الدمام: شذى المرزوق

لا يقتصر انتقال الطالب للدراسة خارج مدينته على البعد عن الأسرة، بل يفتح أمامه تجربة معيشية جديدة تتداخل فيها كلفة السكن مع بقية المصروفات اليومية والدراسية، وتبرز معها خيارات متعددة بين السكن الجامعي واستئجار شقة خاصة أو مشاركة السكن. وبينما يوفر السكن المشترك فرصة لتقاسم الإيجار، تبقى مخاوف الأمان والخصوصية والتوافق حاضرة، في وقت لا تكشف فيه البيانات المنشورة الحجم الفعلي لهذه التجربة بين الطلاب.

الأمان والخصوصية

اختارت أسرة الطالبة حور فيصل أن تتحمل إيجار شقة كاملة لابنتها، مقابل الاطمئنان عليها بعيدًا عن تجربة مشاركة السكن مع شخص لا تعرفه الأسرة.

حور، التي انتقلت من محافظة القطيف للدراسة في جامعة الملك فيصل بالأحساء، بدأت تجربتها الجامعية بترتيب حياة جديدة خارج منزل أسرتها؛ شقة مستقلة وتجهيزات ومصاريف معيشة، إلى جانب السيارة والتنقل بين الأحساء والقطيف.

كان بإمكانها البحث عن طالبة أخرى تشاركها السكن وتخفف عنها جزءًا من الإيجار والمصاريف، إلا أن فكرة العيش مع شخص مجهول بالنسبة للأسرة حملت معها مخاوف تتعلق بالأمان والخصوصية والتوافق، فاختارت العائلة الطريق الأكثر كلفة والأكثر اطمئنانًا بالنسبة إليها.

غير أن هذا الخيار لا يبدو متاحًا لجميع الطلاب الذين ينتقلون للدراسة خارج مدنهم، خصوصًا مع تعدد الالتزامات المالية المصاحبة للغربة، بدءًا من الإيجار، مرورًا بالكهرباء والإنترنت والطعام، وصولًا إلى التنقل والمصروفات الدراسية واليومية.

عبء الإيجار

وتزداد كلفة هذه التجربة في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات، إذ أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء ارتفاع الإيجارات الفعلية التي يدفعها المستأجرون للشقق بنسبة 5% على أساس سنوي خلال يوليو 2026.

ولم يكن الارتفاع مرتبطًا بشهر واحد، فقد سجلت إيجارات الشقق ارتفاعًا سنويًا بلغ 6.5% في يناير، و6.2% في فبراير، و5.9% في مارس، و5.5% في مايو، و5.3% في يونيو، قبل أن تبلغ الزيادة 5% في يوليو.

ورغم أن هذه النسب تعكس حركة سوق الإيجارات عمومًا، وليست خاصة بالطلاب، فإن الطالب المستأجر خارج مدينته يصبح بطبيعة الحال جزءًا من هذا السوق، ويتأثر بتحركات أسعاره إلى جانب بقية مصروفات الدراسة والمعيشة، ومن هنا ظهرت مشاركة السكن كأحد الحلول التي يلجأ إليها بعض الطلاب.

السكن الجامعي

وتكشف أرقام الإسكان في بعض الجامعات السعودية أن الحاجة إلى السكن المرتبط بالدراسة تمثل واقعًا قائمًا وليس حالات فردية متفرقة. وتشير الإحصاءات المنشورة لجامعة الملك عبدالعزيز إلى وجود 3165 وحدة سكنية، منها 2165 وحدة للطلاب و1000 وحدة للطالبات.

وفي جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز، تصل الطاقة الاستيعابية للإسكان الطلابي إلى 1650 طالبًا، موزعين على خمسة مبانٍ سكنية، يضم كل مبنى 110 غرف، وتتسع الغرفة لثلاثة طلاب.

وبالنظر إلى القواعد التنظيمية للإسكان الطلابي في جامعة الأمير سطام فهي تضع الأولوية من الفئات المستفيدة للطلاب القادمين من خارج مدينة الخرج أو من خارج المملكة.

خيار آخر

وبموازاة السكن الذي توفره الجامعات، يتجه طلاب آخرون إلى استئجار الشقق، سواء لعدم توفر السكن الجامعي أو عدم انطباق شروطه عليهم أو لاختيارهم السكن خارجه. حيث لا تنتهي المهمة بالحصول على شقة، وإنما تبدأ مرحلة البحث عن شريك أو شريكة لتقاسم الإيجار والمصاريف.

ومع بداية الأعوام والفصول الدراسية، تنشط مجموعات الطلاب في تطبيقات التواصل، وتظهر بينها إعلانات عن غرف شاغرة، وأخرى للبحث عن شريك سكن، إلى جانب الاستفسار عن الأحياء الأقرب إلى الجامعات وأسعار الشقق ووسائل النقل، وبذلك لم تعد هذه المجموعات "الوتسابية" مجرد وسيلة للتعارف بين المستجدين، وإنما تحولت في جانب منها إلى دليل غير رسمي للسكن واحتياجات الطلبة.

شريك الإيجار

وتظل المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد تقسيم قيمة الإيجار على اثنين. فالشخص الذي يختاره الطالب سيشاركه المنزل لأشهر، بما يعنيه ذلك من اختلاف محتمل في الطباع ومواعيد النوم والدراسة ومستوى النظافة والخصوصية واستقبال الضيوف وطريقة إدارة المصروفات والمرافق المشتركة.

وهو تحديدًا الجانب الذي جعل الكثير من الأسر تتردد في فكرة السكن المشترك، فالتوفير المالي الذي قد يحققه وجود شريك يقابله بالنسبة للأسرة قلق من تجربة يصعب معرفة تفاصيلها قبل أن تبدأ.

أرقام غائبة

وبحسب ما تنشره الجامعات من أرقام عن مساكنها وطاقاتها الاستيعابية، يبدو أن شريحة معتبرة من الطلاب تحتاج إلى الإقامة بعيدًا عن منزل الأسرة، إلا أن الصورة الكاملة لا تزال غير ظاهرة في البيانات المنشورة.

فوزارة التعليم توفر بيانات وإحصاءات عن طلاب التعليم الجامعي والمؤسسات التعليمية، كما تنشر الجامعات بيانات مستقلة عن مساكنها، لكن لا يظهر ضمن البيانات المتاحة إحصاء وطني مباشر يحدد عدد الطلاب السعوديين الذين يدرسون خارج مدن إقامة أسرهم، أو حجم الذين يتجهون إلى استئجار مساكن خاصة.

كما لا تتوافر بيانات تحدد عدد الطلاب الذين يلجؤون إلى السكن المشترك بهدف تقاسم الإيجار، وهو ما يجعل تقدير الحجم الحقيقي لهذه السوق الطلابية غير الرسمية أمرًا صعبًا.

ويرى الطالب مصطفى كاظم أن الانتقال للدراسة بعيدًا عن الأسرة، رغم صعوبته، يمنح الطالب فرصة مبكرة لتعلم إدارة المصروف وتنظيم الوقت وتحمل المسؤولية واتخاذ القرارات والتعامل مع الأزمات بعيدًا عن المنزل.