أبها: سلمان عسكر

كشفت أرقام تقرير حديث حصلت «الوطن» عليه عن اتساع الانتهاكات الحوثية بحق المساجد ودور العبادة ورجال الدين في اليمن، إذ وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات 4560 واقعة استهدفت المساجد ودور العبادة خلال الفترة من يناير 2017 حتى أغسطس 2026، إلى جانب مقتل 277 إماماً وخطيباً ورجل دين، وإصابة 178 آخرين، واعتقال أكثر من 1832 شخصاً، فيما لا يزال 386 إماماً وخطيباً في عداد المخفيين، وفق بيانات الشبكة.

وتتجاوز الوقائع الموثقة الخسائر البشرية إلى تغيير وظيفة دور العبادة، حيث سجل التقرير 103 حالات تفجير وتفخيخ، و201 حالة قصف، و52 حالة إحراق، و341 واقعة اقتحام ونهب، فيما حُولت 423 مسجداً إلى ثكنات ومواقع تستخدمها عناصر الحوثيين، و61 مسجداً إلى غرف عمليات أو مخازن للأسلحة، و219 مسجداً إلى مراكز للتعبئة الفكرية للأطفال، في صورة ترسم مساراً متشابكاً بين العنف المسلح والتوظيف الأيديولوجي للمجال الديني.

مسار قديم

لم يبدأ استهداف المجال الديني مع سقوط صنعاء في أيدي الحوثيين، إذ سبقت ذلك مواجهات وانتهاكات في مناطق عدة، برزت من بينها محافظة صعدة وأحداث دماج، التي شكلت محطة مبكرة في مسار المواجهات والتهجير.

ووفق بيانات الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، بلغ عدد الانتهاكات المرتبطة بأحداث دماج 1184 انتهاكاً، بينها 200 حالة قتل، من الضحايا 29 طفلاً و5 نساء، إضافة إلى 6 حالات قصف طالت مساجد، وانتهت المواجهات بتهجير أكثر من 3 آلاف طالب دين مع أسرهم.

ومع سيطرة الحوثيين على صنعاء في 21 سبتمبر 2014، اتسع نطاق الانتهاكات في المحافظات الواقعة تحت سيطرتهم، لتشمل المساجد ودور القرآن والأئمة والخطباء ومدارس تحفيظ القرآن، في مسار أخذ أبعاداً دينية واجتماعية وعسكرية.

4560 واقعة

خلال الفترة من 1 يناير 2017 حتى 30 أغسطس 2026، وثقت فرق الشبكة 4560 واقعة انتهاك طالت المساجد ودور العبادة في 14 محافظة يمنية، هي أمانة العاصمة وصنعاء وعمران وحجة وصعدة والجوف ومأرب وذمار وإب والبيضاء والضالع وتعز وريمة والمحويت.

وشملت الوقائع القتل والإصابة والاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، إلى جانب تفجير المساجد وقصفها وإحراقها واقتحامها ونهب محتوياتها وإغلاقها، فضلاً عن فرض خطباء وأئمة موالين للحوثيين، وتحويل بعض دور العبادة إلى مواقع للتعبئة الفكرية.

وتشير هذه الحصيلة إلى أن الاعتداءات لم تستهدف المباني وحدها، بل امتدت إلى الوظيفة الدينية والاجتماعية للمسجد، وإلى الأئمة والخطباء باعتبارهم شخصيات ذات حضور مؤثر في المجتمع.

أئمة تحت النار

وثقت الشبكة 277 حالة قتل طالت خطباء وأئمة مساجد ورجال دين من أتباع المذهب السني، بينها 72 حالة قتل بإطلاق النار المباشر، و19 نتيجة القصف العشوائي، و28 نتيجة استخدام القوة المفرطة والضرب، و19 نتيجة الطعن واستخدام السلاح الأبيض، إضافة إلى 178 حالة إصابة جسدية.

ومنذ السيطرة على صنعاء، سجلت الشبكة اعتقال أكثر من 1832 شخصاً من أتباع المذاهب السنية، فيما لا يزال 386 من أئمة وخطباء المساجد في عداد المخفيين، بحسب بياناتها.

ويرى رئيس الشبكة اليمنية للحقوق والحريات محمد العمدة أن هذه الوقائع لا تمثل حوادث منفصلة، بل نمطاً متكرراً ارتبط بتوسع الحوثيين وسيطرتهم المسلحة، واستهدف المجال الديني باعتباره أحد مكونات الهوية الاجتماعية والثقافية للمجتمع اليمني.

مساجد في الحرب

تكشف الأرقام جانباً آخر من الانتهاكات، إذ وثقت الشبكة 791 واقعة طالت المساجد ودور العبادة السنية، بينها 103 حالات تفجير وتفخيخ، و201 حالة قصف، و52 حالة إحراق، و341 حالة اقتحام ونهب وعبث بالمحتويات.

كما وثقت تحويل 423 مسجداً إلى ثكنات ومواقع تستخدمها عناصر الحوثيين، و61 مسجداً إلى غرف عمليات أو مخازن للأسلحة، إضافة إلى 394 حالة إغلاق للمساجد و 1291 حالة فرض خطباء وأئمة، و 476 حالة إغلاق لمدارس تحفيظ القرآن الكريم.

ويؤدي تحويل دور العبادة إلى مواقع عسكرية إلى تغيير طبيعة المكان وتعريضه ومحيطه المدني لمخاطر إضافية، فيما يحرم إغلاق المساجد ومدارس القرآن السكان من ممارسة شعائرهم وتعليمهم الديني في بيئة آمنة.

تعبئة الأطفال

يمتد الملف إلى الأطفال، إذ وثقت الشبكة تحويل 219 مسجداً إلى مراكز للتعبئة الفكرية للأطفال، بالتزامن مع أنشطة ومعسكرات ودورات ثقافية وعقائدية تستهدف فئات مختلفة من المجتمع.

وتضع الشبكة هذه الممارسات ضمن مسار لإعادة تشكيل المجال الديني والاجتماعي، بينما تظل العلاقة بين التعبئة الفكرية وتصاعد العنف بحاجة إلى دراسات مستقلة وأدلة موثقة، بعيداً عن الاستنتاجات غير المثبتة.

أقليات في الدائرة

لم تقتصر الوقائع التي وثقتها الشبكة على المساجد ورجال الدين السنة، إذ شملت أتباع ديانات ومذاهب أخرى.

وسجل التقرير 139 واقعة بحق أتباع الديانة البهائية، تنوعت بين الاعتقال والإخفاء القسري والتعذيب ونهب الممتلكات وإغلاق المؤسسات والمحاكمات والتهجير، فيما وثقت الشبكة اعتقال 71 بهائياً، بينهم 6 أطفال و20 امرأة، إضافة إلى 25 محاكمة قالت إنها تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة.

كما وثقت تهجير 6 أفراد و25 أسرة إلى خارج اليمن، ونهب 12 منزلاً ومؤسسة مملوكة لبهائيين. أما الأقلية اليهودية، فسجل التقرير اعتقال 9 أشخاص وإغلاق مدرستين وتهجير 63 شخصاً ونهب ممتلكات، فيما وثقت الشبكة بحق المسيحيين 10 حالات اعتقال وتعذيب و4 حالات قتل وحالتي اقتحام لكنائس وحالة تدمير وحرق كنيسة.

وتضع هذه الوقائع ملف حرية الدين والمعتقد في نطاق أوسع من الانقسام المذهبي، باعتباره متعلقاً بحق الأفراد في ممارسة معتقداتهم دون إكراه أو تهديد أو عنف.

تهديد إقليمي

يتجاوز أثر هذا الملف الحدود اليمنية مع امتداد الهجمات الحوثية إلى دول المنطقة. ففي أكتوبر 2016 أعلنت السلطات السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلق من اليمن باتجاه منطقة مكة المكرمة، بينما نفى الحوثيون آنذاك استهداف مكة، وقالوا إن هدفهم كان مطار الملك عبدالعزيز في جدة.

وبصرف النظر عن اختلاف الروايات بشأن الهدف المحدد، فإن الحادثة شكلت تطوراً بالغ الحساسية، بالنظر إلى المكانة الدينية لمنطقة مكة المكرمة، وأظهرت انتقال المخاطر المرتبطة بالصراع اليمني إلى نطاق إقليمي.

ويشير التقرير إلى أهمية النظر إلى هذه الوقائع ضمن سياق أوسع لحماية المدنيين ودور العبادة، دون افتراض دوافع غير مثبتة، وإنما انطلاقاً من السلوك الموثق في التعامل مع المساجد ورجال الدين والمواقع الدينية.

موقف يمني

وقال وزير الأوقاف والإرشاد اليمني الشيخ تركي بن عبدالله الوادعي لـ«الوطن» إن استهداف المساجد ومراكز تحفيظ القرآن ودور العلم والعبادة، إلى جانب حرق المصاحف وملاحقة العلماء والخطباء، يمثل نمطاً متكرراً من الانتهاكات الحوثية.

وأضاف أن هذه الممارسات، وفق تقديره، تكشف طبيعة المشروع الفكري الذي تتبناه الجماعة، مشيراً إلى تحويل مساجد ومآذن إلى مواقع عسكرية وثكنات ومواقع للقناصة.

وثمن الوادعي الدور الإعلامي السعودي في تسليط الضوء على هذه الملفات، كما أشاد بما تقدمه المملكة من دعم لليمن وشعبه ومساندة أمنه واستقراره ووحدته وسلامة أراضيه، إلى جانب الدعم الإنساني والتنموي والإغاثي.

سلام بضمانات

تضع حصيلة الانتهاكات ملف حماية دور العبادة وحرية المعتقد أمام أي مسار مستقبلي للتسوية في اليمن، خصوصاً مع استمرار توثيق الاعتقال والإخفاء واستهداف الأئمة والخطباء وتحويل بعض المساجد إلى مواقع عسكرية.

وتشمل الضمانات التي يطرحها التقرير الإفراج عن المعتقلين بسبب نشاطهم الديني السلمي، والكشف عن مصير المخفيين، ووقف ملاحقة رجال الدين، وإعادة المساجد المصادرة إلى وظيفتها الدينية، ومنع استخدامها لأغراض عسكرية، إلى جانب حماية الأقليات وضمان عدم التمييز على أساس الدين أو المذهب.

كما تبرز الحاجة إلى آليات مستقلة لتوثيق الانتهاكات والتحقيق في وقائع القتل والتعذيب والإخفاء والتهجير، بما يضمن عدم تحول المسار السياسي إلى مدخل لتهميش حقوق الضحايا أو تجاوز الانتهاكات السابقة.

ذاكرة دماج

من دماج إلى صنعاء، تتراكم الوقائع التي وثقتها الشبكة حول استهداف المجال الديني في اليمن. وتبقى أحداث دماج محطة مبكرة في هذا المسار، قبل أن تتسع دائرة الانتهاكات بعد سيطرة الحوثيين على العاصمة ومؤسسات الدولة.

وتجمع الأرقام بين 1184 انتهاكاً موثقاً في أحداث دماج، و4560 واقعة طالت المساجد ودور العبادة خلال الفترة التي حددها التقرير، و277 قتيلاً من الأئمة والخطباء ورجال الدين، و178 مصاباً، وأكثر من 1832 معتقلاً، و386 إماماً وخطيباً في عداد المخفيين، وفق بيانات الشبكة.

ولا تعني هذه الأرقام وحدها إثبات المسؤولية القانونية عن كل واقعة، إذ تحتاج الادعاءات الحقوقية إلى تحقيق مستقل ومقارنة بالمصادر الأخرى، لكنها تكشف، في مجموعها، عن ملف واسع من الانتهاكات يستدعي التوثيق والمساءلة.

ملف السلام

لا يقتصر أثر حماية دور العبادة على الجانب الديني، بل يرتبط باستقرار المجتمع ومستقبل الدولة اليمنية. فأي تسوية لا تتعامل مع ملف حرية المعتقد وحماية المساجد والأقليات قد تترك جانباً من أسباب التوتر الاجتماعي دون معالجة.

ويضع التقرير أمام المجتمع الدولي جملة من المطالب، في مقدمتها وقف استهداف دور العبادة ورجال الدين، والإفراج عن المعتقلين بسبب معتقداتهم أو نشاطهم الديني السلمي، والكشف عن مصير المخفيين، وإخلاء المساجد المستخدمة كمقرات أو ثكنات أو مخازن للأسلحة، وإعادة تأهيل الدور المتضررة.

وفي المحصلة، تكشف الوقائع الموثقة أن المسجد في مناطق الصراع اليمني لم يعد دائماً بمنأى عن التجاذبات العسكرية والأيديولوجية، وأن حماية دوره الديني والاجتماعي ترتبط بحماية المدنيين وحرية المعتقد وبناء مؤسسات الدولة.

ومن دماج إلى صنعاء، تظل حماية دور العبادة وحرية الدين والمعتقد أحد الملفات التي تحتاج إلى معالجة ضمن أي مسار يهدف إلى إنهاء الصراع وبناء سلام مستدام في اليمن.