موسى الغزواني

﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

ما من بقعة على وجه الأرض نالت من التعظيم ما نالته مكة والمدينة. حرمٌ آمن جعله الله مثابةً للناس، ومدينةٌ طيبة قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرّم مكة، وإني حرّمت المدينة». فالحرمة هنا ليست عُرفًا بشريًا يُنقض، بل تشريعٌ إلهي ثابت إلى يوم القيامة.

وقد توعّد الله من يهمّ بالسوء في هذا البيت، لا من يفعله فحسب. قال أهل التفسير في آية الحج: هي الآية الوحيدة التي عُوقب فيها على مجرد الإرادة، تعظيمًا لشأن البيت. فمن نوى الاعتداء عليه فقد استوجب الوعيد قبل أن يمد يده.

وبلغ من حفظ الله لبيته أن جعل الاعتداء عليه علامة على خذلان المعتدي لا نصره. فحين قصده أبرهة بجيشه وفيله، لم يدفع عنه أهل مكة بسلاح، بل تولى الله حمايته، ونزلت سورة كاملة تُتلى إلى قيام الساعة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ﴾. وقال عبدالمطلب كلمته الخالدة: للبيت ربٌّ يحميه.

وقال صلى الله عليه وسلم يوم الفتح: «إن هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرامٌ بحرمة الله إلى يوم القيامة». وأخبر أن الصلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، وفي مسجده بألف. وقال عن المدينة: «على أنقابها ملائكة، لا يدخلها الطاعون ولا الدجال». دلالةً على حفظٍ رباني خاص لا يملكه بشر.

ومن توفيق الله لهذه البلاد أن جعل خدمة الحرمين شرفًا تحمله المملكة لقبًا وعملًا. فما ادّخرت قيادتها وسعًا في العناية بهما؛ توسعةً لا نظير لها في التاريخ، وتنظيمًا وتقنيةً وتيسيرًا، حتى يؤدي ضيوف الرحمن مناسكهم في أمنٍ وطمأنينة. وما ذاك إلا وفاءً لأمانة عظّمتها الدولة وقدّمتها على كل ما سواها، مدركةً أن أمن الحرمين أمنٌ لأمة بأسرها، لا شأنًا محليًا. وأي يد تمتد نحو هذه المقدسات فإنما تضع نفسها خارج إجماع الأمة كلها. فهذه ليست حدودًا تُتنازع، بل قبلةٌ يتوجه إليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها خمس مرات كل يوم.

فالحماية أولها من الله، وثانيها برجالٍ نذروا أعمارهم على الثغور، يقظين لا ينامون، يحرسون قبلة المسلمين ولا ينتظرون من أحد ثناء.

اللهم احفظ الحرمين الشريفين وقاصديهما، واحفظ بلادنا قيادةً وشعبًا. اللهم كن لجنودنا المرابطين على الثغور عونًا ونصيرًا، وسدّد رميهم، واربط على قلوبهم، وردّ كيد من أرادهم في نحره. اللهم أدم على بلاد الحرمين أمنها وأمانها ورخاءها.