أحمد العقدي

اليوم الوطني السعودي لا يأتي احتفاءً بمناسبة تتكرر سنوياً في روزنامة الأيام فحسب ، ولا يقف عند حدود الاحتفاء بتاريخٍ مضى بل يفتح نافذة واسعة على قصة وطنٍ تشكّل رغم الشتات وتوحد رغم انف شرذمة التراب وتربُّص الاعداء ومؤامرات الطامعين الآتين من خارج حدود الجغرافيا يبتنون اوهاماً ويُعوِّلون على شتات الناس وشرذمة التربة، ذلك قبل أن تُنبِّه يدُ الله عبدالعزيز ليسري برجاله صوب الرياض، ليعتلي قبل فجر الثالث عشر من يناير 1902م رجل من رجاله قصر المصمك معلناً: ( الملك لله ثم لعبدالعزيز ) ثم أذّن فجر الرياض واستقامت دولة، ومن هنا بدأت رحلة استمرت نحو ثلاثين عامًا، انتقل خلالها الملك عبدالعزيز من استعادة الرياض إلى توحيد معظم مناطق الجزيرة العربية، وحد فيها الملك عبدالعزيز القلوب قبل توحيد الجغرافيا، وحتى إعلان توحيد هذا الكيان العظيم تحت مسمى (المملكة العربية السعودية ) في 23 سبتمبر 1932م.

كان ذلك التحول ميلادًا سياسيًا لكيانٍ استطاع، عبر عقود متتابعة، أن يحوّل الجغرافيا الواسعة إلى وطنٍ تتكامل أطرافه، وأن ينقل فكرة الوحدة من حلمٍ تاريخي إلى دولةٍ راسخة المؤسسات، وتعاقبت مراحل البناء، واتسعت الطموحات، وتطورت مؤسسات الدولة، حتى أصبحت المملكة واحدة من أكثر الدول تأثيرًا في محيطها العربي والإسلامي والدولي، ولعل أجل ما في التجربة السعودية أن التحول لم يكن قطيعةً مع الماضي، بل محاولةً مستمرة لصياغة علاقة متوازنة بين الأصالة والتحديث.

فالمملكة التي تحفظ في ذاكرتها إرث الجزيرة العربية، وتستند إلى مكانتها الدينية والتاريخية، هي ذاتها المملكة التي تنظر اليوم إلى الاقتصاد المعرفي، والتقنية، والابتكار، والسياحة، و رسالتها الثقافية الخاصة ، وجودة الحياة، وتمكين الإنسان، بوصفها عناصر أساسية في بناء المستقبل.

ومن هنا ، تبدو التحولات التي تشهدها المملكة في السنوات الأخيرة جزءًا من مسارٍ تاريخي طويل، لكنها تحمل في الوقت ذاته ملامح مرحلة مختلفة في سرعتها واتساعها وطموحها. فقد قامت رؤية المملكة (2030) على إعادة تعريف كثير من عناصر القوة الوطنية، بحيث لا يبقى النفط وحده عنوانًا للاقتصاد، ولا تظل الجغرافيا مجرد مساحة مُكلِفة، ولا يبقى التاريخ مجرد ذاكرة، وبكاءً على الأطلال، إنما تتحول الموارد إلى استثمار، والجغرافيا إلى ميزة استراتيجية، والتاريخ إلى قوة ناعمة، والثقافة إلى صناعة، والشباب إلى رأس مالٍ حقيقي للمستقبل، ولعل الحديث عن الشباب هنا ليس ترفًا إنشائيًا؛ فهذه الفئة التي تمثل نسبة كبيرة من المجتمع السعودي هي في جوهرها الرهان الأكبر على المستقبل، كما يؤكد ولي العهد السعودي ذلك في مختلف المناسبات، ولهذا فإن أعظم تجليات الاحتفال بالوطن تكمن اليوم في شعور كل مواطن ومواطنة فخرا واعتزازاً بأن وطنه يمنحه مساحةً حقيقية ليكون شريكًا في صناعة مستقبله ومجد وطنه، فالوطن في معناه العميق، ليس أرضًا نعيش فوقها فحسب، إنه عقدٌ أخلاقي بين الإنسان والمكان، بين الحقوق والواجبات، بين ما نأخذه من الوطن وما نقدمه له، ومن هنا يُدرِك المواطن السعودي أن المواطَنة ليست شعورًا عابرًا يظهر في يومٍ واحد ثم يخفت، بل سلوكٌ يومي يتجلى في احترام النظام، وإتقان العمل، وحماية الممتلكات العامة، وصون البيئة، واحترام الآخر، والحرص على سمعة الوطن، والإسهام في تقدمه كلٌّ من موقعه، وفي اليوم الوطني، ربما يكون من الإنصاف ألا ننظر فقط إلى ما تحقق، بل أن نسأل سؤالاً اعمق هو : ماذا نريد أن نحقق مستقبلاً ؟.. هذا السؤال الذي سأله القائد العظيم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان واجاب عليه عملياً برؤية المملكة العظيمة (2030)، علّمنا محمد بن سلمان أن التاريخ العظيم لا ينبغي أن يتحول إلى وسادةٍ للراحة، والإنجازات الكبيرة لا ينبغي أن تصبح ذريعةً للاكتفاء، فكل مرحلة من مراحل النهوض تخلق أسئلة جديدة، وكل نجاح يرفع سقف الطموح، واستشعاراً اعلى بالمسؤولية، وأن عظمة الأوطان الحية، تكمن في أنها لا تتوقف عند صورةٍ صنعتها عن نفسها، وإنما تواصل إعادة اكتشاف ذاتها.وتُحدِّث أدواتها باستمرار.

إن المملكة العربية السعودية، بقيادتها الحكيمة وبقائد رؤيتها العظيم وصانع نهضتها وبما تمتلكه من موقع جغرافي استثنائي، وثقل اقتصادي، ومكانة دينية، وعمق تاريخي، وإمكانات بشرية، تصنع اليوم نموذجها الخاص والملفت، في الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة والتطوير، نموذجاً لا يستنسخ تجارب الآخرين، وإنما يستفيد منها دون أن يفقد خصوصيته.

لذلك ينظر العالم للمملكة كتجربة استثنائية وهنا تكمن القيمة الحقيقة لما تصنعه السعودية اليوم ويُشكِّل القيمة المضافة للتاريخ والتجربة الإنسانية، دولة حديثة تستثمر في المستقبل، من دون أن تتنكر لجذورها، ومجتمعًا يتقدم في المعرفة والتقنية، من دون أن يفقد ذاكرته الثقافية، الثقافة التي تحول الأرشيف إلى تجربة معيشة، واقتصادًا متنوعًا، وحضورًا دوليًا متناميًا، يستند إلى ثقل السعودية عالمياً ومصالحها ورؤيتها الاستثنائية، وهكذا يصبح اليوم الوطني أكثر من ذكرى عابرة، إنه وعي بالتاريخ يُعمِق الانتماء والاعتزاز بالهوية، و لحظة تأمل في المسافة التي قطعها الوطن، وفي الطريق الذي لا يزال أمامه، ومعاً يمضي السعوديون بقيادتهم العظيمة

لمجتمعٍ أكثر حيوية وحضور عالمي أكثر تأثيرًا، وقوة ناعمة تُعيد ترتيب خارطة النفوذ العالمي وميزان القوى إقليمياً ودولياً.

يفاخر السعوديون اليوم وكل يوم بقيادة عظيمة ووطناً يحقق كل يوم منجزاً عظيماً وثيق الصلة بالمجد، ويحقق ارقاماً متقدمة وتفوقاً لافتاً في كل مجال من مجالات الحياة والمعرفة والاقتصاد والسياسة والصناعة المحلية والابتكار، وبوطن آمن ومستقر.

كل عام وانت يا وطني عزيزاً شامخاً لا يطالك اللئام ولا يفتُّ في عضدك الأقزام.