* بسام الجيال
باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
bassam.algayal@integrateuscon.com
في المقال السابق من سلسلة «خارطة طريق لإعادة بناء السردية السعودية»، المنشور في صحيفة «الوطن» في الأول من سبتمبر 2026 بعنوان «أين توجد ذاكرة ميناء العقير؟»، سألت عن المكان الذي تتوزع فيه ذاكرة الميناء، وتتبعنا كيف امتدت هذه الذاكرة بين مبانيه التاريخية في الأحساء، ووثائق المؤسسات السعودية، وبيوت الأسر، وأرشيفات الخليج والهند وبريطانيا. أما اليوم، ومع اقتراب اليوم الوطني السعودي في الثالث والعشرين من سبتمبر، فلا أريد أن أعود إلى السؤال عن مكان تلك الذاكرة، بل أن أسأل عما تقوله لنا إذا وضعناها أمام واقع المملكة الحالي: أين كان موقع السعودية في النقل البحري والتجارة الدولية يوم إعلان توحيدها في 23 سبتمبر 1932، وأين أصبح هذا الموقع بعد أربعة وتسعين عامًا؟
هذا السؤال لا يقارن ميناءً قديمًا بميناء حديث، ولا سفينة شراعية بناقلة نفط عملاقة، وإنما يقيس تحولًا أوسع في موقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي. كانت السعودية عام 1932 تعمل على تأمين المنافذ التي تصل من خلالها البضائع إلى مدنها وأقاليمها، بينما أصبحت اليوم تستثمر في السفن والطائرات والمطارات ومحطات الحاويات وشركات الشحن والخدمات اللوجستية التي تتحرك عبرها التجارة بين القارات. وفي عام التوحيد كانت الدولة تبني قدرتها على استقبال ما يأتيها من العالم، أما اليوم فإن الشركات ورؤوس الأموال السعودية أصبحت حاضرة في أجزاء من المنظومة التي تنقل ذلك العالم نفسه.
يوم كان الوصول إلى العالم هو التحدي
حين أُعلن توحيد المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر 1932، كانت الدولة قد نجحت في جمع مساحة جغرافية شاسعة تحت سلطة سياسية واحدة، لكنها كانت تواجه مهمة لا تقل صعوبة عن التوحيد نفسه: ربط الأقاليم والمدن والأسواق، وتأمين وصول الغذاء والدواء ومواد البناء والحاجات الأساسية إلى مجتمع تفصل بين أجزائه الصحارى والمسافات الطويلة والطرق الشاقة. لم تكن هناك شبكة طرق حديثة، ولا موانئ عميقة مجهزة لاستقبال السفن التجارية الكبرى، ولا أسطول وطني ينقل البضائع والطاقة بين القارات، ولا شركات سعودية تدير محطات حاويات أو مراكز شحن في دول أخرى. كان التحدي الأساسي هو الوصول: كيف تصل البضائع من البحر إلى الساحل، وكيف تنتقل من الساحل إلى الأحساء والرياض ونجد وبقية مناطق البلاد؟
على الساحل الشرقي، كان ميناء العقير أحد الأجوبة التي امتلكتها الدولة آنذاك. فقد كان بوابة نجد البحرية ومنفذًا رئيسيًا لوصول البضائع والمواد الغذائية القادمة من موانئ الخليج والهند والعراق ومناطق أخرى. وكان تطوير الملك عبدالعزيز للجمارك والجوازات والفرضة والخان ومستودعات البضائع ومباني الإدارة في العقير جزءًا من بناء مؤسسات الدولة، وليس مجرد تحسين لمرفق تجاري. فالميناء كان يجمع في مكان واحد التجارة والإدارة والسيادة؛ تمر عبره البضاعة، وتُفرض فيه الرسوم، وتُسجل حركة المسافرين، وتصل إليه الوفود، وتنطلق منه الطرق والقوافل نحو الداخل.
لكن العقير كان يحمل أيضًا صورة واضحة عن حدود الإمكانات المتاحة. فمياهه الضحلة لم تكن تسمح للسفن الكبيرة بالوصول مباشرة إلى الساحل، وكانت البضائع تُنقل من السفينة إلى قوارب أصغر، ثم تُحمل إلى اليابسة قبل أن تبدأ رحلتها البرية الطويلة. وكانت الدولة تعتمد على سفن وشركات ومسارات تجارية لا تملكها، وتتأثر تجارتها بالحروب والقيود الخارجية والتغيرات التي تقع في موانئ الدول المجاورة. لم يكن السؤال آنذاك: كم تبلغ حصة السعودية في شركة ملاحة عالمية؟ بل كان: هل تصل السفينة أصلًا، وهل تستطيع تفريغ حمولتها، وكيف ستصل هذه الحمولة إلى الرياض؟
لا يعني ذلك أن العقير كان رمزًا للضعف، بل العكس؛ فقد أدى ضمن ظروف عصره مهمة تفوق حجمه وإمكاناته. كان شريانًا اقتصاديًا للدولة الناشئة، وموقعًا مارست فيه سلطتها الإدارية، وحلقة وصل بين داخل الجزيرة العربية وشبكات التجارة البحرية. وحين ننظر إليه اليوم، يجب ألا نحاكمه بمقاييس الموانئ المعاصرة، وإنما نفهم ما مثله في مرحلة كان فيها وصول كيس من الأرز أو قطعة من القماش أو مادة بناء إلى قلب نجد نتيجة سلسلة طويلة من العمل والمخاطر والمسافات.
من امتلاك المنفذ إلى امتلاك أدوات الحركة
إذا انتقلنا من مشهد 1932 إلى الحاضر، سنجد أن التحول لم يقتصر على بناء موانئ أكبر وأعمق وأكثر تجهيزًا داخل المملكة. التحول الأهم هو انتقال السعودية من التركيز على امتلاك المنفذ الوطني إلى المشاركة في امتلاك أدوات الحركة العالمية نفسها. لم تعد العلاقة بالبحر تنتهي عند استقبال السفينة في الميناء السعودي، بل امتدت إلى الاستثمار في الشركة التي تملك السفن، والناقلة التي تعبر المحيط، ومحطة الحاويات التي تُدار في دولة أخرى، والمؤسسة التي تموّل الطائرة، والمطار الذي يستقبل ملايين المسافرين وأحجامًا ضخمة من الشحن، والمنصة التي تربط الأشخاص والبضائع والأسواق.
يمتلك صندوق الاستثمارات العامة نحو 10.2% من شركة «هاباغ لويد» الألمانية، وهي من كبرى شركات نقل الحاويات في العالم. قد تبدو هذه النسبة رقمًا ماليًا في بيان استثماري، لكنها تحمل معنى تاريخيًا أوسع إذا وُضعت أمام صورة العقير عام 1932. فالدولة التي كانت تعتمد على السفن الأجنبية لوصول حاجاتها أصبحت، من خلال صندوقها السيادي، مساهمًا رئيسيًا في شركة تدير أسطولًا وشبكة خطوط تصل بين موانئ العالم. لم تعد السعودية موجودة عند نهاية الرحلة البحرية فقط؛ أصبح رأس مالها حاضرًا داخل الشركة التي ترسم مسارات الرحلة وتديرها.
وتقدم شركة «البحري» صورة أخرى لهذا التحول. فالسفينة هنا ليست حصة مالية في شركة أجنبية، وإنما أصل سعودي متحرك بين البحار والموانئ. وفي عام 2024 أعلنت الشركة شراء تسع ناقلات نفط عملاقة مقابل نحو 999 مليون دولار. والناقلة العملاقة ليست مجرد وسيلة لنقل النفط، بل قدرة تشغيلية وإستراتيجية، وأصل يتحرك بين الأسواق، وخبرة تتراكم في إدارة الأساطيل والتجارة والتأمين والسلامة والممرات البحرية. وبين القارب الصغير الذي كان ينقل حمولة السفينة إلى ساحل العقير والناقلة العملاقة التي تعبر المحيطات مسافة تقنية واقتصادية هائلة، لكنها أيضًا مسافة في تطور قدرة الدولة السعودية على الانتقال من استخدام النقل البحري إلى المشاركة الفعلية في ملكيته وتشغيله.
أما شركة «محطة بوابة البحر الأحمر»، وهي شركة سعودية متخصصة في تطوير وتشغيل محطات الحاويات، فتقدم نموذجًا يتجاوز امتلاك السفن إلى تشغيل الموانئ خارج المملكة. فقد حصلت الشركة على امتياز مدته اثنان وعشرون عامًا لتطوير وتشغيل محطة باتينغا للحاويات في بنغلاديش، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 170 مليون دولار. وتكمن أهمية هذا الاستثمار في أنه ينقل الخبرة التشغيلية التي بنتها الشركة في ميناء جدة الإسلامي إلى ميناء في جنوب آسيا، ويضع شركة سعودية في موقع المسؤولية عن إدارة حركة السفن والحاويات والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد في سوق دولية. وكانت البضائع تأتي في الماضي من الهند وجنوب آسيا إلى ميناء العقير، أما اليوم فقد وصلت الخبرة السعودية إلى المنطقة نفسها لتشارك في إدارة إحدى بواباتها البحرية.
السعودية داخل شبكة النقل العالمية
لا يمكن فهم النقل الحديث من خلال البحر وحده؛ فالبضاعة التي تصل إلى الميناء تحتاج إلى مستودع وطريق وشاحنة ومنصة معلومات، وقد تنتقل بالطائرة إذا كانت سريعة التلف أو مرتفعة القيمة أو مرتبطة بسلسلة إنتاج حساسة للوقت. ولهذا اتسع الحضور السعودي من الموانئ والملاحة إلى الطيران والشحن الجوي وتأجير الطائرات وإدارة المطارات والحلول الرقمية للنقل.
وفي أغسطس 2026، أتمت شركة «سال» السعودية للخدمات اللوجستية استحواذها على كامل شركة «أفيابارتنر لييج» في بلجيكا مقابل نحو 120 مليون ريال، لتؤسس بذلك أول حضور تشغيلي لها خارج المملكة وتوسع شبكتها إلى عشرين محطة. وتعمل الشركة المستحوذ عليها في مطار لييج، خامس أكبر مركز للشحن الجوي في أوروبا من حيث حجم الشحن، حيث يناول أكثر من مليون طن سنويًا. كما يقع المطار داخل «المثلث الذهبي» للشحن الأوروبي، وهي منطقة ترتبط بالأسواق الرئيسة في ألمانيا وهولندا وفرنسا ولوكسمبورغ، ويمر عبرها أكثر من 70% من حركة الشحن الأوروبية. ومن خلال هذا الاستحواذ، أصبحت شركة سعودية تمتلك قاعدة تشغيلية ومستودعات وخدمات لمناولة البضائع، وتدير علاقات مباشرة مع شركات الطيران ووكلاء الشحن وأصحاب البضائع داخل واحدة من أهم عقد الشحن الجوي في أوروبا، بما يعزز حضور المملكة في شبكات التجارة والنقل العالمية.
واستحوذت شركة «أفيليس»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، على نشاط تمويل وتأجير الطائرات التابع لبنك ستاندرد تشارترد في صفقة بلغت قيمتها نحو 3.6 مليارات دولار، فأضافت إلى أعمالها محفظة عالمية تضم أكثر من مئتي طائرة تتعامل مع نحو خمسين شركة طيران. هنا لا تستثمر السعودية في رحلة جوية أو مطار واحد، بل تدخل إلى البنية المالية التي تسمح لشركات الطيران حول العالم بتشغيل أساطيلها. فصناعة النقل لا تتحرك بالمحرك والوقود وحدهما؛ تتحرك أيضًا بالتمويل والتأجير والتأمين وإدارة الأصول والعقود طويلة الأجل.
وامتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة تقارب 15% في الشركة القابضة المالكة لمطار هيثرو في لندن. وهي حصة تضع الاستثمار السعودي داخل واحد من أشهر المطارات الدولية وأكثرها اتصالًا بشبكات السفر والنقل العالمية. وعندما توضع هذه الحصة بجانب استثمار «أفيليس»، واستحواذ «سال» في بلجيكا، وتشغيل محطة باتينغا في بنغلاديش، وحصة الصندوق في «هاباغ لويد»، وأساطيل «البحري»، فإننا لا نعود أمام صفقات منفصلة لا يجمع بينها سوى مصدر المال، بل أمام توسع سعودي عبر طبقات متكاملة من منظومة النقل: السفينة، والناقلة، ومحطة الحاويات، والطائرة، والمطار، ومستودع الشحن، والتمويل، والمناولة، وإدارة الأصول.
ويجب هنا التمييز بين أشكال هذه الاستثمارات؛ فامتلاك حصة في شركة دولية لا يساوي إدارة محطة حاويات، والاستحواذ الكامل على شركة تشغيل لا يشبه شراء ناقلات، والاستثمار المالي في مطار يختلف عن بناء قاعدة تشغيلية داخل مركز للشحن الجوي. ولكل شكل درجة مختلفة من التأثير ونقل المعرفة والقدرة على اتخاذ القرار. لكن اجتماع هذه الأشكال يكشف أن الإستراتيجية السعودية لم تعد محصورة في إنشاء بنية تحتية داخل الحدود، وإنما أصبحت تسعى إلى ربط هذه البنية بنقاط مؤثرة في شبكات التجارة الدولية.
من موقع على الخريطة إلى حضور في الشبكة
هذه المقارنة تغير أيضًا الطريقة التي نفهم بها الجغرافيا السعودية. ففي عام 1932 كانت الجغرافيا تُقرأ بوصفها تحديًا: مساحة شاسعة، ومدن متباعدة، وساحلان طويلان، وصحراء تجعل انتقال الإنسان والبضاعة بطيئًا ومكلفًا. أما اليوم، فإن الموقع نفسه يُقرأ بوصفه فرصة؛ فالمملكة تقع بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وتقع بالقرب من ممرات تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة والطاقة العالمية. الجغرافيا لم تتغير، لكن القدرة على استخدامها تغيرت.
كان العقير بوابة يدخل منها العالم إلى نجد. أما الطموح السعودي الحالي فهو ألا تظل المملكة محطة تستقبل ما تنتجه وتنقله شبكات الآخرين، بل أن تصبح مركزًا يربط تلك الشبكات، وأن تمتلك شركاتها أدوارًا داخل الموانئ والمطارات والأساطيل والممرات الخارجية. الفرق بين المرحلتين ليس في حجم المنشآت وحده، بل في طبيعة العلاقة بالعالم: من انتظار وصول السفينة إلى المشاركة في امتلاكها، ومن استخدام الميناء إلى تشغيل محطة خارجية، ومن شراء خدمة النقل إلى تمويل الأصول التي تقدمها، ومن الوقوف عند نهاية سلسلة الإمداد إلى الدخول في حلقات متعددة منها.
ولا تقف أهمية هذه الاستثمارات عند قيمتها المالية أو انتشارها الجغرافي، بل تكمن في ما تضيفه إلى تراكم الخبرة السعودية في إدارة الموانئ والأساطيل والطائرات ومحطات الشحن وسلاسل الإمداد الدولية. فكل استثمار خارجي يفتح للشركات والكفاءات السعودية بابًا جديدًا لفهم الأسواق العالمية، وبناء العلاقات مع الناقلين والمصنعين والمصدرين، والتعامل المباشر مع الأنظمة التشغيلية والتقنية التي تحكم حركة التجارة بين القارات. ومع ارتباط هذه المواقع الخارجية بالموانئ والمطارات والمناطق الصناعية داخل المملكة، يتشكل حضور سعودي متكامل لا يكتفي بتمويل حركة التجارة، بل يشارك في تشغيلها وإدارتها وصناعة قراراتها. وهكذا يتحول الانتشار السعودي من مجموعة مواقع متباعدة على الخريطة إلى شبكة من القدرات والخبرات والمصالح التي تعزز مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي وتدعم طموحها لأن تكون مركزًا لوجستيًا يصل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
التحول اللوجستي في السردية السعودية
تعيدنا هذه الرحلة إلى السؤال الأساسي في مشروع إعادة بناء السردية السعودية، ولكن عبر فصل جديد من فصولها. ففي المقال السابق بحثنا عن ذاكرة ميناء العقير في الوثائق والصور والخرائط والشهادات وذاكرة الأسر، أما اليوم فنشهد كتابة ذاكرة سعودية جديدة من خلال الشركات الوطنية، والأساطيل البحرية والجوية، ومحطات الحاويات، والمطارات، ومراكز الشحن، والكفاءات السعودية التي تدير العمليات والاستثمارات والشراكات في مناطق متعددة من العالم. وما نشهده ليس مجرد توسع في قطاع اقتصادي، بل مرحلة جديدة في تطور الدولة السعودية، انتقلت فيها الخبرة التي تراكمت داخل المملكة إلى ميادين دولية أوسع، وأصبح الحضور السعودي جزءًا مؤثرًا من حركة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية بين القارات.
ويمكن التعبير عن هذا التحول من خلال صورتين تجمعان الماضي والحاضر. في الصورة الأولى نرى ميناء العقير على ساحل الأحساء، والسفن تقف بعيدًا عن الشاطئ بسبب ضحالة المياه، بينما تنقل القوارب الصغيرة حمولاتها إلى البر، ثم يحملها الرجال وتنطلق بها القوافل نحو الهفوف والرياض. وفي الصورة الثانية نرى ناقلات عملاقة تديرها شركة سعودية، وحصة سعودية في إحدى كبرى شركات الملاحة العالمية، ومحطة حاويات تشغلها شركة سعودية في بنغلاديش، ومركزًا للشحن الجوي تملكه شركة سعودية في بلجيكا، إلى جانب استثمارات سعودية في مطار هيثرو ومحفظة عالمية تضم أكثر من مئتي طائرة تُؤجَّر لعشرات شركات الطيران. وبين الصورتين تتجسد رحلة المملكة من ميناء يربط الداخل بالعالم إلى حضور سعودي يمتد عبر شبكات النقل والتجارة الدولية.
هاتان الصورتان فصلان متكاملان من قصة واحدة. بدأت القصة ببناء الدولة وتوحيد أقاليمها وتأمين منافذها البحرية، ثم امتدت إلى إنشاء الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات والأساطيل والشركات الوطنية، ووصلت اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها السعودية شريكًا في ملكية وتشغيل أجزاء من شبكات النقل والخدمات اللوجستية الدولية. كان العقير يؤدي دور البوابة التي تربط نجد والأحساء بالخليج والعالم، أما الحضور السعودي المعاصر فيمتد عبر موانئ ومطارات وشركات وأساطيل تتحرك في عدة قارات. ومن خلال وضع المرحلتين إلى جوار بعضهما نستطيع أن نرى مقدار ما تحقق، وأن نفهم أن الإنجازات الحالية لم تبدأ من فراغ، بل قامت فوق تراكم طويل من العمل وبناء المؤسسات والخبرة الوطنية.
وتمنحنا مناسبة اليوم الوطني فرصة لقراءة هذا التحول بوصفه جزءًا من مسيرة المملكة منذ توحيدها. ففي 23 سبتمبر 1932 كانت الدولة تضع الأسس التي تضمن اتصال مناطقها بعضها ببعض، وتربط أسواقها بالموانئ البحرية والعالم الخارجي. وبعد أربعة وتسعين عامًا، أصبحت المملكة تمتلك موانئ حديثة وأساطيل وشركات نقل وخدمات لوجستية، وتستثمر خارج حدودها في السفن والطائرات والمطارات ومحطات الحاويات ومراكز الشحن التي تتحرك عبرها التجارة العالمية. كان ميناء العقير نافذة للمملكة على العالم، واليوم أصبحت للمملكة نوافذ متعددة وحضور يمتد داخل الشبكة العالمية نفسها.
هذه هي المسافة بين العقير والعالم؛ مسافة لا تقاس بالكيلومترات وحدها، بل بما تراكم من قدرة ومعرفة وخبرة وملكية وثقة بالمستقبل. إنها قصة مجتمع انتقل من نقل البضائع بين السفن والقوارب والقوافل إلى إدارة الناقلات العملاقة ومحطات الحاويات ومراكز الشحن الدولية، وقصة دولة انتقلت من بناء منفذها البحري الأول إلى بناء حضورها داخل الممرات التي تصل آسيا بإفريقيا وأوروبا. وما يمنح هذه الرحلة معناها الأعمق هو أن التحول لم يكن في الآلات والمنشآت وحدها، بل في الإنسان السعودي الذي أصبح يدير ويخطط ويمول ويتفاوض ويشغل ويبني الشراكات في بيئة اقتصادية عالمية شديدة التنافس.
إن توثيق هذه التجربة يمنح السردية السعودية فصلًا غنيًا عن بناء القدرة الوطنية. فإلى جانب العقود والخرائط والسجلات، هناك قصص السعوديين الذين أسهموا في تأسيس الشركات وإدارة الأساطيل وعقد الشراكات الدولية وتشغيل الموانئ والمطارات ومراكز الشحن. وهناك خبرات تراكمت عبر أجيال من الموظفين والمهندسين والبحارة والإداريين والمفاوضين وصناع القرار. وعندما تُجمع هذه التجارب وتُقدّم للأجيال الجديدة، فإنها تشرح لهم كيف تحولت الرؤية إلى مؤسسات، وكيف تحولت المؤسسات إلى قدرات، وكيف خرجت هذه القدرات من السوق المحلية لتنافس وتعمل وتستثمر في الأسواق العالمية.
في المقال السابق سألنا: أين توجد ذاكرة ميناء العقير؟ أما اليوم فنكتشف أن ذاكرة سعودية جديدة تُكتب في البحر والجو والموانئ والمطارات حول العالم. إنها ذاكرة لا تنفصل عن العقير، بل تكمل قصته وتمنحه معنى جديدًا؛ فالميناء الذي كان قبل قرن بوابة تدخل منها البضائع إلى قلب الجزيرة يقف اليوم في بداية رحلة وصلت بالسعودية إلى المشاركة في امتلاك وتشغيل البوابات التي تعبر منها التجارة بين الدول. وهذه هي إحدى أجمل صور اليوم الوطني: أن ننظر إلى نقطة البداية باعتزاز، وأن نقرأ الحاضر بوصفه ثمرة لمسيرة طويلة، وأن نرى في المستقبل امتدادًا لطموح سعودي لم يعد يكتفي بالوصول إلى العالم، بل أصبح حاضرًا في الطرق التي يتحرك عبرها العالم.
باحث متخصص في تاريخ المملكة العربية السعودية والدراسات الاستشراقية
bassam.algayal@integrateuscon.com
في المقال السابق من سلسلة «خارطة طريق لإعادة بناء السردية السعودية»، المنشور في صحيفة «الوطن» في الأول من سبتمبر 2026 بعنوان «أين توجد ذاكرة ميناء العقير؟»، سألت عن المكان الذي تتوزع فيه ذاكرة الميناء، وتتبعنا كيف امتدت هذه الذاكرة بين مبانيه التاريخية في الأحساء، ووثائق المؤسسات السعودية، وبيوت الأسر، وأرشيفات الخليج والهند وبريطانيا. أما اليوم، ومع اقتراب اليوم الوطني السعودي في الثالث والعشرين من سبتمبر، فلا أريد أن أعود إلى السؤال عن مكان تلك الذاكرة، بل أن أسأل عما تقوله لنا إذا وضعناها أمام واقع المملكة الحالي: أين كان موقع السعودية في النقل البحري والتجارة الدولية يوم إعلان توحيدها في 23 سبتمبر 1932، وأين أصبح هذا الموقع بعد أربعة وتسعين عامًا؟
هذا السؤال لا يقارن ميناءً قديمًا بميناء حديث، ولا سفينة شراعية بناقلة نفط عملاقة، وإنما يقيس تحولًا أوسع في موقع المملكة داخل الاقتصاد العالمي. كانت السعودية عام 1932 تعمل على تأمين المنافذ التي تصل من خلالها البضائع إلى مدنها وأقاليمها، بينما أصبحت اليوم تستثمر في السفن والطائرات والمطارات ومحطات الحاويات وشركات الشحن والخدمات اللوجستية التي تتحرك عبرها التجارة بين القارات. وفي عام التوحيد كانت الدولة تبني قدرتها على استقبال ما يأتيها من العالم، أما اليوم فإن الشركات ورؤوس الأموال السعودية أصبحت حاضرة في أجزاء من المنظومة التي تنقل ذلك العالم نفسه.
يوم كان الوصول إلى العالم هو التحدي
حين أُعلن توحيد المملكة العربية السعودية في 23 سبتمبر 1932، كانت الدولة قد نجحت في جمع مساحة جغرافية شاسعة تحت سلطة سياسية واحدة، لكنها كانت تواجه مهمة لا تقل صعوبة عن التوحيد نفسه: ربط الأقاليم والمدن والأسواق، وتأمين وصول الغذاء والدواء ومواد البناء والحاجات الأساسية إلى مجتمع تفصل بين أجزائه الصحارى والمسافات الطويلة والطرق الشاقة. لم تكن هناك شبكة طرق حديثة، ولا موانئ عميقة مجهزة لاستقبال السفن التجارية الكبرى، ولا أسطول وطني ينقل البضائع والطاقة بين القارات، ولا شركات سعودية تدير محطات حاويات أو مراكز شحن في دول أخرى. كان التحدي الأساسي هو الوصول: كيف تصل البضائع من البحر إلى الساحل، وكيف تنتقل من الساحل إلى الأحساء والرياض ونجد وبقية مناطق البلاد؟
على الساحل الشرقي، كان ميناء العقير أحد الأجوبة التي امتلكتها الدولة آنذاك. فقد كان بوابة نجد البحرية ومنفذًا رئيسيًا لوصول البضائع والمواد الغذائية القادمة من موانئ الخليج والهند والعراق ومناطق أخرى. وكان تطوير الملك عبدالعزيز للجمارك والجوازات والفرضة والخان ومستودعات البضائع ومباني الإدارة في العقير جزءًا من بناء مؤسسات الدولة، وليس مجرد تحسين لمرفق تجاري. فالميناء كان يجمع في مكان واحد التجارة والإدارة والسيادة؛ تمر عبره البضاعة، وتُفرض فيه الرسوم، وتُسجل حركة المسافرين، وتصل إليه الوفود، وتنطلق منه الطرق والقوافل نحو الداخل.
لكن العقير كان يحمل أيضًا صورة واضحة عن حدود الإمكانات المتاحة. فمياهه الضحلة لم تكن تسمح للسفن الكبيرة بالوصول مباشرة إلى الساحل، وكانت البضائع تُنقل من السفينة إلى قوارب أصغر، ثم تُحمل إلى اليابسة قبل أن تبدأ رحلتها البرية الطويلة. وكانت الدولة تعتمد على سفن وشركات ومسارات تجارية لا تملكها، وتتأثر تجارتها بالحروب والقيود الخارجية والتغيرات التي تقع في موانئ الدول المجاورة. لم يكن السؤال آنذاك: كم تبلغ حصة السعودية في شركة ملاحة عالمية؟ بل كان: هل تصل السفينة أصلًا، وهل تستطيع تفريغ حمولتها، وكيف ستصل هذه الحمولة إلى الرياض؟
لا يعني ذلك أن العقير كان رمزًا للضعف، بل العكس؛ فقد أدى ضمن ظروف عصره مهمة تفوق حجمه وإمكاناته. كان شريانًا اقتصاديًا للدولة الناشئة، وموقعًا مارست فيه سلطتها الإدارية، وحلقة وصل بين داخل الجزيرة العربية وشبكات التجارة البحرية. وحين ننظر إليه اليوم، يجب ألا نحاكمه بمقاييس الموانئ المعاصرة، وإنما نفهم ما مثله في مرحلة كان فيها وصول كيس من الأرز أو قطعة من القماش أو مادة بناء إلى قلب نجد نتيجة سلسلة طويلة من العمل والمخاطر والمسافات.
من امتلاك المنفذ إلى امتلاك أدوات الحركة
إذا انتقلنا من مشهد 1932 إلى الحاضر، سنجد أن التحول لم يقتصر على بناء موانئ أكبر وأعمق وأكثر تجهيزًا داخل المملكة. التحول الأهم هو انتقال السعودية من التركيز على امتلاك المنفذ الوطني إلى المشاركة في امتلاك أدوات الحركة العالمية نفسها. لم تعد العلاقة بالبحر تنتهي عند استقبال السفينة في الميناء السعودي، بل امتدت إلى الاستثمار في الشركة التي تملك السفن، والناقلة التي تعبر المحيط، ومحطة الحاويات التي تُدار في دولة أخرى، والمؤسسة التي تموّل الطائرة، والمطار الذي يستقبل ملايين المسافرين وأحجامًا ضخمة من الشحن، والمنصة التي تربط الأشخاص والبضائع والأسواق.
يمتلك صندوق الاستثمارات العامة نحو 10.2% من شركة «هاباغ لويد» الألمانية، وهي من كبرى شركات نقل الحاويات في العالم. قد تبدو هذه النسبة رقمًا ماليًا في بيان استثماري، لكنها تحمل معنى تاريخيًا أوسع إذا وُضعت أمام صورة العقير عام 1932. فالدولة التي كانت تعتمد على السفن الأجنبية لوصول حاجاتها أصبحت، من خلال صندوقها السيادي، مساهمًا رئيسيًا في شركة تدير أسطولًا وشبكة خطوط تصل بين موانئ العالم. لم تعد السعودية موجودة عند نهاية الرحلة البحرية فقط؛ أصبح رأس مالها حاضرًا داخل الشركة التي ترسم مسارات الرحلة وتديرها.
وتقدم شركة «البحري» صورة أخرى لهذا التحول. فالسفينة هنا ليست حصة مالية في شركة أجنبية، وإنما أصل سعودي متحرك بين البحار والموانئ. وفي عام 2024 أعلنت الشركة شراء تسع ناقلات نفط عملاقة مقابل نحو 999 مليون دولار. والناقلة العملاقة ليست مجرد وسيلة لنقل النفط، بل قدرة تشغيلية وإستراتيجية، وأصل يتحرك بين الأسواق، وخبرة تتراكم في إدارة الأساطيل والتجارة والتأمين والسلامة والممرات البحرية. وبين القارب الصغير الذي كان ينقل حمولة السفينة إلى ساحل العقير والناقلة العملاقة التي تعبر المحيطات مسافة تقنية واقتصادية هائلة، لكنها أيضًا مسافة في تطور قدرة الدولة السعودية على الانتقال من استخدام النقل البحري إلى المشاركة الفعلية في ملكيته وتشغيله.
أما شركة «محطة بوابة البحر الأحمر»، وهي شركة سعودية متخصصة في تطوير وتشغيل محطات الحاويات، فتقدم نموذجًا يتجاوز امتلاك السفن إلى تشغيل الموانئ خارج المملكة. فقد حصلت الشركة على امتياز مدته اثنان وعشرون عامًا لتطوير وتشغيل محطة باتينغا للحاويات في بنغلاديش، باستثمارات معلنة تبلغ نحو 170 مليون دولار. وتكمن أهمية هذا الاستثمار في أنه ينقل الخبرة التشغيلية التي بنتها الشركة في ميناء جدة الإسلامي إلى ميناء في جنوب آسيا، ويضع شركة سعودية في موقع المسؤولية عن إدارة حركة السفن والحاويات والخدمات المرتبطة بسلاسل الإمداد في سوق دولية. وكانت البضائع تأتي في الماضي من الهند وجنوب آسيا إلى ميناء العقير، أما اليوم فقد وصلت الخبرة السعودية إلى المنطقة نفسها لتشارك في إدارة إحدى بواباتها البحرية.
السعودية داخل شبكة النقل العالمية
لا يمكن فهم النقل الحديث من خلال البحر وحده؛ فالبضاعة التي تصل إلى الميناء تحتاج إلى مستودع وطريق وشاحنة ومنصة معلومات، وقد تنتقل بالطائرة إذا كانت سريعة التلف أو مرتفعة القيمة أو مرتبطة بسلسلة إنتاج حساسة للوقت. ولهذا اتسع الحضور السعودي من الموانئ والملاحة إلى الطيران والشحن الجوي وتأجير الطائرات وإدارة المطارات والحلول الرقمية للنقل.
وفي أغسطس 2026، أتمت شركة «سال» السعودية للخدمات اللوجستية استحواذها على كامل شركة «أفيابارتنر لييج» في بلجيكا مقابل نحو 120 مليون ريال، لتؤسس بذلك أول حضور تشغيلي لها خارج المملكة وتوسع شبكتها إلى عشرين محطة. وتعمل الشركة المستحوذ عليها في مطار لييج، خامس أكبر مركز للشحن الجوي في أوروبا من حيث حجم الشحن، حيث يناول أكثر من مليون طن سنويًا. كما يقع المطار داخل «المثلث الذهبي» للشحن الأوروبي، وهي منطقة ترتبط بالأسواق الرئيسة في ألمانيا وهولندا وفرنسا ولوكسمبورغ، ويمر عبرها أكثر من 70% من حركة الشحن الأوروبية. ومن خلال هذا الاستحواذ، أصبحت شركة سعودية تمتلك قاعدة تشغيلية ومستودعات وخدمات لمناولة البضائع، وتدير علاقات مباشرة مع شركات الطيران ووكلاء الشحن وأصحاب البضائع داخل واحدة من أهم عقد الشحن الجوي في أوروبا، بما يعزز حضور المملكة في شبكات التجارة والنقل العالمية.
واستحوذت شركة «أفيليس»، المملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، على نشاط تمويل وتأجير الطائرات التابع لبنك ستاندرد تشارترد في صفقة بلغت قيمتها نحو 3.6 مليارات دولار، فأضافت إلى أعمالها محفظة عالمية تضم أكثر من مئتي طائرة تتعامل مع نحو خمسين شركة طيران. هنا لا تستثمر السعودية في رحلة جوية أو مطار واحد، بل تدخل إلى البنية المالية التي تسمح لشركات الطيران حول العالم بتشغيل أساطيلها. فصناعة النقل لا تتحرك بالمحرك والوقود وحدهما؛ تتحرك أيضًا بالتمويل والتأجير والتأمين وإدارة الأصول والعقود طويلة الأجل.
وامتلك صندوق الاستثمارات العامة حصة تقارب 15% في الشركة القابضة المالكة لمطار هيثرو في لندن. وهي حصة تضع الاستثمار السعودي داخل واحد من أشهر المطارات الدولية وأكثرها اتصالًا بشبكات السفر والنقل العالمية. وعندما توضع هذه الحصة بجانب استثمار «أفيليس»، واستحواذ «سال» في بلجيكا، وتشغيل محطة باتينغا في بنغلاديش، وحصة الصندوق في «هاباغ لويد»، وأساطيل «البحري»، فإننا لا نعود أمام صفقات منفصلة لا يجمع بينها سوى مصدر المال، بل أمام توسع سعودي عبر طبقات متكاملة من منظومة النقل: السفينة، والناقلة، ومحطة الحاويات، والطائرة، والمطار، ومستودع الشحن، والتمويل، والمناولة، وإدارة الأصول.
ويجب هنا التمييز بين أشكال هذه الاستثمارات؛ فامتلاك حصة في شركة دولية لا يساوي إدارة محطة حاويات، والاستحواذ الكامل على شركة تشغيل لا يشبه شراء ناقلات، والاستثمار المالي في مطار يختلف عن بناء قاعدة تشغيلية داخل مركز للشحن الجوي. ولكل شكل درجة مختلفة من التأثير ونقل المعرفة والقدرة على اتخاذ القرار. لكن اجتماع هذه الأشكال يكشف أن الإستراتيجية السعودية لم تعد محصورة في إنشاء بنية تحتية داخل الحدود، وإنما أصبحت تسعى إلى ربط هذه البنية بنقاط مؤثرة في شبكات التجارة الدولية.
من موقع على الخريطة إلى حضور في الشبكة
هذه المقارنة تغير أيضًا الطريقة التي نفهم بها الجغرافيا السعودية. ففي عام 1932 كانت الجغرافيا تُقرأ بوصفها تحديًا: مساحة شاسعة، ومدن متباعدة، وساحلان طويلان، وصحراء تجعل انتقال الإنسان والبضاعة بطيئًا ومكلفًا. أما اليوم، فإن الموقع نفسه يُقرأ بوصفه فرصة؛ فالمملكة تقع بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وتطل على البحر الأحمر والخليج العربي، وتقع بالقرب من ممرات تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة والطاقة العالمية. الجغرافيا لم تتغير، لكن القدرة على استخدامها تغيرت.
كان العقير بوابة يدخل منها العالم إلى نجد. أما الطموح السعودي الحالي فهو ألا تظل المملكة محطة تستقبل ما تنتجه وتنقله شبكات الآخرين، بل أن تصبح مركزًا يربط تلك الشبكات، وأن تمتلك شركاتها أدوارًا داخل الموانئ والمطارات والأساطيل والممرات الخارجية. الفرق بين المرحلتين ليس في حجم المنشآت وحده، بل في طبيعة العلاقة بالعالم: من انتظار وصول السفينة إلى المشاركة في امتلاكها، ومن استخدام الميناء إلى تشغيل محطة خارجية، ومن شراء خدمة النقل إلى تمويل الأصول التي تقدمها، ومن الوقوف عند نهاية سلسلة الإمداد إلى الدخول في حلقات متعددة منها.
ولا تقف أهمية هذه الاستثمارات عند قيمتها المالية أو انتشارها الجغرافي، بل تكمن في ما تضيفه إلى تراكم الخبرة السعودية في إدارة الموانئ والأساطيل والطائرات ومحطات الشحن وسلاسل الإمداد الدولية. فكل استثمار خارجي يفتح للشركات والكفاءات السعودية بابًا جديدًا لفهم الأسواق العالمية، وبناء العلاقات مع الناقلين والمصنعين والمصدرين، والتعامل المباشر مع الأنظمة التشغيلية والتقنية التي تحكم حركة التجارة بين القارات. ومع ارتباط هذه المواقع الخارجية بالموانئ والمطارات والمناطق الصناعية داخل المملكة، يتشكل حضور سعودي متكامل لا يكتفي بتمويل حركة التجارة، بل يشارك في تشغيلها وإدارتها وصناعة قراراتها. وهكذا يتحول الانتشار السعودي من مجموعة مواقع متباعدة على الخريطة إلى شبكة من القدرات والخبرات والمصالح التي تعزز مكانة المملكة في الاقتصاد العالمي وتدعم طموحها لأن تكون مركزًا لوجستيًا يصل بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.
التحول اللوجستي في السردية السعودية
تعيدنا هذه الرحلة إلى السؤال الأساسي في مشروع إعادة بناء السردية السعودية، ولكن عبر فصل جديد من فصولها. ففي المقال السابق بحثنا عن ذاكرة ميناء العقير في الوثائق والصور والخرائط والشهادات وذاكرة الأسر، أما اليوم فنشهد كتابة ذاكرة سعودية جديدة من خلال الشركات الوطنية، والأساطيل البحرية والجوية، ومحطات الحاويات، والمطارات، ومراكز الشحن، والكفاءات السعودية التي تدير العمليات والاستثمارات والشراكات في مناطق متعددة من العالم. وما نشهده ليس مجرد توسع في قطاع اقتصادي، بل مرحلة جديدة في تطور الدولة السعودية، انتقلت فيها الخبرة التي تراكمت داخل المملكة إلى ميادين دولية أوسع، وأصبح الحضور السعودي جزءًا مؤثرًا من حركة التجارة والنقل والخدمات اللوجستية بين القارات.
ويمكن التعبير عن هذا التحول من خلال صورتين تجمعان الماضي والحاضر. في الصورة الأولى نرى ميناء العقير على ساحل الأحساء، والسفن تقف بعيدًا عن الشاطئ بسبب ضحالة المياه، بينما تنقل القوارب الصغيرة حمولاتها إلى البر، ثم يحملها الرجال وتنطلق بها القوافل نحو الهفوف والرياض. وفي الصورة الثانية نرى ناقلات عملاقة تديرها شركة سعودية، وحصة سعودية في إحدى كبرى شركات الملاحة العالمية، ومحطة حاويات تشغلها شركة سعودية في بنغلاديش، ومركزًا للشحن الجوي تملكه شركة سعودية في بلجيكا، إلى جانب استثمارات سعودية في مطار هيثرو ومحفظة عالمية تضم أكثر من مئتي طائرة تُؤجَّر لعشرات شركات الطيران. وبين الصورتين تتجسد رحلة المملكة من ميناء يربط الداخل بالعالم إلى حضور سعودي يمتد عبر شبكات النقل والتجارة الدولية.
هاتان الصورتان فصلان متكاملان من قصة واحدة. بدأت القصة ببناء الدولة وتوحيد أقاليمها وتأمين منافذها البحرية، ثم امتدت إلى إنشاء الموانئ والطرق والسكك الحديدية والمطارات والأساطيل والشركات الوطنية، ووصلت اليوم إلى مرحلة أصبحت فيها السعودية شريكًا في ملكية وتشغيل أجزاء من شبكات النقل والخدمات اللوجستية الدولية. كان العقير يؤدي دور البوابة التي تربط نجد والأحساء بالخليج والعالم، أما الحضور السعودي المعاصر فيمتد عبر موانئ ومطارات وشركات وأساطيل تتحرك في عدة قارات. ومن خلال وضع المرحلتين إلى جوار بعضهما نستطيع أن نرى مقدار ما تحقق، وأن نفهم أن الإنجازات الحالية لم تبدأ من فراغ، بل قامت فوق تراكم طويل من العمل وبناء المؤسسات والخبرة الوطنية.
وتمنحنا مناسبة اليوم الوطني فرصة لقراءة هذا التحول بوصفه جزءًا من مسيرة المملكة منذ توحيدها. ففي 23 سبتمبر 1932 كانت الدولة تضع الأسس التي تضمن اتصال مناطقها بعضها ببعض، وتربط أسواقها بالموانئ البحرية والعالم الخارجي. وبعد أربعة وتسعين عامًا، أصبحت المملكة تمتلك موانئ حديثة وأساطيل وشركات نقل وخدمات لوجستية، وتستثمر خارج حدودها في السفن والطائرات والمطارات ومحطات الحاويات ومراكز الشحن التي تتحرك عبرها التجارة العالمية. كان ميناء العقير نافذة للمملكة على العالم، واليوم أصبحت للمملكة نوافذ متعددة وحضور يمتد داخل الشبكة العالمية نفسها.
هذه هي المسافة بين العقير والعالم؛ مسافة لا تقاس بالكيلومترات وحدها، بل بما تراكم من قدرة ومعرفة وخبرة وملكية وثقة بالمستقبل. إنها قصة مجتمع انتقل من نقل البضائع بين السفن والقوارب والقوافل إلى إدارة الناقلات العملاقة ومحطات الحاويات ومراكز الشحن الدولية، وقصة دولة انتقلت من بناء منفذها البحري الأول إلى بناء حضورها داخل الممرات التي تصل آسيا بإفريقيا وأوروبا. وما يمنح هذه الرحلة معناها الأعمق هو أن التحول لم يكن في الآلات والمنشآت وحدها، بل في الإنسان السعودي الذي أصبح يدير ويخطط ويمول ويتفاوض ويشغل ويبني الشراكات في بيئة اقتصادية عالمية شديدة التنافس.
إن توثيق هذه التجربة يمنح السردية السعودية فصلًا غنيًا عن بناء القدرة الوطنية. فإلى جانب العقود والخرائط والسجلات، هناك قصص السعوديين الذين أسهموا في تأسيس الشركات وإدارة الأساطيل وعقد الشراكات الدولية وتشغيل الموانئ والمطارات ومراكز الشحن. وهناك خبرات تراكمت عبر أجيال من الموظفين والمهندسين والبحارة والإداريين والمفاوضين وصناع القرار. وعندما تُجمع هذه التجارب وتُقدّم للأجيال الجديدة، فإنها تشرح لهم كيف تحولت الرؤية إلى مؤسسات، وكيف تحولت المؤسسات إلى قدرات، وكيف خرجت هذه القدرات من السوق المحلية لتنافس وتعمل وتستثمر في الأسواق العالمية.
في المقال السابق سألنا: أين توجد ذاكرة ميناء العقير؟ أما اليوم فنكتشف أن ذاكرة سعودية جديدة تُكتب في البحر والجو والموانئ والمطارات حول العالم. إنها ذاكرة لا تنفصل عن العقير، بل تكمل قصته وتمنحه معنى جديدًا؛ فالميناء الذي كان قبل قرن بوابة تدخل منها البضائع إلى قلب الجزيرة يقف اليوم في بداية رحلة وصلت بالسعودية إلى المشاركة في امتلاك وتشغيل البوابات التي تعبر منها التجارة بين الدول. وهذه هي إحدى أجمل صور اليوم الوطني: أن ننظر إلى نقطة البداية باعتزاز، وأن نقرأ الحاضر بوصفه ثمرة لمسيرة طويلة، وأن نرى في المستقبل امتدادًا لطموح سعودي لم يعد يكتفي بالوصول إلى العالم، بل أصبح حاضرًا في الطرق التي يتحرك عبرها العالم.