لم تعد المليشيا الحوثية الإرهابية مجرد حركة تمرد محلية تعتمد على الصواريخ المرتجلة والمعدات التقليدية القديمة المأخوذة من مخازن الجيش اليمني؛ بل تحولت، وفقًا لأحدث تقارير معاهد الدراسات الأمنية والعسكرية، إلى ما يُعرف عسكرياً بـ«القوة الهجينة المتطورة».
وتوضح المؤشرات الفنية أن الجماعة باتت تمتلك ترسانة تسليحية وصاروخية تمنحها قدرات عملياتية غير تقليدية، تتيح لها استهداف خطوط الملاحة الدولية وإدارة عمليات عسكرية طويلة. وتكشف التقارير المخبرية الصادرة عن منظمات استقصاء الأسلحة الدولية، وعلى رأسها منظمة «أبحاث تسليح النزاعات» البريطانية، عن اتساع نطاق التجارب العسكرية للجماعة واستخدامها لمنظومات أسلحة مخصصة للعمليات الهجومية غير المتناظرة. ويعود هذا التحول الهيكلي إلى شبكة إمداد معقدة تدمج بين الدعم اللوجستي الإيراني المباشر، وتوظيف الأسواق التجارية العالمية لشراء قطع مدنية، واستغلال برمجيات الذكاء الاصطناعي وطاقة الهيدروجين لتجاوز العوائق التقنية.
وكشف التقارير عن قفزة تقنية مرعبة في تكتيكات المليشيا الحوثية الإرهابية؛ حيث بدأت الجماعة في إجراء تجارب عسكرية واستخدام منظومات أسلحة متطورة لا تمتلكها أي جماعة مسلحة أخرى خارج إطار الدول في التاريخ الحديث.
هذا التحول لم يكن وليد صدفة، بل جاء نتاج شبكة إمداد معقدة عابرة للقارات، تدمج بين الدعم اللوجستي الإيراني المباشر، وتوظيف الأسواق التجارية العالمية، واستغلال الثورة التكنولوجية الحديثة كبرمجيات الذكاء الاصطناعي وطاقة الهيدروجين.
خريطة الترسانة الحوثية
تُظهر تحليلات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن وواشنطن أن المليشيا الحوثية الإرهابية استطاعت تنويع وتطوير ترسانتها الهجومية لتشمل 4 أبعاد عسكرية رئيسية، وتأتي على رأس هذه الترسانة صواريخ باليستية فرط صوتية وبعيدة المدى قادرة على تهديد الملاحة الدولية وضرب أهداف في عمق الإقليم، ومن أبرزها صاروخ «فلسطين-2» الذي يعمل بالوقود الصلب على مرحلتين، وتؤكد الدراسات الغربية أنه يتميز بسرعات عالية وقدرة على المناورة لتجاوز المنظومات الدفاعية الجوية المتطورة، حيث يصل مداه الإستراتيجي إلى أكثر من 2000 كيلومتر. هذا بالإضافة إلى صاروخ «طوفان» وهو النسخة المعدلة والمُعاد تسميتها محلياً من صاروخ «قدر» الإيراني، ويتراوح مداه العملياتي بين 1350 و1950 كيلومترا، ويُدار عبر منصات إطلاق متنقلة يصعب رصدها مسبقاً.
وفيما يتعلق بصواريخ كروز الجوالة والمنظومات المعدلة، تمتلك المليشيا الحوثية الإرهابية سلسلة صواريخ «قدس» بمختلف أجيالها، وهي صواريخ كروز مخصصة للهجمات البرية وضرب المنشآت الاقتصادية الحيوية.
وقامت المليشيا، بمساعدة خبراء الحرس الثوري الإيراني، بتعديل صواريخ دفاع جوي قديمة وتحويلها إلى صواريخ أرض-أرض، أو صواريخ تتبع حراري قادرة على استهداف الطائرات المسيرة وصواريخ كروز التابعة للتحالفات الدولية في البحر الأحمر.
شهد البُعد البحري التطور الأكثر خطورة للمليشيا الحوثية الإرهابية، حيث أدخلت الجماعة عسكرياً ما يُعرف بالمركبات غير المأهولة تحت الماء، أو ما يُطلق عليه الطوربيدات الانتحارية الغاطسة. هذه المسيرات تسير تحت سطح الماء بسنتيمترات قليلة، ما يجعل كشفها بالرادارات التقليدية شبه مستحيل، وتستهدف ضرب السفن التجارية وناقلات النفط من الأسفل، وهي نقطة الضعف الهيكلية القاتلة لأي سفينة.
ويأتي هذا إلى جانب الصواريخ المضادة للسفن مثل «المندب-2» وصاروخ «عاصف» الباليستي البحري. كما تعتمد المليشيا الإرهابية على عائلات متعددة من الطائرات المسيرة الانتحارية، أبرزها مسيرات «صماد» ومسيرات «وعيد» الانتحارية التي يتجاوز مداها 2500 كيلومتر، ومسيرة «يافا»، والتي تتميز بقدرتها على حمل رؤوس متفجرة شديدة التدمير والطيران لمدد زمنية طويلة على ارتفاعات منخفضة.
جوا، تُتهم شركة «طيران ماهان» الإيرانية بكونها الشريان الجوي والغطاء المدني للحرس الثوري لتهريب الأسلحة؛ حيث استغلت رحلاتها إلى مطار صنعاء لنقل مستشاري الحرس الثوري وتكنولوجيا الطائرات المسيرة ومكونات الصواريخ لجماعة الحوثي، مما جعلها هدفاً دائماً للعقوبات الدولية بتهمة دعم الإرهاب وزعزعة استقرار اليمن.
كيف تصل الأسلحة والتكنولوجيا لليمن؟
التحقيقات الاستقصائية الدولية فككت اللغز الكامن وراء كيفية تدفق هذه الترسانة الضخمة إلى المليشيا الحوثية الإرهابية رغم الحظر البحري والجوي الدولي المفروض بموجب القرارات الأممية، وتتلخص هذه الآلية في ثلاثة مسارات إستراتيجية متكاملة، أولها آلية الشحن التكتيكي الإيراني المعتمد على مجموعات التفكيك الكلي، حيث أثبتت منظمة أبحاث تسليح النزاعات عبر الفحص المخبري للشحنات المجهضة وحطام الصواريخ، أن إيران لا تشحن الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة الكبيرة ككتلة واحدة لأن ذلك يسهل رصده عبر الأقمار الصناعية وبوارج التفتيش الدولية.
بدلاً من ذلك، تعتمد طهران إستراتيجية تفكيك الصاروخ الواحد في المصانع الإيرانية إلى خمسة أو ستة أجزاء منفصلة تشمل خزان الوقود، ورأس التوجيه الإلكتروني، المحرك، الزعانف، والمواد المتفجرة. يتم توزيع هذه الأجزاء المفككة على قوارب صيد خشبية تقليدية متعددة تنطلق في أوقات متفرقة عبر البحر الأحمر وخليج عدن لتوزيع مخاطر الخسارة المادية؛ فإذا تم اعتراض قارب، تفقد المليشيا جزءاً تكميلياً فقط وليس السلاح كاملاً.
عقب وصول هذه القطع إلى الشواطئ اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة، تُنقل إلى ورش لحام وتجميع سرية تحت الأرض في جبال صعدة والحديدة، حيث يتم تركيبها وتجهيزها للإطلاق بإشراف مباشر من مستشارين فنيين أجانب.
المسار الثاني يتمثل في اختراق سلاسل التوريد المدنية العالمية والاعتماد على المنبع التجاري الصيني، حيث كشفت الوثائق الأمنية الفنية الغربية أن الترسانة العسكرية للمليشيا الحوثية الإرهابية تعتمد بشكل مكثف على مكونات دقيقة ذات منشأ تجاري مدني متاح في الأسواق العالمية.
المحققون الدوليون عثروا داخل حطام الصواريخ والمسيرات الحوثية على مئات القطع الإلكترونية المصنعة في مدينة تشنغدو الصينية، وتشمل المكونات الإلكترونية والمحركات رقائق إلكترونية متطورة، ومحركات صغيرة لطائرات التحكم عن بعد، وأجهزة راديو لاسلكية ذات نطاق عسكري لتوجيه المسيرات وضمان عدم اختراق إشاراتها.
ورصد التقرير البريطاني تدفق شحنات من «راتنيجات الإيبوكسي» المقاومة للحرارة العالية، وهي مادة مدنية تُستخدم في طلاء الرؤوس الحربية للصواريخ الباليستية الحوثية لحمايتها من الاحتراق أو الانفجار المبكر نتيجة الاحتكاك الشديد بالغلاف الجوي أثناء مرحلة الهبوط السريع نحو الهدف.
وتتم عمليات الشراء هذه عبر شركات واجهة مسجلة في دول شرق آسيا والشرق الأوسط، حيث تُطلب هذه المعدات تحت غطاء مشاريع زراعية، أو تجارية، أو لأغراض تصوير الطائرات المدنية المسيرة، مما يعمي المصنعين والشركات الدولية الكبرى عن الوجهة النهائية الحقيقية للشحنات.
ولا تقتصر سلاسل الإمداد على البحر فقط؛ إذ يظهر المسار الثالث استخدام المليشيا الحوثية الإرهابية لممرات برية نائية تمر عبر مناطق حدودية معقدة جغرافياً، فضلاً عن اتخاذ نقاط ترانزيت وتفريغ في دول القرن الإفريقي مثل سواحل الصومال وجيبوتي، حيث يتم تفريغ الشحنات القادمة من السفن الكبيرة ونقلها إلى قوارب أصغر حجماً للتمويه والتخفي من الرادارات البحرية العسكرية.
الذكاء الاصطناعي والتصنيع الهجين
الجانب الأكثر رعباً وحداثة في الدراسات الغربية هو الكشف عن استغلال المليشيا الحوثية الإرهابية للثورة الرقمية لتطوير كفاءة أسلحتها القاتلة بشكل مستقل ومحلي، ومن ذلك دمج خوارزميات الملاحة بالذكاء الاصطناعي، حيث أكد التقرير الاستقصائي لمنظمة أبحاث تسليح النزاعات أن مهندسين وخلايا فنية تابعة للمليشيا الحوثية الإرهابية لَجأوا إلى استخدام نماذج ذكاء اصطناعي تجارية مفتوحة المصدر لتوليد وتعديل وتصحيح الأكواد البرمجية الخاصة بأنظمة توجيه الصواريخ والمسيرات.
تتيح هذه الخوارزميات المطورة بالذكاء الاصطناعي للصواريخ الجوالة إمكانية الملاحة الذاتية القائمة على التعرف البصري والتضاريسي دون الحاجة الكلية للاتصال المستمر بـأنظمة الأقمار الصناعية التقليدية، مما يمنح أسلحتهم حصانة كبيرة ضد عمليات التشويش الإلكتروني والدفاعي الإقليمي.
كما كشفت الفحوصات الفنية عن قيام المليشيا بتجارب لتعديل محركات بعض الطائرات المسيرة الانتحارية لتعمل بواسطة خلايا وقود الهيدروجين بدلاً من الوقود التقليدي أو البطاريات الضعيفة.
هذا التعديل يهدف مباشرة إلى مضاعفة المدى الجغرافي للطيران وتقليص البصمة الحرارية للمسيرة إلى أدنى حد ممكن، مما يصعّب على المنظومات الدفاعية الحرارية اصطيادها. وتوسعت المليشيا في استخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج أجزاء ميكانيكية وهياكل خفيفة الوزن للمسيرات داخل ورشها المحلية وبكلفة مالية زهيدة للغاية.
الاستنتاج الإستراتيجي
خلص التقييم الأمني الإستراتيجي للمؤسسات العسكرية الغربية إلى أن المليشيا الحوثية الإرهابية نجحت في بناء ما يُعرف بـ «النموذج الصناعي - العسكري الهجين الموزع». هذا النموذج يعتمد على حقيقة تقنية حديثة وهي أن السلاح المتطور في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتطلب بالضرورة وجود مصانع ثقيلة وضخمة ومنشآت صناعية عملاقة ومكشوفة لإنتاجه؛ بل بات من الممكن تصنيعه وتجميعه داخل شبكة من الورش الصغيرة والأنفاق والمستودعات المدنية الموزعة جغرافياً، طالما توفرت الأجزاء التكنولوجية الدقيقة المهربة من الخارج.
هذا التحول يضع المجتمع الدولي والتحالفات البحرية أمام تحدٍّ عملياتي معقد للغاية؛ إذ إن الضربات الجوية التقليدية، رغم قدرتها على إضعاف مستودعات الذخيرة ومنصات الإطلاق، لا يمكنها القضاء بشكل كامل على القدرات التسليحية للمليشيا الحوثية الإرهابية لأن المصانع عبارة عن خلايا مجزأة وورش عمل متنقلة.
لذا، تؤكد الدراسات أن الحل الحاسم لمواجهة هذا التهديد العابر للحدود لا يكمن فقط في تدمير السلاح عند منصة إطلاقه، بل في صياغة إستراتيجية استخباراتية واقتصادية دولية صارمة تركز على تجفيف منابع الشراء التكنولوجي، وتشديد الرقابة الرقمية والجنائية على سلاسل توريد المكونات المدنية مزدوجة الاستخدام، وملاحقة الشركات الواجهة وشبكات التهريب المالي واللوجستي التي تغذي ماكينة الموت التابعة للمليشيا الحوثية الإرهابية في المنطقة والعالم.
أبرز محاور تقرير منظمة أبحاث تسليح النزاعات عن أسلحة الحوثيين
* تحوّل المليشيا الحوثية الإرهابية إلى شبكة «ورش جغرافية صغيرة» بدلاً من المصانع التقليدية لتفادي القصف.
* شحن الأسلحة الإيرانية كقطع مفككة عبر قوارب صيد تقليدية، وإعادة تجميعها بالداخل.
* شراء قطع إلكترونية ومحركات ومواد كيميائية مدنية من أسواق «تشنغدو» الصينية للتغطية والتمويه.
* إدخال مسيرات وطوربيدات انتحارية تحت الماء لضرب السفن من نقطة ضعفها الهيكلية.
* استغلال برمجيات الذكاء الاصطناعي لتطوير الملاحة الذاتية، وخلايا الهيدروجين لتمديد المدى.
* التقرير يوصي بتجفيف منابع الشراء الرقمي وملاحقة الشركات الواجهة كحلٍ حاسم.
وتوضح المؤشرات الفنية أن الجماعة باتت تمتلك ترسانة تسليحية وصاروخية تمنحها قدرات عملياتية غير تقليدية، تتيح لها استهداف خطوط الملاحة الدولية وإدارة عمليات عسكرية طويلة. وتكشف التقارير المخبرية الصادرة عن منظمات استقصاء الأسلحة الدولية، وعلى رأسها منظمة «أبحاث تسليح النزاعات» البريطانية، عن اتساع نطاق التجارب العسكرية للجماعة واستخدامها لمنظومات أسلحة مخصصة للعمليات الهجومية غير المتناظرة. ويعود هذا التحول الهيكلي إلى شبكة إمداد معقدة تدمج بين الدعم اللوجستي الإيراني المباشر، وتوظيف الأسواق التجارية العالمية لشراء قطع مدنية، واستغلال برمجيات الذكاء الاصطناعي وطاقة الهيدروجين لتجاوز العوائق التقنية.
وكشف التقارير عن قفزة تقنية مرعبة في تكتيكات المليشيا الحوثية الإرهابية؛ حيث بدأت الجماعة في إجراء تجارب عسكرية واستخدام منظومات أسلحة متطورة لا تمتلكها أي جماعة مسلحة أخرى خارج إطار الدول في التاريخ الحديث.
هذا التحول لم يكن وليد صدفة، بل جاء نتاج شبكة إمداد معقدة عابرة للقارات، تدمج بين الدعم اللوجستي الإيراني المباشر، وتوظيف الأسواق التجارية العالمية، واستغلال الثورة التكنولوجية الحديثة كبرمجيات الذكاء الاصطناعي وطاقة الهيدروجين.
خريطة الترسانة الحوثية
تُظهر تحليلات المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في لندن وواشنطن أن المليشيا الحوثية الإرهابية استطاعت تنويع وتطوير ترسانتها الهجومية لتشمل 4 أبعاد عسكرية رئيسية، وتأتي على رأس هذه الترسانة صواريخ باليستية فرط صوتية وبعيدة المدى قادرة على تهديد الملاحة الدولية وضرب أهداف في عمق الإقليم، ومن أبرزها صاروخ «فلسطين-2» الذي يعمل بالوقود الصلب على مرحلتين، وتؤكد الدراسات الغربية أنه يتميز بسرعات عالية وقدرة على المناورة لتجاوز المنظومات الدفاعية الجوية المتطورة، حيث يصل مداه الإستراتيجي إلى أكثر من 2000 كيلومتر. هذا بالإضافة إلى صاروخ «طوفان» وهو النسخة المعدلة والمُعاد تسميتها محلياً من صاروخ «قدر» الإيراني، ويتراوح مداه العملياتي بين 1350 و1950 كيلومترا، ويُدار عبر منصات إطلاق متنقلة يصعب رصدها مسبقاً.
وفيما يتعلق بصواريخ كروز الجوالة والمنظومات المعدلة، تمتلك المليشيا الحوثية الإرهابية سلسلة صواريخ «قدس» بمختلف أجيالها، وهي صواريخ كروز مخصصة للهجمات البرية وضرب المنشآت الاقتصادية الحيوية.
وقامت المليشيا، بمساعدة خبراء الحرس الثوري الإيراني، بتعديل صواريخ دفاع جوي قديمة وتحويلها إلى صواريخ أرض-أرض، أو صواريخ تتبع حراري قادرة على استهداف الطائرات المسيرة وصواريخ كروز التابعة للتحالفات الدولية في البحر الأحمر.
شهد البُعد البحري التطور الأكثر خطورة للمليشيا الحوثية الإرهابية، حيث أدخلت الجماعة عسكرياً ما يُعرف بالمركبات غير المأهولة تحت الماء، أو ما يُطلق عليه الطوربيدات الانتحارية الغاطسة. هذه المسيرات تسير تحت سطح الماء بسنتيمترات قليلة، ما يجعل كشفها بالرادارات التقليدية شبه مستحيل، وتستهدف ضرب السفن التجارية وناقلات النفط من الأسفل، وهي نقطة الضعف الهيكلية القاتلة لأي سفينة.
ويأتي هذا إلى جانب الصواريخ المضادة للسفن مثل «المندب-2» وصاروخ «عاصف» الباليستي البحري. كما تعتمد المليشيا الإرهابية على عائلات متعددة من الطائرات المسيرة الانتحارية، أبرزها مسيرات «صماد» ومسيرات «وعيد» الانتحارية التي يتجاوز مداها 2500 كيلومتر، ومسيرة «يافا»، والتي تتميز بقدرتها على حمل رؤوس متفجرة شديدة التدمير والطيران لمدد زمنية طويلة على ارتفاعات منخفضة.
جوا، تُتهم شركة «طيران ماهان» الإيرانية بكونها الشريان الجوي والغطاء المدني للحرس الثوري لتهريب الأسلحة؛ حيث استغلت رحلاتها إلى مطار صنعاء لنقل مستشاري الحرس الثوري وتكنولوجيا الطائرات المسيرة ومكونات الصواريخ لجماعة الحوثي، مما جعلها هدفاً دائماً للعقوبات الدولية بتهمة دعم الإرهاب وزعزعة استقرار اليمن.
كيف تصل الأسلحة والتكنولوجيا لليمن؟
التحقيقات الاستقصائية الدولية فككت اللغز الكامن وراء كيفية تدفق هذه الترسانة الضخمة إلى المليشيا الحوثية الإرهابية رغم الحظر البحري والجوي الدولي المفروض بموجب القرارات الأممية، وتتلخص هذه الآلية في ثلاثة مسارات إستراتيجية متكاملة، أولها آلية الشحن التكتيكي الإيراني المعتمد على مجموعات التفكيك الكلي، حيث أثبتت منظمة أبحاث تسليح النزاعات عبر الفحص المخبري للشحنات المجهضة وحطام الصواريخ، أن إيران لا تشحن الصواريخ الباليستية أو الطائرات المسيرة الكبيرة ككتلة واحدة لأن ذلك يسهل رصده عبر الأقمار الصناعية وبوارج التفتيش الدولية.
بدلاً من ذلك، تعتمد طهران إستراتيجية تفكيك الصاروخ الواحد في المصانع الإيرانية إلى خمسة أو ستة أجزاء منفصلة تشمل خزان الوقود، ورأس التوجيه الإلكتروني، المحرك، الزعانف، والمواد المتفجرة. يتم توزيع هذه الأجزاء المفككة على قوارب صيد خشبية تقليدية متعددة تنطلق في أوقات متفرقة عبر البحر الأحمر وخليج عدن لتوزيع مخاطر الخسارة المادية؛ فإذا تم اعتراض قارب، تفقد المليشيا جزءاً تكميلياً فقط وليس السلاح كاملاً.
عقب وصول هذه القطع إلى الشواطئ اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة، تُنقل إلى ورش لحام وتجميع سرية تحت الأرض في جبال صعدة والحديدة، حيث يتم تركيبها وتجهيزها للإطلاق بإشراف مباشر من مستشارين فنيين أجانب.
المسار الثاني يتمثل في اختراق سلاسل التوريد المدنية العالمية والاعتماد على المنبع التجاري الصيني، حيث كشفت الوثائق الأمنية الفنية الغربية أن الترسانة العسكرية للمليشيا الحوثية الإرهابية تعتمد بشكل مكثف على مكونات دقيقة ذات منشأ تجاري مدني متاح في الأسواق العالمية.
المحققون الدوليون عثروا داخل حطام الصواريخ والمسيرات الحوثية على مئات القطع الإلكترونية المصنعة في مدينة تشنغدو الصينية، وتشمل المكونات الإلكترونية والمحركات رقائق إلكترونية متطورة، ومحركات صغيرة لطائرات التحكم عن بعد، وأجهزة راديو لاسلكية ذات نطاق عسكري لتوجيه المسيرات وضمان عدم اختراق إشاراتها.
ورصد التقرير البريطاني تدفق شحنات من «راتنيجات الإيبوكسي» المقاومة للحرارة العالية، وهي مادة مدنية تُستخدم في طلاء الرؤوس الحربية للصواريخ الباليستية الحوثية لحمايتها من الاحتراق أو الانفجار المبكر نتيجة الاحتكاك الشديد بالغلاف الجوي أثناء مرحلة الهبوط السريع نحو الهدف.
وتتم عمليات الشراء هذه عبر شركات واجهة مسجلة في دول شرق آسيا والشرق الأوسط، حيث تُطلب هذه المعدات تحت غطاء مشاريع زراعية، أو تجارية، أو لأغراض تصوير الطائرات المدنية المسيرة، مما يعمي المصنعين والشركات الدولية الكبرى عن الوجهة النهائية الحقيقية للشحنات.
ولا تقتصر سلاسل الإمداد على البحر فقط؛ إذ يظهر المسار الثالث استخدام المليشيا الحوثية الإرهابية لممرات برية نائية تمر عبر مناطق حدودية معقدة جغرافياً، فضلاً عن اتخاذ نقاط ترانزيت وتفريغ في دول القرن الإفريقي مثل سواحل الصومال وجيبوتي، حيث يتم تفريغ الشحنات القادمة من السفن الكبيرة ونقلها إلى قوارب أصغر حجماً للتمويه والتخفي من الرادارات البحرية العسكرية.
الذكاء الاصطناعي والتصنيع الهجين
الجانب الأكثر رعباً وحداثة في الدراسات الغربية هو الكشف عن استغلال المليشيا الحوثية الإرهابية للثورة الرقمية لتطوير كفاءة أسلحتها القاتلة بشكل مستقل ومحلي، ومن ذلك دمج خوارزميات الملاحة بالذكاء الاصطناعي، حيث أكد التقرير الاستقصائي لمنظمة أبحاث تسليح النزاعات أن مهندسين وخلايا فنية تابعة للمليشيا الحوثية الإرهابية لَجأوا إلى استخدام نماذج ذكاء اصطناعي تجارية مفتوحة المصدر لتوليد وتعديل وتصحيح الأكواد البرمجية الخاصة بأنظمة توجيه الصواريخ والمسيرات.
تتيح هذه الخوارزميات المطورة بالذكاء الاصطناعي للصواريخ الجوالة إمكانية الملاحة الذاتية القائمة على التعرف البصري والتضاريسي دون الحاجة الكلية للاتصال المستمر بـأنظمة الأقمار الصناعية التقليدية، مما يمنح أسلحتهم حصانة كبيرة ضد عمليات التشويش الإلكتروني والدفاعي الإقليمي.
كما كشفت الفحوصات الفنية عن قيام المليشيا بتجارب لتعديل محركات بعض الطائرات المسيرة الانتحارية لتعمل بواسطة خلايا وقود الهيدروجين بدلاً من الوقود التقليدي أو البطاريات الضعيفة.
هذا التعديل يهدف مباشرة إلى مضاعفة المدى الجغرافي للطيران وتقليص البصمة الحرارية للمسيرة إلى أدنى حد ممكن، مما يصعّب على المنظومات الدفاعية الحرارية اصطيادها. وتوسعت المليشيا في استخدام تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنتاج أجزاء ميكانيكية وهياكل خفيفة الوزن للمسيرات داخل ورشها المحلية وبكلفة مالية زهيدة للغاية.
الاستنتاج الإستراتيجي
خلص التقييم الأمني الإستراتيجي للمؤسسات العسكرية الغربية إلى أن المليشيا الحوثية الإرهابية نجحت في بناء ما يُعرف بـ «النموذج الصناعي - العسكري الهجين الموزع». هذا النموذج يعتمد على حقيقة تقنية حديثة وهي أن السلاح المتطور في القرن الحادي والعشرين لم يعد يتطلب بالضرورة وجود مصانع ثقيلة وضخمة ومنشآت صناعية عملاقة ومكشوفة لإنتاجه؛ بل بات من الممكن تصنيعه وتجميعه داخل شبكة من الورش الصغيرة والأنفاق والمستودعات المدنية الموزعة جغرافياً، طالما توفرت الأجزاء التكنولوجية الدقيقة المهربة من الخارج.
هذا التحول يضع المجتمع الدولي والتحالفات البحرية أمام تحدٍّ عملياتي معقد للغاية؛ إذ إن الضربات الجوية التقليدية، رغم قدرتها على إضعاف مستودعات الذخيرة ومنصات الإطلاق، لا يمكنها القضاء بشكل كامل على القدرات التسليحية للمليشيا الحوثية الإرهابية لأن المصانع عبارة عن خلايا مجزأة وورش عمل متنقلة.
لذا، تؤكد الدراسات أن الحل الحاسم لمواجهة هذا التهديد العابر للحدود لا يكمن فقط في تدمير السلاح عند منصة إطلاقه، بل في صياغة إستراتيجية استخباراتية واقتصادية دولية صارمة تركز على تجفيف منابع الشراء التكنولوجي، وتشديد الرقابة الرقمية والجنائية على سلاسل توريد المكونات المدنية مزدوجة الاستخدام، وملاحقة الشركات الواجهة وشبكات التهريب المالي واللوجستي التي تغذي ماكينة الموت التابعة للمليشيا الحوثية الإرهابية في المنطقة والعالم.
أبرز محاور تقرير منظمة أبحاث تسليح النزاعات عن أسلحة الحوثيين
* تحوّل المليشيا الحوثية الإرهابية إلى شبكة «ورش جغرافية صغيرة» بدلاً من المصانع التقليدية لتفادي القصف.
* شحن الأسلحة الإيرانية كقطع مفككة عبر قوارب صيد تقليدية، وإعادة تجميعها بالداخل.
* شراء قطع إلكترونية ومحركات ومواد كيميائية مدنية من أسواق «تشنغدو» الصينية للتغطية والتمويه.
* إدخال مسيرات وطوربيدات انتحارية تحت الماء لضرب السفن من نقطة ضعفها الهيكلية.
* استغلال برمجيات الذكاء الاصطناعي لتطوير الملاحة الذاتية، وخلايا الهيدروجين لتمديد المدى.
* التقرير يوصي بتجفيف منابع الشراء الرقمي وملاحقة الشركات الواجهة كحلٍ حاسم.