يحمل الجبل الأسود اسمه في لغته المحلية بصيغة Crna Gora، تسرنا غورا، وتعني حرفيا «الجبل الأسود»، وهي تسمية ارتبطت بجباله الكثيفة بالغابات، ولا سيما لوفجن القريبة من الساحل الأدرياتيكي، وانتقلت أوروبيا بصيغة Montenegro.
تقع البلاد في البلقان على الساحل الأدرياتيكي، وتجمع في مساحة صغيرة الجبال والبحيرات والغابات، حتى يبدو اسمها مفتاحا لقراءة بلد متنوع تشكلت هويته عند التقاء الجبل بالبحر والبلقان بالمتوسط.
بلد يختار زمنه
هناك أمكنة تلحّ على الروح وتخلق شيئا خفيا في داخلنا ظل يتجه نحوها منذ زمن طويل، تبدأ نقطة صغيرة على الخريطة، ثم تتحول إلى وجهة تدرك عند الوصول إليها أن الرحلة بدأت قبل ذلك بوقت طويل، يوم اختار المكان أن يستقر في الذاكرة دون سبب واضح. هكذا كان الجبل الأسود بالنسبة إلي، مكان يبحث عنك كما كنت تبحث عنه بصمت.
إلى تلك الوجهة، مونتينيغرو، تركت الطريق لفضول الكاتبة التي تؤمن أن البلدان تُقرأ من إيقاعها، ومن الطريقة التي تحفظ بها ذاكرتها وعلاقتها بالزمن، ومن الملامح التي عجنتها شمسها ورياحها وحجارتها في وجوه سكانها. جئت إليها من عسير، من جبال تعرف كيف تتنفس الضباب، وتستقبل المطر في عز الصيف، وتترك للأشجار المعمرة مهمة حفظ ذاكرة العابرين، وحملت معي تلك الجبال إلى جبال أخرى ولغة أخرى للطبيعة.
كانت العيون الخضراء تنظر إلى العالم بطريقتها، وكانت العيون الداكنة تحمل حكاياتها بصمتها الخاص، وبقيت اللغة الأعمق واحدة، لغة تعرفها الجبال أينما كانت، حتى خيل إلي أن الجبال، مهما تباعدت قاراتها، تتبادل الحكايات بصمت.
ومنذ اللحظة الأولى بدا لي الجبل الأسود أقرب إلى إنسان واثق من حكايته، يحمل ماضيه في طريقه إلى المستقبل ويحفظ ذاكرته بخفة، ومع كل يوم كانت فكرة واحدة تتقدم سائر الأفكار حتى غدت المفتاح الذي يفتح هذا البلد كله: الإيقاع.
إيقاع الطمأنينة
لكل شعب طريقته في العيش مع الزمن، فبعض الشعوب تجعل أيامها سباقا متصلا وتقيس النجاح بسرعة الإنجاز، بينما تمنح شعوب أخرى الوقت فرصة ليكشف معناه، وتسير معه بإيقاع يسمح للعين أن ترى، وللأذن أن تنصت، وللقلب أن يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تمر سريعا أمام المستعجلين.
هذا أول ما لفت انتباهي في الجبل الأسود، رأيته في السائق الذي يعبر الطرق الجبلية بثقة هادئة وكأنه يعرف أن الطريق يصل دائما إلى نهايته، وفي الأصدقاء الذين يطيلون الجلوس في المقاهي دون قلق من ساعة تمضي، كأن اليوم يتسع لكل ما يريدون.
مع الأيام أدركت أن هذا الهدوء جزء من نظرة أوسع إلى الحياة، ترى أن قيمة الساعة تكمن فيما تمنحه للإنسان من حضور أكثر مما تمنحه من إنجاز. ولعل أكثر ما شدني قدرتهم على تحويل الصورة النمطية إلى مساحة للابتسام، فحين يصفهم الآخرون بالكسل يجيبون بإقامة مسابقة سنوية في قرية بريزنا يتنافس المشاركون فيها على الاستلقاء أطول مدة ممكنة، في صورة تكشف مجتمعا واثقا من نفسه يحتفظ بإيقاعه الخاص.
وأنا أراقب هذا كله وجدت نفسي أفكر:
ماذا لو كان الزمن نفسه ثقافة؟ ماذا لو أن الشعوب تختلف في علاقتها بالوقت كما تختلف في لغاتها وأطعمتها وعمارتها؟
عندها فهمت أن أول درس منحني إياه الجبل الأسود كان عن الوقت، ذلك الرفيق الذي قضيت سنوات طويلة أحاول اللحاق به، ثم رأيته هناك يسير إلى جوار الناس بهدوء، حتى شعرت أن الحياة تصبح أكثر رحابة كلما كففنا عن مطاردتها.
الجبل الذي يتنفس البحر
إذا كان إيقاع الطمأنينة هو الروح الخفية للجبل الأسود، فإن الجغرافيا تمنحه ملامحه، وتقرأ هذه البلاد من خلال حوار طويل بين عناصر خريطتها، فالجبل يهبط نحو البحر، والبحر يصعد إلى الجبل، حتى يبدو المشهد كله اتفاقا قديما بين قوتين عظميين اقتسمتا المكان ومنحتاه شخصيته المتفردة.
نشأت الدولة بين جبال وعرة توزعت فوقها القرى، ووجد الناس أنفسهم أمام طبيعة تعلمهم الصبر، بينما كان البحر الأدرياتيكي يحمل السفن والتجار واللغات والأفكار ويربط الساحل بالعالم المتوسطي، ومن هذا اللقاء تشكلت شخصية تعرف كيف تمد يدها إلى العالم وتحافظ على جذورها.
في كثير من البلدان يقف الجبل خلف الساحل كأنه يُراقب البحر من بعيد، أما هنا فيكاد يلامس الماء بيديه، فتنحدر الطرق من القمم إلى الخلجان في دقائق معدودة ويبقى البحر حاضرا في المشهد حتى وأنت ترتفع مئات الأمتار. وأثناء الرحلة كنت أرى آثار هذا الحوار في الصخور الكلسية، وفي الشواطئ التي تمتد عليها مئات الحجارة الملساء مختلفة الألوان والأحجام، كأن البحر قضى آلاف السنين يصقل كل واحدة منها حتى أصبحت تحمل ملامحها الخاصة.
أمام تلك الحجارة عادت إلي صورة بعيدة من عسير. كانت الطبيعة في المكانين تحمل الحكمة نفسها، فالمطر يغير وجه الأرض في كل مرة، والأشجار تمضي في أعمارها الطويلة حتى تصبح جزءا من ذاكرة المكان، والجبال تمنح الإنسان فرصة للنظر إلى العالم من أفق أوسع، فيتبدل اتساع الرؤية قبل أن يتبدل المشهد.
الذاكرة التي لا تهدم
بعد أيام من التجوال بين الجبال والسواحل، بدأت ألاحظ أن أكثر ما يميز الجبل الأسود يكمن في ذلك الجزء الذي اختار الناس الاحتفاظ به من ذاكرتهم، فقد بدا الزمن أكثر رفقا بما خلفه، يُضيف إليه طبقة جديدة ويترك الطبقات السابقة تواصل حضورها، حتى شعرت أن المستقبل يزداد رسوخا كلما عرف الإنسان كيف يحمل تاريخه دون أن يُثقله.
كانت سيتينيي العاصمة التاريخية أول مكان شعرت فيه بهذا المعنى، مدينة صغيرة تحتفظ بهدوء المدن التي تعرف قيمتها. ومن سيتينيي إلى كوتور يتغير المشهد وتبقى الذاكرة هي اللغة المشتركة، فالسور الذي يلتف حول المدينة يبدو سيرة حجرية لقرون طويلة، وبين الأزقة والبيوت الحجرية والساحات الصغيرة يعيش الماضي داخل تفاصيل الحياة اليومية، حتى القطط التي تتحرك بثقة بين العتبات والساحات بدت جزءا من ذاكرة المدينة البحرية.
وعلى الطريق إلى أخدود تارا تراجعت المدن وتقدمت الطبيعة، فالوادي الذي نحته النهر عبر ملايين السنين يقدم درسا هادئا في الزمن الذي يتشكل بصبر، وهناك خرجت أحمل باقة صغيرة من الزهور البرية وشيئا من هوائه وصوت مياهه وسكينة المكان.
في تاريخ الجبل الأسود تبدو تجربة يوغسلافيا مرحلة أخرى من هذه الذاكرة، تركت آثارها وأسئلتها، ثم واصلت البلاد نموها وهي تحمل ما سبقها معها.
الأدب يسبق المسافر
عاشت البلقان في ذاكرتي سنوات طويلة من خلال الأدب قبل أن أراها على الخرائط، فبعض الأمكنة تدخل الذاكرة عبر الأخبار وبعضها عبر الصور، أما هذه المنطقة فقد دخلتها من باب الرواية التي استطاعت أن تحول تاريخا بالغ التعقيد إلى حكايات عن الإنسان.
تعرّف القارئ العربي إلى البلقان عبر أسماء مثل إيفو أندريتش وإسماعيل كاداريه وميلوراد بافيتش، حتى بدا كأن هذه المنطقة تكتب تاريخها بالروايات بقدر ما تكتبه الوثائق. فحين وصلت إلى الجبل الأسود شعرت أن الأدب سبقني إليه وفتح بيني وبينه حوارا بدأ قبل سنوات، ثم اكتمل عندما تحولت الأزقة إلى طرق أمشي فيها، وأصبح الحجر الذي تخيلته في الروايات حجرا ألمسه بيدي. في أحد صباحات بودفا دخلت المكتبة القديمة مدفوعة بالفضول نفسه الذي رافقني منذ بداية الرحلة، وأدركت خلال حديث عن الشعراء والروائيين أن المشهد الأدبي في الجبل الأسود أوسع مما وصل إلى العربية، وأن ما نعرفه نافذة صغيرة تطل على مكتبة ما زالت تنتظر من يترجمها.
خرجت من الجبل الأسود بقائمة كتب أطول من قائمة الهدايا، وبقناعة أن الأدب يفتح أبوابا تعجز الخرائط عن رسمها، ويقودنا إلى طبقات خفية من روح المكان.
بلاد لا تستعجل الغد
شدّ انتباهي في الجبل الأسود الطريقة التي تُدار بها التنمية، فقد بدا المستقبل امتدادا طبيعيا لما سبقه، يحتفظ المكان بشخصيته وهو يضيف إليها طبقات جديدة، وتتجاور المنتجعات الحديثة مع القرى القديمة فيما تواصل المدن التاريخية حياتها بإيقاعها المعتاد.
عادت إلى ذهني كروم العنب الممتدة فوق الأراضي الكلسية الصخرية، تغرس جذورها بين الصخور وتشق طريقها بصبر وتستخرج من الأرض القاسية ما يمنح ثمرها امتلاء ونضجا، حتى بدت المجتمعات شبيهة بكرومها، تنضج بقدر ما تعرف أرضها وتُحسن تحويل الصعوبة إلى خبرة والذاكرة إلى قوة تدفعها نحو الغد. فالدول مثل الأشجار، تنمو بإيقاعات مختلفة، وتثمر بطرق مختلفة، وكل أرض تحتفظ بسرها الذي لا يصلح أن يفرض على سواها.
وفي بورتو مونتينيغرو رأيت كيف يمكن لمكان ارتبط بوظيفة عسكرية أن يتحول إلى فضاء للحياة والثقافة واللقاءات الإنسانية، محتفظا بذاكرته وهو يكتب فصلا جديدا من حكايته.
ما يبقى من الطريق
حين أقلعت الطائرة في رحلة العودة، كان إحساسي كله يتجه إلى أن جزءا مني بقي هناك، عند مُنعطف ينحدر من الجبل إلى البحر، أو تحت شجرة عتيقة مرت من تحتها أجيال لا تحصى، أو على حافة أخدود ظل النهر ينحته ملايين السنين حتى أصبح درسا في الصبر قبل أن يكون معجزة في الجغرافيا، وعاد معي جزء آخر من ذلك المكان حتى غدا من الصعب أن أعرف أيهما كان المسافر الحقيقي، أنا التي ذهبت إلى الجبل الأسود، أم الجبل الأسود الذي وجد طريقه إلى داخلي.
عدت إلى أبها، إلى الجبال التي أعرف أسماءها كما أعرف أسماء الأصدقاء، وإلى الضباب والمطر الذي يزورنا في الصيف دون موعد، وعدت بعين ترى في الأشجار امتدادا لأشجار بعيدة، وفي الصمت الذي يسبق المطر صدى جبال أخرى، وتدرك أن للطبيعة لغة واحدة تتبدل مفرداتها من مكان إلى آخر، وأن البلدان التي نزورها تمنحنا فرصة للنظر إلى أوطاننا بعيون جديدة.
كانت الباقة البريّة الصغيرة التي حصلت عليها من أخدود تارا، والحجارة الملونة التي جمعتها من شاطئ البحر الأدرياتيكي، أصدق ما حملته معي، احتفظ الجبل بنصيبه في الأولى، واحتفظ البحر بنصيبه في الثانية، أما أنا فعدت أحمل أثرهما معا، بما فيه من هواء وضوء وصمت.
حين أستعيد الجبل الأسود اليوم، يتصدر الإيقاع المشهد كله، وأفهم ذلك النداء الخفيّ الذي شعرت به قبل أن أقرر زيارته، وكأن الروح كانت تعرف وجهتها قبل أن تعرفها الخرائط، وكانت تبحث عن جبل آخر تتحاور معه، وعن فسحة هادئة تعيد ترتيب ما بعثرته سنوات العمل والانشغال. ويعود إليّ صدى الطرق الجبلية ورائحة الغابات بعد المطر والبحر وهو يصعد إلى الجبال، وتبقى الباقة الصغيرة شاهدة على أن بعض الرحلات تبدأ لحظة العودة.
في هذه الرحلة أصغيت إلى الجبل الأسود، وما زلت منذ ذلك اليوم أعيش على شيء من إيقاعه.
تقع البلاد في البلقان على الساحل الأدرياتيكي، وتجمع في مساحة صغيرة الجبال والبحيرات والغابات، حتى يبدو اسمها مفتاحا لقراءة بلد متنوع تشكلت هويته عند التقاء الجبل بالبحر والبلقان بالمتوسط.
بلد يختار زمنه
هناك أمكنة تلحّ على الروح وتخلق شيئا خفيا في داخلنا ظل يتجه نحوها منذ زمن طويل، تبدأ نقطة صغيرة على الخريطة، ثم تتحول إلى وجهة تدرك عند الوصول إليها أن الرحلة بدأت قبل ذلك بوقت طويل، يوم اختار المكان أن يستقر في الذاكرة دون سبب واضح. هكذا كان الجبل الأسود بالنسبة إلي، مكان يبحث عنك كما كنت تبحث عنه بصمت.
إلى تلك الوجهة، مونتينيغرو، تركت الطريق لفضول الكاتبة التي تؤمن أن البلدان تُقرأ من إيقاعها، ومن الطريقة التي تحفظ بها ذاكرتها وعلاقتها بالزمن، ومن الملامح التي عجنتها شمسها ورياحها وحجارتها في وجوه سكانها. جئت إليها من عسير، من جبال تعرف كيف تتنفس الضباب، وتستقبل المطر في عز الصيف، وتترك للأشجار المعمرة مهمة حفظ ذاكرة العابرين، وحملت معي تلك الجبال إلى جبال أخرى ولغة أخرى للطبيعة.
كانت العيون الخضراء تنظر إلى العالم بطريقتها، وكانت العيون الداكنة تحمل حكاياتها بصمتها الخاص، وبقيت اللغة الأعمق واحدة، لغة تعرفها الجبال أينما كانت، حتى خيل إلي أن الجبال، مهما تباعدت قاراتها، تتبادل الحكايات بصمت.
ومنذ اللحظة الأولى بدا لي الجبل الأسود أقرب إلى إنسان واثق من حكايته، يحمل ماضيه في طريقه إلى المستقبل ويحفظ ذاكرته بخفة، ومع كل يوم كانت فكرة واحدة تتقدم سائر الأفكار حتى غدت المفتاح الذي يفتح هذا البلد كله: الإيقاع.
إيقاع الطمأنينة
لكل شعب طريقته في العيش مع الزمن، فبعض الشعوب تجعل أيامها سباقا متصلا وتقيس النجاح بسرعة الإنجاز، بينما تمنح شعوب أخرى الوقت فرصة ليكشف معناه، وتسير معه بإيقاع يسمح للعين أن ترى، وللأذن أن تنصت، وللقلب أن يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تمر سريعا أمام المستعجلين.
هذا أول ما لفت انتباهي في الجبل الأسود، رأيته في السائق الذي يعبر الطرق الجبلية بثقة هادئة وكأنه يعرف أن الطريق يصل دائما إلى نهايته، وفي الأصدقاء الذين يطيلون الجلوس في المقاهي دون قلق من ساعة تمضي، كأن اليوم يتسع لكل ما يريدون.
مع الأيام أدركت أن هذا الهدوء جزء من نظرة أوسع إلى الحياة، ترى أن قيمة الساعة تكمن فيما تمنحه للإنسان من حضور أكثر مما تمنحه من إنجاز. ولعل أكثر ما شدني قدرتهم على تحويل الصورة النمطية إلى مساحة للابتسام، فحين يصفهم الآخرون بالكسل يجيبون بإقامة مسابقة سنوية في قرية بريزنا يتنافس المشاركون فيها على الاستلقاء أطول مدة ممكنة، في صورة تكشف مجتمعا واثقا من نفسه يحتفظ بإيقاعه الخاص.
وأنا أراقب هذا كله وجدت نفسي أفكر:
ماذا لو كان الزمن نفسه ثقافة؟ ماذا لو أن الشعوب تختلف في علاقتها بالوقت كما تختلف في لغاتها وأطعمتها وعمارتها؟
عندها فهمت أن أول درس منحني إياه الجبل الأسود كان عن الوقت، ذلك الرفيق الذي قضيت سنوات طويلة أحاول اللحاق به، ثم رأيته هناك يسير إلى جوار الناس بهدوء، حتى شعرت أن الحياة تصبح أكثر رحابة كلما كففنا عن مطاردتها.
الجبل الذي يتنفس البحر
إذا كان إيقاع الطمأنينة هو الروح الخفية للجبل الأسود، فإن الجغرافيا تمنحه ملامحه، وتقرأ هذه البلاد من خلال حوار طويل بين عناصر خريطتها، فالجبل يهبط نحو البحر، والبحر يصعد إلى الجبل، حتى يبدو المشهد كله اتفاقا قديما بين قوتين عظميين اقتسمتا المكان ومنحتاه شخصيته المتفردة.
نشأت الدولة بين جبال وعرة توزعت فوقها القرى، ووجد الناس أنفسهم أمام طبيعة تعلمهم الصبر، بينما كان البحر الأدرياتيكي يحمل السفن والتجار واللغات والأفكار ويربط الساحل بالعالم المتوسطي، ومن هذا اللقاء تشكلت شخصية تعرف كيف تمد يدها إلى العالم وتحافظ على جذورها.
في كثير من البلدان يقف الجبل خلف الساحل كأنه يُراقب البحر من بعيد، أما هنا فيكاد يلامس الماء بيديه، فتنحدر الطرق من القمم إلى الخلجان في دقائق معدودة ويبقى البحر حاضرا في المشهد حتى وأنت ترتفع مئات الأمتار. وأثناء الرحلة كنت أرى آثار هذا الحوار في الصخور الكلسية، وفي الشواطئ التي تمتد عليها مئات الحجارة الملساء مختلفة الألوان والأحجام، كأن البحر قضى آلاف السنين يصقل كل واحدة منها حتى أصبحت تحمل ملامحها الخاصة.
أمام تلك الحجارة عادت إلي صورة بعيدة من عسير. كانت الطبيعة في المكانين تحمل الحكمة نفسها، فالمطر يغير وجه الأرض في كل مرة، والأشجار تمضي في أعمارها الطويلة حتى تصبح جزءا من ذاكرة المكان، والجبال تمنح الإنسان فرصة للنظر إلى العالم من أفق أوسع، فيتبدل اتساع الرؤية قبل أن يتبدل المشهد.
الذاكرة التي لا تهدم
بعد أيام من التجوال بين الجبال والسواحل، بدأت ألاحظ أن أكثر ما يميز الجبل الأسود يكمن في ذلك الجزء الذي اختار الناس الاحتفاظ به من ذاكرتهم، فقد بدا الزمن أكثر رفقا بما خلفه، يُضيف إليه طبقة جديدة ويترك الطبقات السابقة تواصل حضورها، حتى شعرت أن المستقبل يزداد رسوخا كلما عرف الإنسان كيف يحمل تاريخه دون أن يُثقله.
كانت سيتينيي العاصمة التاريخية أول مكان شعرت فيه بهذا المعنى، مدينة صغيرة تحتفظ بهدوء المدن التي تعرف قيمتها. ومن سيتينيي إلى كوتور يتغير المشهد وتبقى الذاكرة هي اللغة المشتركة، فالسور الذي يلتف حول المدينة يبدو سيرة حجرية لقرون طويلة، وبين الأزقة والبيوت الحجرية والساحات الصغيرة يعيش الماضي داخل تفاصيل الحياة اليومية، حتى القطط التي تتحرك بثقة بين العتبات والساحات بدت جزءا من ذاكرة المدينة البحرية.
وعلى الطريق إلى أخدود تارا تراجعت المدن وتقدمت الطبيعة، فالوادي الذي نحته النهر عبر ملايين السنين يقدم درسا هادئا في الزمن الذي يتشكل بصبر، وهناك خرجت أحمل باقة صغيرة من الزهور البرية وشيئا من هوائه وصوت مياهه وسكينة المكان.
في تاريخ الجبل الأسود تبدو تجربة يوغسلافيا مرحلة أخرى من هذه الذاكرة، تركت آثارها وأسئلتها، ثم واصلت البلاد نموها وهي تحمل ما سبقها معها.
الأدب يسبق المسافر
عاشت البلقان في ذاكرتي سنوات طويلة من خلال الأدب قبل أن أراها على الخرائط، فبعض الأمكنة تدخل الذاكرة عبر الأخبار وبعضها عبر الصور، أما هذه المنطقة فقد دخلتها من باب الرواية التي استطاعت أن تحول تاريخا بالغ التعقيد إلى حكايات عن الإنسان.
تعرّف القارئ العربي إلى البلقان عبر أسماء مثل إيفو أندريتش وإسماعيل كاداريه وميلوراد بافيتش، حتى بدا كأن هذه المنطقة تكتب تاريخها بالروايات بقدر ما تكتبه الوثائق. فحين وصلت إلى الجبل الأسود شعرت أن الأدب سبقني إليه وفتح بيني وبينه حوارا بدأ قبل سنوات، ثم اكتمل عندما تحولت الأزقة إلى طرق أمشي فيها، وأصبح الحجر الذي تخيلته في الروايات حجرا ألمسه بيدي. في أحد صباحات بودفا دخلت المكتبة القديمة مدفوعة بالفضول نفسه الذي رافقني منذ بداية الرحلة، وأدركت خلال حديث عن الشعراء والروائيين أن المشهد الأدبي في الجبل الأسود أوسع مما وصل إلى العربية، وأن ما نعرفه نافذة صغيرة تطل على مكتبة ما زالت تنتظر من يترجمها.
خرجت من الجبل الأسود بقائمة كتب أطول من قائمة الهدايا، وبقناعة أن الأدب يفتح أبوابا تعجز الخرائط عن رسمها، ويقودنا إلى طبقات خفية من روح المكان.
بلاد لا تستعجل الغد
شدّ انتباهي في الجبل الأسود الطريقة التي تُدار بها التنمية، فقد بدا المستقبل امتدادا طبيعيا لما سبقه، يحتفظ المكان بشخصيته وهو يضيف إليها طبقات جديدة، وتتجاور المنتجعات الحديثة مع القرى القديمة فيما تواصل المدن التاريخية حياتها بإيقاعها المعتاد.
عادت إلى ذهني كروم العنب الممتدة فوق الأراضي الكلسية الصخرية، تغرس جذورها بين الصخور وتشق طريقها بصبر وتستخرج من الأرض القاسية ما يمنح ثمرها امتلاء ونضجا، حتى بدت المجتمعات شبيهة بكرومها، تنضج بقدر ما تعرف أرضها وتُحسن تحويل الصعوبة إلى خبرة والذاكرة إلى قوة تدفعها نحو الغد. فالدول مثل الأشجار، تنمو بإيقاعات مختلفة، وتثمر بطرق مختلفة، وكل أرض تحتفظ بسرها الذي لا يصلح أن يفرض على سواها.
وفي بورتو مونتينيغرو رأيت كيف يمكن لمكان ارتبط بوظيفة عسكرية أن يتحول إلى فضاء للحياة والثقافة واللقاءات الإنسانية، محتفظا بذاكرته وهو يكتب فصلا جديدا من حكايته.
ما يبقى من الطريق
حين أقلعت الطائرة في رحلة العودة، كان إحساسي كله يتجه إلى أن جزءا مني بقي هناك، عند مُنعطف ينحدر من الجبل إلى البحر، أو تحت شجرة عتيقة مرت من تحتها أجيال لا تحصى، أو على حافة أخدود ظل النهر ينحته ملايين السنين حتى أصبح درسا في الصبر قبل أن يكون معجزة في الجغرافيا، وعاد معي جزء آخر من ذلك المكان حتى غدا من الصعب أن أعرف أيهما كان المسافر الحقيقي، أنا التي ذهبت إلى الجبل الأسود، أم الجبل الأسود الذي وجد طريقه إلى داخلي.
عدت إلى أبها، إلى الجبال التي أعرف أسماءها كما أعرف أسماء الأصدقاء، وإلى الضباب والمطر الذي يزورنا في الصيف دون موعد، وعدت بعين ترى في الأشجار امتدادا لأشجار بعيدة، وفي الصمت الذي يسبق المطر صدى جبال أخرى، وتدرك أن للطبيعة لغة واحدة تتبدل مفرداتها من مكان إلى آخر، وأن البلدان التي نزورها تمنحنا فرصة للنظر إلى أوطاننا بعيون جديدة.
كانت الباقة البريّة الصغيرة التي حصلت عليها من أخدود تارا، والحجارة الملونة التي جمعتها من شاطئ البحر الأدرياتيكي، أصدق ما حملته معي، احتفظ الجبل بنصيبه في الأولى، واحتفظ البحر بنصيبه في الثانية، أما أنا فعدت أحمل أثرهما معا، بما فيه من هواء وضوء وصمت.
حين أستعيد الجبل الأسود اليوم، يتصدر الإيقاع المشهد كله، وأفهم ذلك النداء الخفيّ الذي شعرت به قبل أن أقرر زيارته، وكأن الروح كانت تعرف وجهتها قبل أن تعرفها الخرائط، وكانت تبحث عن جبل آخر تتحاور معه، وعن فسحة هادئة تعيد ترتيب ما بعثرته سنوات العمل والانشغال. ويعود إليّ صدى الطرق الجبلية ورائحة الغابات بعد المطر والبحر وهو يصعد إلى الجبال، وتبقى الباقة الصغيرة شاهدة على أن بعض الرحلات تبدأ لحظة العودة.
في هذه الرحلة أصغيت إلى الجبل الأسود، وما زلت منذ ذلك اليوم أعيش على شيء من إيقاعه.