جدة: نجلاء الحربي

مع اتساع سوق عقود الصيانة والتشغيل وإدارة المرافق وارتفاع قيمتها، لم يعد العميل يشتري ساعات عمل أو أعداداً من الفنيين فحسب، بل يتعاقد للحصول على مستوى محدد من الخبرة والكفاءة والموثوقية. وتبرز هنا إشكالية إسناد بعض الشركات الأعمال المتعاقد عليها إلى مقاولين من الباطن أقل تكلفة أو كفاءة، بما قد يخلق فجوة بين ما توقعه العميل وما ينفذ فعلياً.

فجوة التنفيذ

بيّن المقاول محمد عبده أن المشكلة التي تواجه بعض ملاك المنشآت تتمثل في الاختلاف بين التعاقد والتنفيذ. فقد تتعاقد منشأة صحية أو فندق أو مجمع تجاري أو مصنع مع شركة معروفة، وتتحمل سعرا أعلى مقابل خبراتها وأنظمة الجودة ومستوى مهندسيها وقدرتها على إدارة المخاطر، ثم تكتشف أن جزءا كبيرا من التنفيذ والقوى العاملة يتبع شركة أخرى أقل تكلفة وأقل كفاءة.

الشعار لا يكفي

وأكدت مشرفة في إحدى شركات قطاع الصيانة والتشغيل وإدارة المرافق عزة بلال أهمية عدم اعتماد المستفيد على اسم الشركة وشعارها فقط، بل مراجعة العقد لمعرفة مدى السماح بالمقاولة من الباطن، واشتراط الموافقة المسبقة، ومدى ارتباط اختيار الشركة بكفاءتها وخبرتها، إضافة إلى التحقق من الالتزام بالمواصفات ومستويات الخدمة ومؤشرات الأداء.

عقد أكثر إحكاما

وأوضح صاحب شركة لصيانة وترميم المباني حامد الغامدي أن العقود ينبغي أن تتضمن نصاً واضحاً يمنع إسناد الأعمال الجوهرية إلى مقاول من الباطن دون موافقة كتابية مسبقة من صاحب العمل، مع بقاء جميع المسؤوليات على المقاول الأصلي.

وأضاف أن العقود الكبيرة تحتاج إلى آلية لاعتماد مقاولي الباطن، وتحديد الأعمال المسموح بإسنادها، ومتطلبات التأهيل والخبرة والسلامة، ومؤشرات الأداء، وضوابط استبدال الكوادر وحق المالك في استبعاد العناصر غير المستوفية للاشتراطات.

ثقة المالك

أوضح صاحب فيلا سكنية سعيد القحطاني أن الاستعانة بمقاولي الباطن ممارسة معروفة في قطاع الصيانة والتشغيل، وقد تكون ضرورية في المشروعات الكبيرة متعددة التخصصات إلا أن الإشكالية تظهر عندما يؤدي الإسناد إلى تغيير فعلي للطرف الذي اختاره العميل، خصوصاً عندما يكون التعاقد قائما على سمعة المقاول الأصلي وخبراته وكفاءة كوادره.

التوثيق قبل النزاع

وأشار عقاريون إلى أن اكتشاف إسناد الأعمال إلى طرف آخر يستوجب أولاً مراجعة العقد ونطاق الأعمال، ثم توثيق الواقع الميداني، والتحقق من تبعية العاملين والتصاريح وسجلات الدخول وأوامر العمل وتقارير التشغيل ومراسلات اعتماد مقاولي الباطن.

ولا يعني وجود مقاول من الباطن تلقائياً استحقاق الفسخ أو التعويض، إذ يتوقف ذلك على شروط العقد وطبيعة المخالفة ومدى جوهريتها والضرر الناتج عنها. وتبقى القاعدة الأهم أن المقاولة من الباطن أداة مشروعة لتنظيم التنفيذ، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة لتغيير مستوى الخدمة أو نموذج التنفيذ الذي تعاقد عليه العميل.

موافقة كتابية

وأوضح عدد من المحامين لـ«الوطن» أن تنظيم المقاولة من الباطن في نظام المعاملات المدنية يسمح، من حيث الأصل، للمقاول بإسناد العمل كله أو بعضه إلى مقاول من الباطن ضمن الضوابط النظامية والتعاقدية، مع استمرار مسؤولية المقاول الأصلي أمام صاحب العمل.

وأشاروا إلى أن النزاع قد ينشأ إذا منع العقد الإسناد للغير، أو اشترط موافقة كتابية ولم يحصل عليها المقاول، أو كانت شخصية المقاول وخبراته الفنية عنصراً أساسياً في التعاقد.