، وتوحد الإجراء، وتترك أثرًا رقميًا يمكن مراجعته، وهذه هي الحوكمة عمليًا: أن يصمم الإجراء بحيث يمنع فرصة الفساد قبل أن يبحث عن مرتكبها بعد وقوعها.
أما قياس الشفافية، فلا يكون بإعلان عدد الموقوفين على ذمة قضايا الفساد وحده؛ لأن كثرة القضايا قد تدل على يقظة الرقابة، وقد تدل على اتساع الخلل، وإنما القياس الأدق يجمع بين الأموال المستعادة، ونسبة المشتريات المطروحة للمنافسة، وعدد الاستثناءات، وسرعة إغلاق ملاحظات التدقيق، وحماية المبلغين، ونشر الأحكام والبيانات المالية، فالمؤشر الجيد لا يسأل فقط: كم فاسدًا عوقب؟ بل: كم فرصة للفساد أغلقت؟ وهذا ما كان.
وفي مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية، ارتفعت السعودية من 46 نقطة والمرتبة 62 عام 2016، وسجلت 57 نقطة والمرتبة 45 في إصدار 2025، وهذه الأرقام لا تقيس تراجع أو صعود الفساد الفعلي مباشرة، بل تجمع تصورات الخبراء ورجال الأعمال؛ فلا يصح تحويلها إلى صك براءة أو إدانة، لكنها تكشف اتجاهًا عامًا تصاعديًا للنزاهة العامة فيما يخص المال العام، كما يكشف التطور المتلاحق أن الإصلاح لا يعرف الاكتفاء، وفي تقرير التنافسية العالمية لعام 2026 بلغت المملكة المرتبة الثالثة عشرة عالميًا والثالثة بين دول العشرين، وجاءت ثالثة عالميًا في شفافية السياسات الحكومية، وتاسعة في ممارسات المراجعة والمحاسبة؛ وهي نتائج تكشف تطور البيئة المؤسسية في هذا المجال بفضل فكر سمو الأمير محمد بن سلمان.
وتبقى أمام المسار تحديات لا ينتقص الاعتراف بها من المنجز، بل يحميه، فالسلطة المركزية كانت أداة الحسم في لحظة التأسيس، لكن اكتمال النجاح يكون حين تتحول إرادة القيادة إلى قواعد تعمل بالقوة نفسها في غياب التدخل المباشر، كما أن حقوق المتهم، ووضوح الإجراءات، ونشر النتائج القضائية، ليست قيودًا على المكافحة؛ بل جزء من نزاهتها، والمستثمر الأجنبي والمحلي لا يطلبان قانونًا لينًا، وإنما قانونًا صارمًا يمكن التنبؤ به.
والمطلوب في المرحلة المقبلة تقرير وطني سنوي موحد للنزاهة، يربط إنفاذ القانون بالوقاية، وينشر خريطة المخاطر القطاعية، ونسب معالجة الملاحظات، ويعزز استقلال المراجعة المهنية، ويقيس تجربة المبلغ بعد صدور نظام حمايته، وبناء مؤشر سعودي مركب يفرق بين اكتشاف الفساد ومنعه.
لقد كانت حملة 2017 إعلانًا بأن زمن الحصانة قد انتهى، لكن إرثها الأهم لن يكون فيمن أوقفتهم، بل في المؤسسات التي منعت عودة ما كانوا يمثلونه، ففي فكر سمو الأمير محمد بن سلمان، ليست مكافحة الفساد مطاردةً للماضي وحده، وإنما هندسة للمستقبل؛ والدولة الفاعلة ليست التي تعاقب أكثر، بل التي تجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، ومحاكمته أعدل، وأثره في المال العام منعدمًا.