تمضي المملكة نحو مرحلة جديدة في قطاع المياه، تتجاوز فيها تأمين الإمدادات إلى تطوير وتصنيع تقنيات المياه وتوطين مكوناتها، مستفيدة من منظومة مائية متقدمة تضم قدرة إنتاجية تتجاوز 16.14 مليون متر مكعب يوميًا، وشبكات نقل بطول يزيد على 18.5 ألف كيلومتر، وشبكات توزيع تتجاوز 135 ألف كيلومتر.
وفي هذا الصدد، أكد كبير باحثي الاستدامة والبيئة، وخبير تقنيات تحلية المياه، والرئيس التنفيذي لشركة سمارت ريك، البروفيسور محمد سليمان المعيقلي، أن هذه الأرقام تعكس حجم البنية التحتية التي يمكن أن تتحول إلى منصة وطنية للبحث والتطوير والابتكار، خصوصًا مع بلوغ نسبة المحتوى المحلي في القطاع نحو 65.5%، وارتفاع نسبة إعادة استخدام المياه المعالجة إلى أكثر من 33%.
التناضح العكسي وCDI أبرز تقنيات تحلية المياه
أوضح البروفيسور المعيقلي أن التناضح العكسي (RO) يأتي في مقدمة تقنيات التحلية الحديثة، مع توجه متزايد نحو تطوير الأغشية، ورفع كفاءة استعادة الطاقة، وتقليل استهلاك الطاقة والمواد الكيميائية، وربط المحطات بالذكاء الاصطناعي للتنبؤ بالأعطال وتحسين التشغيل.
كما تبرز تقنية نزع الأيونات بالسعة (CDI) بوصفها أحد المسارات البحثية الواعدة، من خلال استخدام الأقطاب الكهربائية لإزالة الأيونات من المياه، مع تطور الأبحاث في المواد الكربونية والنانوية والأغشية الانتقائية.
وأكد البروفيسور المعيقلي أنه بالرغم من حاجة هذه التقنية إلى مزيد من التطوير قبل منافسة التناضح العكسي في تحلية مياه البحر على نطاق واسع، فإنها تحمل فرصًا مهمة في معالجة المياه قليلة ومتوسطة الملوحة، وإعادة الاستخدام، والفصل الانتقائي.
2.8 مليار ريال و6 مصانع
أفاد المعيقلي بأن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من استهلاك تقنيات المياه إلى تطويرها وتصنيعها محليًا، وربط مراكز البحث والجامعات بالمشروعات الصناعية، بحيث تنتقل التقنية من المختبر إلى النموذج الأولي، ثم إلى التطبيق التجاري والتصدير.
وأكد أن المملكة تتجه بالفعل إلى هذا التحول، إذ يشتمل برنامج توطين الصناعات والخدمات المائية على 18 فرصة استثمارية لتوطين مكونات تمثل نحو 90% من المكونات الأساسية لصناعة المياه، فيما يتجاوز الطلب المحلي المتوقع عليها 15 مليار ريال حتى عام 2033م، ويُقدر الطلب الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 65 مليار ريال.
وانتقلت 6 فرص إلى مرحلة التنفيذ الصناعي باستثمارات تبلغ نحو 2.8 مليار ريال، تشمل مصانع لأغشية التناضح العكسي، ومضخات الضغط العالي، وأجهزة استعادة الطاقة، وأنظمة التحكم.
ومن أبرز النماذج مصنع أجهزة استعادة الطاقة، بطاقة إنتاجية تبلغ 2000 جهاز سنويًا، ويستهدف تغطية الطلب المحلي وتصدير 40% من إنتاجه إلى أسواق الخليج وأفريقيا وآسيا.
كما بدأت أغشية التناضح العكسي المنتجة محليًا تُصدَّر إلى 27 دولة، وأسهم تطويرها في رفع إنتاجية محطة الخبر من 600 ألف إلى 700 ألف متر مكعب يوميًا دون تكاليف إضافية.
تقنيات تحت سطح البحر
أشار البروفيسور المعيقلي إلى أن التفكير يتجه إلى تقنيات مستقبلية أكثر جرأة، من بينها محطات التحلية تحت سطح البحر وفي أعماق البحار، التي تدرس إمكانية الاستفادة من الضغط الهيدروستاتيكي الطبيعي في عمليات التحلية.
ورغم أنها لا تزال في نطاق البحث والتطوير، فإن البيئة البحرية للمملكة يمكن أن توفر مختبرًا طبيعيًا لتطوير هذا النوع من التقنيات.
وختم المعيقلي بأن المملكة تتجه من بناء أمنها المائي إلى بناء اقتصاد وتقنيات المياه، بما يجعل عام الماء 2027 فرصة لترسيخ مكانتها، ليس فقط بوصفها مستخدمًا رئيسيًا لتقنيات التحلية، بل مطورًا ومصنعًا ومصدرًا للحلول المائية إلى الأسواق العالمية.